اسمها المتداول شعبياً هو الكارة، وحين نتحذلق في رسائلنا الصحافية، نسمّيها على سبيل الترفع عما يقوله العوام “الكارو”، وفي كل الأحوال، لا يعبر أيٌ من المصطلحين، إلا عن تلك العربة التي يجرها الحمار أو الحصان.
حتى فترة ما قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع، كان القبول بركوب الكارة من عدمه، يصنع الفارق السميك، بين ثلاث طبقات في المجتمع الغزاوي، الأولى، هي تلك التي يسميها الاشتراكيون “البروليتاريا الرثة”، وهم أكثر الناس بساطة في نسق الحياة وشكلها، يكسب هؤلاء رزقهم اليومي، من العمل في توصيل العفش أو مواد البناء أو نقل القمامة، أو من بيع الخضروات والفواكه في الأسواق أو على أرصفة الطرق.
أما الطبقة الثانية، فهي الطبقة الوسطى، وهي حال أغلب سكان القطاع، الذين توفر لهم الوظيفة الحكومية أو المشروع الخاص “السُترة” وليس الغنى، هؤلاء، لم يضطروا في يومٍ ما، لركوب الكارة، أو حتى لنقل أغراضهم عليها، خصوصاً أن وسائل النقل العمومية من سيارات وباصات، متوفرة ورخيصة وفاقت أعداد الركاب. العمل في غزة، وإن كان مردوده المادي محدوداً، فإنه يقدم لصاحبه هالة اجتماعية، تفرض عليه ما يمكن أن يفعله من عدمه، وسيكون معيباً، أن يُشاهد، معلماً أو شرطياً أو طبيباً يركب وسيلة النقل تلك.
أما الطبقة الثالثة، فهم أولئك الذين فتح الله عليهم، وتمكنوا من اقتناء سيارة شخصية خاصة، هؤلاء، لا بد أنهم تجارٌ ميسوري الحال، أو موظفين في مؤسسات دولية، أو أسرة يعمل فيها الزوج والزوجة معاً في وظيفة حكومية مثلاً، ولم يجبروا في يومٍ ما، على ركوب سيارة أجرة، فضلاً على أن يركبوا كارة يجرها حمار.
والحق، أن أكثر سكان قطاع غزة، لم يفكروا في يومٍ ما، أنهم سيضطرون لركوب الكارة، غير أن هذه الحرب، تجاوزت في قسوتها، كل بريستيجٍ أو قالب اجتماعي كانوا قد حشروا فيه أنفسهم، خصوصاً بعدما خرجت أكثر من 60% من السيارات العمومية والخاصة عن الخدمة، بفعل التدمير، أو شح الوقود. هنا، نابت عربة الكارة عن دور سيارات الأجرة، والإسعاف، وحتى عن المحلات التجارية والبسطات، أضحت وسيلة النقل القميئة، الخيار الجبري الوحيد، لقضاء كل الحاجات.
قبل أيام، حين نفدت شحنة الهواتف واللابتوب، اضطررت لحمل البطارية التي يتجاوز وزنها الخمسين كيلو جراماً، إلى حي تل الزعتر، حيث نجت عدد من خلايا الطاقة الشمسية لأحد الأصدقاء من التخريب، خرجت في المهمة الشاقة، رفقة ابن اختي أحمد، والأخير، هو ولد حاذق، مهووس بالتكنولوجيا وماركات الملابس وأنواع الهواتف والسيارات الفاخرة، قطعنا عدة مئات من المترات على هذه الحالة، قبل أن أصادف أبو عطا وكأني “موعود بعيونه أنا” الذي وجد بي “نقلة الاستفتاح”: وين طالع؟ ليقاطع الحوار أحمد، “لا ما بنطلع على حمار!”، أكملت حديثي مع الرجل: “على تل الزعتر”.
انطلقنا “ع هدير الكارة” – مع الاعتذار لفيروز – التي يجرها حمارٌ متثاقل الخطى، للحد الذي لم يتمكن صاحبه من ركوبه معنا، دار جدل ودود مع الولد الشقي، قائلاً: “شو بدهم يقولوا الناس، صحافي كل الناس بتعرفه وراكب على كارة حمار يا خال؟”، والحقيقة التي لا يعلمها، أنها المرة الخمسين على الأقل منذ بداية الحرب، التي أقوم بها بتلك الفعلة الشنيعة من وجهة نظر ابن الـ 14 ربيعاً، لأردّ عليه: “يا خال، احنا لاقيين غير الكارة، وبعدين شو مالها الكارة، صح كل العالم صارت تتنقل عليها، ومين هوا خالك أساساً، صح نازح دمروا بيته وسيارته وكل ما يملك، بشو أحسن من خلق الله إحنا؟”.
وبينما صمت أحمد متفحصاً منطقية ما سمعه مني، كان أبو عطا طمبورة، الذي هدم منزله في بيت لاهيا، واضطر للنزوح وأسرته المكونة من 17 شخصاً، إلى مركز إيواء مدرسة يافا شرقي مدنية غزة، يملأ الوقت الذي سيستغرقه حماره البطيء بحديث تفصيلي عن ما قاساه في هذه الحرب، عن والدته المريضة التي تركها تستمع بدفء الشمس، عن بناته الصغار، عن المطر الذي هوى بسقف الخيمة البلاستيكي على رؤوسهم ليلة أمس، تحدث الرجل الذي عبر قبل المائة يوم الأولى من الحرب، عامه الخمسين، عن ما نعيشه جميعاً: “رحت على البيت، لقيته محروق، حمدت الله إني ما قدرت أجهز طول الـ 15 عام اللي مضت إلا غرفتين، الحالة ضيقة يا أبو حميد، الآن ما بيصلح إلا للهدم”، هكذا ابتدع الرجل لي مسمى ليهدم كل حاجز، ومضى وهو يمسك برسن حماره الأعرج: “والله طول الليل وأنا سهران جنب الحمار، تصاوبت رجله من القصف، كان رح يموت، استدنت 50 شيكل واشتريتله شعير، وظليت تابع جرحه أسبوعين، والحمد لله هي أول يوم بطلع أشتغل عليه”.
قبل سنوات، وتحديداً في نهاية العام 2012، تعرف أهالي غزة لأول مرة، على “التوك توك” وهي دراجة نارية، مرفقة بحاوية معدنية صغيرة في خلفها، أطاحت تلك لفترة طويلة، بالحمير، ومثل اقتناء “التوك توك” لغرض العمل أو التنقل الشخصي، الشكل الحداثي الذي قلص من حضور الكارات، آنذاك، واجه أبو عطا ضغوطاً من العائلة والجيران لاستبدال الكارة بـ”التوك توك”، لكنه رفض الفكرة جملة وتفصيلاً: “ما حبيت التكاتك، أنا فلاح، والحمار روح، بيفهم عليا، وبحس فيه، التوك توك حديد جامد، ما رح يحس فيا ولا حس فيه، لو سمعت كلامهم وبدلته، كان الآن صافف بدون وقود وأنا ما عندي عمل أعيش منه”.
وصلنا بعد نحو ساعة، تخطى فيها الحمار أكواماً من الركام، وسط قلقي الشديد عليه من السقوط، “قلبي عليه والله” قلت لأبو عطا: “لا تخاف ما بيقع.. جدع أبو صابر”، ولأن المنطق انتحر تماماً في هذه الحرب، لم أجد في طريق العودة من الحي، كارة أخرى، إنما سيارة هيونداي من أحدث طراز، لم يجد صاحبها الذي كان تاجراً ميسور الحال قبل الحرب، سواها مصدراً للرزق، بعد أن دمرت كل محلاته التجارية وغدا من دون دخل، بجيب “التوسان” الذي تلقى منا أجراً أقل مما دفعناه للكارة، سلكنا طريق العودة المحفوفة بأكوام من علامات التعجب التي تجمعت على وجه أحمد.
أ.ش