لم تنته الحرب بعد، بل هي ماضية نحو مزيد من التصعيد. إيران أعدت العدة المتكاملة لحرب غير متماثلة، لا مركزية، ومن تحت الأرض، على مدى أكثر من عشرين عاماً.
من الواضح الآن أن مساراتها تنحو نحو تغيير البيئة الجيوسياسية لمنطقة غرب آسيا، بما يقطع مع مفاعيل ما يزيد على قرن من الزمان شوهت المنطقة منذ تحطيمها على يد النظام الغربي، وكل هذا ينبئ بتحول كبير في إعادة رسم الخرائط، يؤدي إلى “عودة الدول إلى أحجامها الطبيعية” على حساب “الإمبراطوريات المتأخرة”.
شكلت كل من تركيا (هضبة الأناضول) وإيران (الهضبة الإيرانية) ومصر (وادي النيل)، استناداً إلى جغرافيتها الواسعة وديموغرافيتها الكبيرة وإرثها الحضاري الإمبراطوري، دوراً سياسياً يليق بثقلها عبر أكثر من 5000 عام، حُرمت منه لعقود لصالح دول أصغر حجماً، وأقل فعالية تاريخية، بشكل مصطنع يخدم المصالح الغربية، وخاصة نظام “البترودولار” الذي يمد الولايات المتحدة بشريان الحياة والبقاء.
أفرز الصمود الإيراني المفاجئ والمذهل، القادر على رفع كلفة العدوان الأميركي-الإسرائيلي إلى مستويات غير مسبوقة قد تدفع إلى حرب عالمية ثالثة، قلقاً عميقاً لدى ما يُعرف بـ”الإمبراطوريات المتأخرة”. فما اعتبرته “إسرائيل” “انتصاراً نهائياً” بعد معركة “طوفان الأقصى” تحول إلى مشروع إمبراطورية متعثرة قد يطيح بها خلال بضع سنوات.
ما نشهده اليوم قد يكون إعادة ضبط جيوسياسي، تعود بعده إيران وتركيا ومصر إلى موقعها الطبيعي كقوى إقليمية عظمى، فيما تنسحب الدول الصغيرة إلى موقعها الذي تحدده الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ.