الباحثة والأكاديمية اللبنانية "دلال عبّاس" للوفاق:

التّدخّل الأجنبيّ في الشؤون الداخليّة لإيران “خطّ أحمر”

خاص الوفاق: دلال عبّاس: إذا حصل أيّ عمل عدائي تجاه إيران سيتوحّد الشعب الإيراني؛ وسيردّ كيد ترامب ونتنياهو وأتباعهما في نحورهم.

موناسادات خواسته

 

في لحظة تاريخية فارقة، تجسّدت “وحدة الشعب الإيراني” كصخرة صلبة تحطّمت عليها كل محاولات الإختراق الخارجي. وفي مواجهة المشروع التخريبي الأمريكي-الصهيوني المصمّم لزعزعة الإستقرار في إيران، خرج الإيرانيون كجسد واحدٍ يدافع عن سيادة وطنه ويصون كرامة أمته.

 

هذه الوحدة الوطنية لم تكن مجرد رد فعل عاطفي عابر، بل كانت “صفعة إستراتيجية مدوية” وجهتها إيران بوعي شعبها وثبات قيادتها إلى أدوات التدخل الأجنبي، وكشفت زيف الشعارات “الدفاع عن الحقوق” التي ترفعها واشنطن وتل أبيب، بينما تخططان لتمزيق النسيج الإجتماعي.

 

لقد تحولت الساحات الإيرانية إلى مدرسة للعالم في “فن تحويل التهديدات إلى فرص للإلتحام الوطني”، حيث اتحدت القلوب قبل الأيدي في مواجهة من أرادوا إعادة إيران إلى زمن التبعية والإنكسار. وفي هذه الأجواء أجرينا حواراً مع الباحثة والأكاديمية اللبنانية الدكتورة دلال عباس، لنغوص فيه إلى جذور هذا الصمود. وفيما يلي نص الحوار:

 

التدخّل الأميركي في شؤون إيران

 

 

بداية، سألنا الدكتورة دلال عبّاس عن رأيها حول التدخّل الأميركي في شؤون إيران، فقالت: إنّها ليست المرّة الأولى التي تتدخّل فيها الولايات المتّحدة بشؤون إيران.. فالولايات المتّحدة في هذه الآونة تختصر بنفسها صورة الإستعمار القديم القبيحة، بعد أنْ تحوّلت الدول الإستعماريّة الأوروبيّة إلى مستعمرات أميركيّة؛ قبل الولايات المتّحدة كانت بريطانيا وروسيا القيصريّة قد تحالفتا وأسقطتا الحكومة الدستوريّة في إيران في العقد الأوّل من القرن العشرين الميلاديّ، ما أتاح لرضا خان المقبور في العام ١٩٢١، أنْ يقضيَ نهائيّاً على الدستور، ويحوّلَ الحكم في إيران إلى حكم إستبدادي [حكم الرجل الواحد] كما كان هو نفسه يُصرّح، إلى أن نجحت ثورة مصدّق التي كانت مدعومةً من آية الله كاشاني، وشكّل مصدّق حكومةً كان أوّل ما فعلته أنْ أمّمت النّفط، فقامت الإستخبارات الأميركيّة والإستخبارات البريطانيّة، ونفّذتا إنقلاباً أسقط حكومة مصدّق (١٩٥٣م / ١٣٧٢ه.ق)، وأعادت الشاه محمّد رضا بهلوي المقبور إلى سدّة الحكم: إمبراطوراً مطلق الصلاحيّة في الداخل، وشرطيّاً لأميركا في المنطقة، وداعماً لإسرائيل؛ لذلك فإنّ إنتصار الثورة الإسلامية التي أسقطت الشاه المقبور؛ قضى في الوقت نفسه على النفوذ الأميركي والغربي بأكمله في إيران.

 

كان الامام الخميني(رض) منذ أن بدأ مهمة التدريس في حوزة قم المقدسة، وقبل أن ينخرط في النضال السياسي المباشر، إبتداءً من العام 1963، يعطي الأولويّة في تعريف الأمّة والوطنية والقومية، إلى النظام الفكري والسلوكي والإجتماعي للقرون الأربعة عشر الإسلاميّة، ويعلن العداء للإستعمار الغربيّ بكلّ أشكاله، وعلى رأسه أميركا وصنيعتها إسرائيل، ويزرع الإمام الخميني(رض) في نفوس تلاميذه منذ البداية ضرورة دعم القضية الفلسطينيّة بكلّ أبعادها، في الوقت الذي كان الشاه المقبور وأعوانُه ينظرون إلى إنكلترا أولاً ثم إلى أميركا وإسرائيل، كحلفاء وأقرباء وأصدقاء، ويُعلن الحكمُ تأييدَه لإسرائيل ولحقّها في الوجود، وعداءه الصريح والمعلن للعرب، وتكون إيران الشاه المقبور، ثاني دولة إسلاميَة بعد تركيا تلغي اسم فلسطين من كتبها المدرسية.

 

إنّ حسبان الإمام الخميني(رض) محاربة الإستعمار وتأييد القضيّة الفلسطينيّة واجباً دينيّاً، جعله يُعلن فورَ عودته إلى إيران بعد إنتصار الثورة الإسلامية في العام 1979، آخر يوم جمعة من شهر رمضان المبارك من كلّ عام إحتفالاً عالميّاً للقدس وسمّاه “يوم القدس”، ما أبقى القضيّة الفلسطينيّة حيّةً بعد أن تخلّى عنها بعضُ أهلها في البداية؛ ولولا الإمام الخميني(رض) وإيران لنسيَها البعض وتالياً العالم بأسره.. إنّ ما تحقق من انتصارات للمقاومة، ، إنّما كان بفضل الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانية، وبفضل الأسس التي وضعها الإمام رحمه الله، وسار عليها مَن خلفه.

 

هذا هو سبب عداء الولايات المتّحدة وأذنابها للجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانية، وهذا هو سبب محاصرة إيران إقتصاديّاً، وسبب إستغلال الإحتجاجات المطلبية لزعزعة الإستقرار للقضاء على آخر أملٍ يمكن أن تفكّر فيه الشعوب الباحثة عن الإستقلال والعدالة؛ وهذا هو سبب تجنيد العملاء للقيام بأعمال تخريبيّة في الدّاخل الإيراني.

 

وأضافت أستاذة الجامعة اللبنانية: إنّ ترامب كان يهدّد باستخدام القوّة؛ لأنّه يعرف أنْ لا وجود لأي رادع أمميّ يمكن أن يوقفَه عند حدّه؛ فماذا فعلت المؤسّسات الحقوقية والأمميّة لفلسطين ولغزّة.. إنّنا في قلب شريعة الغاب.

 

وتابعت الدكتورة عبّاس: إنّ التّدخل الخارجي في الوضع الإيراني الدّاخلي يوحّد عناصر الشعب الإيراني الشريفة غير المرتهنة للخارج، وأكّدت أنّها تعدّ التّدخّل الأجنبيّ في الشؤون الداخليّة لإيران “خطّ أحمر”.

 

سياسة الكيل بمكيالين

 

وعندما سألنا الدكتورة عبّاس: لماذا يتبع ترامب سياسة الكيل بمكيالين؟، فهو يدّعي الدّفاع عن حقوق الإنسان، لكنّه يُشعل فتيل الحرب، وينتهك سيادة الدّول!، فقامت بالمقايسة بين إيران وترامب قائلة:

 

– الحقوق والحرّيّات: في نظام حكم الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، الأصل هو المساواة بين الأفراد، والمساواة أمام القانون، مع الأخذ في الحسبان المعايير الإسلاميّة، ويشمل ذلك الرجال والنساء على حدٍّ سواء (إيران. الدستور، الموادّ 3، و 20-21). إن حقوق المواطنين وحريّاتهم تُقسم إلى مجموعتين: فرديّة وجماعيّة. المقصود بالحقوق والحريّات الفرديّة، حقّ المِلكيّة والحريّات المتعلّقة بالحياة الخاصّة. الملكيّة الخاصة، التي لم توضع لها حدود معيّنة كما يبدو، يجب أن تُكتسب بالطرق المشروعة ( المادّة 47)، وإلّا فإنّ الحكومة ملزمة بإعادتها إلى أصحابها الأصليّين (المادّة 49).

 

الحقوق والحريّات المرتبطة بالحياة الخاصّة للأفراد لها علاقة بالخيارات والرغبات والأذواق. ففي الجمهوريّة الإسلاميّة  الإيرانية معترف رسميّاً بحريّة إختيار العمل والمهنة ( المادّة 28)، ومحلّ الإقامة (المادّة 33) وحريّة المعتقدات والآراء (المادة 23)، وهذه الحقوق يحميها القانون (المادّة 22).

 

أمّا الحقوق والحريّات الجماعيّة فهي حقوق الأفراد والجماعات من خلال وجودهم في المجالات العامّة، وهي تضمّ ثلاث مجموعات: حريّة التفكير والتعبير عن العقائد غير المخلّة بأحكام الإسلام والحقوق العامّة، وتنعكس في حريّة المطبوعات، وتمنع محاسبة الناس على عقائدهم؛ وحريّة عقد الاجتماعات، المتمثّلة في المؤتمرات، والنشاطات المعارضة والمظاهرات، بشرط عدم الإخلال بالأسس الإسلاميّة، وحريّة تشكيل الأحزاب والجمعيّات والنقابة للجماعات المختلفة، والأقليّات الدينيّة معترف بها رسميّاً، بشرط أن لا تكون مناقضة لأسس الاستقلال، والحريّة، والوحدة الوطنيّة، والمعايير الإسلاميّة، ودستور الجمهوريّة الإسلاميّة (الموادّ 23-24، 26-27؛ أيضاً ← هاشمي، 1425هـ/2005م، ص345-349، 402-428).

 

في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة معترف رسميّاً بحقوق أتباع الأديان الإلٰهيّة، وهنالك تأكيد على المساواة في الحقوق للجميع، وهم أحرار في ممارسة شعائرهم ومناسكهم الدينيّة، والمحافظة على عقائدهم وتعاليمهم الدينيّة، ويحقّ لهم إستعمال لغاتهم المحلّيّة والقوميّة وتدريس آدابها إلى جانب اللّغة الرسميّة (المواد 12-13، 15؛ أيضاً ← هاشمي، 1425هـ/2005م، ص584-600).

 

– ترامب: يرفع شعار الدفاع عن حقوق المحتجّين، هذا هو النّهج الذي تتبعه أميركا مع المعارضين لسياساتها، والمعادين لإسرائيل.. أميركا هي التي أرست أكبر منظومة إقتصاديّة في التّاريخ الحديث، حيث تُضيّق على النّاس في معيشتهم وتنهك أرواحهم.

 

الولايات المتّحدة منذ بداياتها لا علاقة لها بحقوق الإنسان، هي تكوّنت على جثث سكان البلاد الأصليين، قتلتهم ورقصت على قبورهم، والديمقراطيّة التي تدّعيها لا صلةَ لها بسياساتها الخارجيّة، والآن سياسة ترامب الخارجيّة هي نفسها سياسة من سبقه، إنّما هو يقول الأمور كما هي من دون روتَشة.. إنّ بلاده غير خاضعة للقوانين الدّوليّة التّقليديّة ولا للأعراف الدبلوماسيّة، لقد خطفَ مادورو كراعي بقر، ليُخيف بأجبن الوسائل والإتهامات المفبركة أعداء أميركا وحلفاءها أيضاً.

 

مواجهة أميركا لعدم إحترام القوانين الدّوليّة

 

وحول الذي يتوجّب على المجتمع الدّولي عمله لمواجهة أميركا، وعدم احترام القوانين الدّوليّة، قالت الدكتورة عبّاس: ليس هنالك من مجتمع دوليّ فاعل في هذه الحقبة، الكرة الأرضيّة مزرعةٌ للدولة العميقة التي تستند عليها الولايات المتّحدة وإسرائيل؛ وأوروبا كلّها منصاعة لأوامر الحاكم الأمريكي؛ والمنظّمات الحقوقيّة في حالة غيبوبة؛ وأكثرها تابعة فعليّاً لأميركا بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، والقرارات التي تصدر عن المؤسّسات الدّوليّة تبقى حبراً على ورق.. نحن في عصر تعطيل الأمم المتّحدة بالكامل؛ وبطلان القانون الدّولي وميثاق الأمم المتّحدة، وخضوع منظّمات حقوق الإنسان الغربيّة لحلفِ النّاتو، وإذا أصدرت قراراً، فهي تصدره بصوتٍ خافتٍ غير مسموع. الرّهان على صحوة الحسّ الإنساني لدى الشّعوب.

 

وحدة الشعب الإيراني

 

واختتمت كلامها أستاذة الجامعة اللبنانية قائلة: وإذا حصل أيّ عمل عدائي تجاه إيران فأنه سيتوحّد الشعب الإيراني؛ كما حدث في حزيران؛ وسيردّ كيد ترامب ونتنياهو وأتباعهما في نحورهم.

المصدر: الوفاق/ خاص