إنّ بدء العمليات العسكرية ضدّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ 28 فبراير 2025، ليس مجرد حدث عادٍ وعابر، بل هو نقطة تحول في مسار بدأ قبل 40 عاماً ضد إيران؛ أمّا هل سيتوقف هذا الوضع عند هذه النقطة الزمنية أم لا؟ فهذا يعتمد مباشرة على صانعي القرار في واشنطن؛ المكان الذي يبدو فيه أن المصالح الأمريكية ستُقربان كقربان للطموحات التاريخية للصهاينة.
إنّ العلاقات مع الكيان الذي احتل الأراضي الفلسطينية منذ عام 1948، وادّعى تشكيل دولة يهودية، قد تسببت لأمريكا طوال السنوات الماضية بتكاليف غير قابلة للاسترداد؛ لكن ربما لا تبدو هذه التكاليف ثقيلة جداً مقارنة بالحرب التي شجّع نتنياهو ترامب على بدئها.
في الهجوم العسكري على إيران، كان أرخص ما فقدته أمريكا هو الصواريخ والطائرات المسيرة والطائرات المقاتلة؛ التكلفة الأثقل هي وقوع الهيمنة العالمية لهذا البلد في مأزق حضاري بحجم إيران. وهي ظروف لم يقل “الموساد” عنها شيئاً لترامب؛ وبالطبع لم يأخذ الرئيس الأمريكي تصريحات أجهزته الاستخباراتية في هذا الصدد على محمل الجد. والآن، يقع الرئيس الأمريكي المرتبك في فخ، حيث يعتبر أفضل حل للخروج منه أسوأ سيناريو بالنسبة له.
من بوش إلى ترامب؛ البيع المسبق لسيناريو “رأس الأفعى” لواشنطن
“الأولاد يذهبون إلى بغداد؛ لكن الرجال الحقيقيين يذهبون إلى طهران”، في هذه العبارة لو استبدلنا اسم “بغداد” بأي عاصمة في العالم، فلن يختلف الأمر كثيراً؛ ذلك لأن هذه العبارة كانت بيان الصهيونية في الخمسين عاماً الماضية لجر أمريكا إلى إيران.
كانت الجملة المشار إليها ملخصاً لكل الجهود العلنية والخفية التي بذلتها اللوبيات الصهيونية في أعقاب الهجوم العسكري الأمريكي على العراق، لإظهار أن الحرب التي بدأها جورج بوش ضدّ العراق غير حاسمة، وأن الهجوم على إيران مفيد. ورغم أن عام 2003 لم يكن المقطع الأول لمساعي “تل أبيب” لجر إيران وأمريكا إلى الحرب، إلا أن بوش الابن ولأسباب عديدة لم يقبل تشجيع وتهديد شارون ولم يبدأ حرباً ضد إيران.
إنّ الحجج التي أشار إليها أوباما هي نفس الأوهام التي نطق بها نتنياهو لسنوات من منصات مختلفة ومتعددة: “إيران في طريقها للحصول على قنبلة ذرية وهذا سيجلب كارثة للعالم”؛ لكن هذا لم يكن يعني نهاية جهود الكيان الصهيوني للتأثير على صانعي القرار الأمريكيين، ويمكن بالاستناد إلى الوثائق والتقارير المنشورة الوصول إلى حقيقة أن إسرائيل -بغض النظر عن رئيس الوزراء المستقر في تل أبيب- كانت تقدم الحرب الإيرانية – الأمريكية كإكسير سحري لأمريكا والعالم، لتمارس الكيمياء من وجهة نظرها وتفتح الطريق من النيل إلى الفرات للصهاينة ودون أي عناء.
ورغم أن هذه الفكرة كانت محبوبة لدى نخبة السلطة في أمريكا، إلا أن عدداً قليلاً منهم اعتبر مثل هذه الطموحات قابلة للتنفيذ، ولذلك لم يرضخ لها جورج بوش وباراك أوباما وجو بايدن. وتؤكد تصريحات أوباما الأخيرة هذا الأمر، حيث أقرّ بأن نتنياهو عرض عليه نفس خطة الهجوم التي باعها لترامب. وصرح باراك أوباما في مقابلة مفصلة مع مجلة “نيويوركر”: “خلال فترة رئاستي، حاول بنيامين نتنياهو جر أمريكا إلى مواجهة عسكرية مع إيران؛ لكنني قاومت هذا الضغط، ونفس الحجج التي قدمت لاحقاً لترامب كانت قد طرحت سابقاً من قبل نتنياهو”.
إنّ الحجج التي أشار إليها أوباما هي نفس الأوهام التي نطق بها نتنياهو لسنوات؛ “إيران في طريقها للحصول على قنبلة ذرية”، وقد تأرجحت مدة هذا الـ”حال” من ثلاثة أشهر إلى 14 شهراً؛ لكن على الأقل منذ عام 1995، تم تكرار هذا الادعاء باستمرار. خضعت هذه الادعاءات أحياناً لشكوك جادة من قبل مجموعات داخل أمريكا، وأحياناً كانت أساساً لصنع القرار. أحياناً تمكن شخص مثل بايدن من كبح جماح نتنياهو، وفي وقت آخر لم يستطع ترامب مقاومة إغراءاته. ومن هنا تؤكد طهران، سواء في حربي الإثني عشر يوماً أو الأربعين يوماً، المفروضتين، أن المصالح الأمريكية ضُحي بها من أجل أطماع الكيان الصهيوني، وهو تأكيد تثبت صحته الأدلة المشار إليها.
لماذا كانت «إيرانوفوبيا» على جدول أعمال الكيان الصهيوني؟
مشروع “أمننة” الأنشطة النووية الإيرانية كان منذ البداية أجندة أبرزتها اللوبيات الصهيونية وسط جميع المشاريع الأخرى المعرفة في الخارجية والدفاع والاستخبارات الأمريكية. وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين الميلادي، اتُهمت إيران بـ”تهديد السلام العالمي” في وقت لقي فيه اقتراح “حوار الحضارات” من قبل الرئيس آنذاك ترحيباً كبيراً من دول العالم.
كانت إيران تتحرك نحو الاستقرار والسلام، ولو وصل العالم إلى هذا الاعتقاد لانقطعت الشرايين الحيوية للكيان الصهيوني؛ ليس لأن هناك تهديداً حقيقياً وملموساً من طهران ضد الكيان، بل لأن “وهم” هذا التهديد يُباع لدول العالم، خاصة أمريكا، لتأمين تكاليف إدارة الكيان الدفاعية والاقتصادية.
ورغم أن الكيان الصهيوني، منذ تأسيسه، ومن خلال استغلال الظلم التاريخي الذي وقع على اليهود، قدّم نفسه دائماً كضحية لجميع معارك المنطقة ووصف جميع الدول الإسلامية بمدمريه، إلا أن الحقيقة هي أن إيران بعد الثورة امتلكت إمكانات أكبر بكثير من جيرانها؛ أرض صاحبة حضارة، ذات قدرات هائلة في الطاقة والموارد الطبيعية، وهي قلقة أكثر من أي وقت مضى بشأن الاحتلال الصهيوني ولم تصمت أمام الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني.
وصل إثارة الذعر المفتعلة من إيران إلى حدٍّ آمن به تاجر مثل ترامب وادعى من كل منصة أنه لن يسمح لإيران بالحصول على سلاح نووي، وهو ادعاء طُرح ضد دولة تمتلك أكبر وأوسع مستوى من التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على مستوى العالم، وكانت واحدة من أكبر عمليات التفتيش لهذه الهيئة الدولية في منشآت إيران النووية، وظلت طهران عضواً مسؤولاً في معاهدة NPT رغم قصف منشآتها النووية السلمية والخاضعة للرقابة.
تكلفة بلا فائدة محددة
كان هجوم ترامب على إيران حلم نتنياهو الذي تحقق رسمياً بهجوم 28 فبراير 2025؛ لكن السؤال الرئيسي الذي طُرح منذ بداية الحرب هو: هل يمكن لهذا الحلم أن يساعد مستقبل الكيان الصهيوني في المنطقة؟ والأهم من ذلك، هل استطاع هذا الهجوم تأمين مصالح الشعب الأمريكي كممولين رئيسيين لتكاليف النزاع؟ وهو سؤال لا يتردد حتى الرئيس الأمريكي الأسبق في طرحه، إذ أقرّ أوباما في جانب آخر من حديثه لـ”نيويوركر”: “قد يكون نتنياهو قد حصل على ما يريد؛ لكن ما إذا كان هذا المسار في مصلحة شعب “إسرائيل” أو حتى الولايات المتحدة في النهاية، فهذا موضع شك”.
هذا الشك سُمع في الأيام الأخيرة بأشكال مختلفة على لسان صُنّاع قرار آخرين في أمريكا، ويواجه العديد من المسؤولين الأمريكيين الحاليين والسابقين سؤالاً حول مدى فائدة الحرب الأخيرة لأمريكا.
تشير الإحصاءات المنشورة في وسائل الإعلام الأمريكية إلى إطلاق أكثر من ألف صاروخ كروز من طراز “توماهوك” خلال العدوان الأخيرة على إيران، وهذا الصاروخ هو واحد فقط من آلاف الأسلحة باهظة الثمن التي استُخدمت ضد إيران. وباعتراف البنتاغون، فإن العدوان على إيران في تلك الأيام الأربعين كلف الشعب الأمريكي 35 مليار دولار، ويبدو أن هذا المبلغ أكبر بكثير من الرقم المعلن.
هذه التكاليف هي الجزء الشفاف والمعلن من قبل أمريكا؛ لكن يجب إضافة التكاليف الخفية وغير المعلنة من جهة، والمساعدات بملايين الدولارات للكيان الصهيوني من جهة أخرى، لتتضح ضخامة الأرقام والإجابة على سؤال: ما هي نتيجة كل هذه التكاليف؟ حيث أقرت صحيفة “واشنطن بوست” بعد التحقق من أكثر من 100 صورة فضائية عالية الدقة بتضرر ما لا يقل عن 228 هيكلاً أو قطعة من المعدات في القواعد العسكرية الأمريكية (بما في ذلك حظائر الطائرات، والمهاجع، ومستودعات الوقود، والطائرات، ومعدات الرادار والاتصالات والدفاع الجوي الرئيسية)، ويقول مارك كانسيان (عقيد متقاعد في مشاة البحرية الأمريكية): “كانت الهجمات الإيرانية دقيقة. لا توجد أي علامات على إصابات فاشلة. تشير الخسائر في هذه القواعد إلى أن الجيش الأمريكي كان قد استهان بقدرة إيران على إصابة الأهداف”.
إنّ طرح هذا السؤال وإجابات الرئيس الأمريكي غير المرضية عليه، قد لا يحدث تغييراً فورياً في وضع التضحية بالمصالح الأمريكية من أجل طموحات الكيان الصهيوني؛ لكن على المدى الطويل، فإن التناقضات المكلفة التي خلقت للشعب الأمريكي قد تكون بداية لتغيير هذه الظروف؛ وربما تكون رسالة 30 عضواً ديمقراطياً في مجلس النواب الأمريكي إلى وزارة الخارجية والمطالبة بإنهاء “الغموض المستمر منذ عقود” حول برنامج الأسلحة النووية للكيان الصهيوني وإلزامه بالشفافية، هي بوادر لتلك البداية.