دکتور محمد شقير
أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية
لكن، لما كنّا ندرك أن النص النبوي، عندما ينبئ عن أمر مستقبلي، إنما يكون لحكمة، قد تكون تقديم علامات يمكن الاستناد إليها، والتعويل عليها، لمعرفة أهل الحق، وخصوصاً في الزمن الذي تكثر فيه الفتن ومضلاتها؛ كان من الأهمية بمكان الإضاءة على هذه الحقيقة ودلالاتها. أصل الحكاية عندما تلا النبي(ص) هذه الآية من سورة محمد(ص): “وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم”(38)… قالوا -أي أصحاب النبي(ص)-: ومن يُستَبدل بنا؟… فضرب رسول الله(ص) على منكب سلمان، ثم قال: هذا وقومه”(الترمذي…)، وفي مصادر أخرى زيادة: “والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان -وفي بعض النصوص، الدّين – منوطاً بالثّريّا، لتناوله رجال من فارس”.
وقد جاء في تفاسير الآية أن: أيها العرب المسلمون، إن توليتم عن طاعة الله، ونصرة دينه، والعمل به، فسيأتي الله بمن يكونون بدلاء عنكم، في طاعته، ونصرة دينه، وهؤلاء هم قوم سلمان(الفرس)، وهم ليسوا مثلكم في الإعراض عن الدين، بل سيكونون خيراً منكم في طاعة الله، والتعبير عن قيم الدين، والإيمان به، ونصرته.
ولذا، أخذت المقاربات ذات الصلة تعبّر عنه بـ:”قانون الاستبدال”، أو “ُسنّة الاستبدال”، حيث ذُكرت كلمة “يستبدل” في موردين في القرآن الكريم، لكن الملفت أن التطبيق الوحيد لهذا القانون، الذي جاء في حديث النبي(ص)، إنما كان في مورد إعراض العرب عن طاعة الله ونصرة دينه، ليكون الفرس هم البدلاء عنهم، في هذه الطاعة، ونصرة الدين.
وهو ما يجعلنا نميل إلى الاعتقاد أن قانون الاستبدال، وإن كان عاماً، لكن المصداق الأهم الذي يشكل منعطفاً تاريخياً في مراده، إنما هو في تخلّي العرب المسلمين عن حمل راية الإسلام، ودورهم الحضاري في التعبير عن قيمه، ليحلّ الفرس محلهم في هذا الدور.
وعليه، إن البيان القرآني في الاستبدال، واحتباس النصّ النبوي في مورد واحد (استبدال الفرس بالعرب)، فضلاً عن المعطى الواقعي التاريخي(ما يحصل اليوم من وقائع وأحداث)، يجعلنا -بعيداً عن الإسقاط التطبيقي- نقارب بدقة مدى انطباق النص الديني وسنّته في الاستبدال على واقع اليوم، فيما تقوم به فارس ودولتها في مواجهة الفرعونية المعاصرة، وطغيانها، وإفسادها، والتي تتمثل في ثنائي الإدارة الأميريكية والكيان الإسرائيلي.
في السياق الواقعي التاريخي، نجد أن الجمهورية الإسلامية في إيران، في استراتيجياتها وسياساتها، تمثّل النموذج الأرقى في العالم في التعبير عن قيم التولّي والتبرّي، وعن رفض الخضوع للطغاة وفراعنة العصر، وعن نصرة العدل والمظلومين والمستضعفين، ومواجهة سياسات الإفساد والبلطجة الصهيو-أميريكية، هذه المعاني والقيم التي تُعتبر من جوهر الدين وقيمه. وهنا تُعد قضية فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني محوراً أساسياً في هذه المنظومة القيمية وتجلياتها، حيث يحضرني ما يبوح به الكثير من أصحاب الرأي في العالم العربي، من أن العرب قد تخلّوا عن راية فلسطين، وحملتها الجمهورية الإسلامية في إيران، ليقوموا بتوجيه توصية إلى صانعي القرار في الدول العربية، للمبادرة إلى حمل راية فلسطين والدفاع عنها، ولا أعتقد أنه سيكون لهذه التوصية من مفعول عملي، لأن العمل بها يحتاج إلى جملة من المقوّمات، التي لا تعالج بمجرد إجراء سياسي.
إذاً، نستطيع القول إنه عندما نحاول استخلاص أهم الصفات القيمية الإيمانية للبديل الحضاري، قد نجد أنها تتوفّر في النموذج القيمي الفارسي الحالي (الجمهورية الإسلامية في إيران)، وخصوصاً أن الاختبار الجدّي لهذه القيم ومصداقيتها، إنما نجده في ميدان التدافع الحضاري، ومواجهة الظلم، ونصرة المظلوم، وعدم الركون للظالمين، وليس طقوس الدين التي أفرغت من معانيها، أو الشكليات التي تفتقد إلى جوهرها، أو في أكثر من خطاب -خصوصاً التكفيري منه- يُمعن فيه ناطقُه في أكثر من تملّق للحاكم والسلطان. ومع إدراكي أن الدعاية الصهيونية وحربها الناعمة، لن تتوانى عن إثارة الشبهات، للمسّ -بنظرهم- بمشروعيّة الدور الإيراني في مواجهة المشروع الصهيوني، وبعيداً عن أي إطالة لا تتناسب مع المقام الذي نحن فيه؛ أكتفي بذكر التباسين، يسعف الجواب عليهما في التأسيس المنهجي للإجابة على غيرهما:
الأول، أن الاستبدال إنما كان في مورد الإنفاق، بدليل سياق الآية؛ والجواب أن هذا التقييد خطأ، لأن السياق لا يقيّد إطلاق الآية في مطلق الاستبدال الديني والحضاري، ولأن حديث النبي(ص)، الذي جاء كتفسير للآية، كان واضحاً أن مراد الآية مطلق الدّين والإيمان، وليس قضية محدودة فيه، تتصل بالإنفاق.
والثاني، أن الآية لم تخبر عن أمر سيقع حتماً، وإنما ذكرت الاستبدال على نحو الشرط، كقانون عام؛ والجواب أن القرآن الكريم قد يبيّن قانوناً عاماً، ثم تاتي سُنة النبي(ص)، لتتحدث عن مصداق لهذا القانون، سوف يتحقّق حتماً، والدليل أن النبي(ص)، في جوابه على صحابته، تحدّث عن مصداق واقعي للقانون، وعن بدلٍ مشخّص عن العرب، ما يعني أن تحقّق هذا الاستبدال، لم يعد أمراً افتراضياً، بل أضحى أمراً واقعاً.
وفي الإجمال، نحن أمام حقيقتين:
• الأولى دينية، ذكرت أن أهل فارس هم البديل عن العرب في نصرة الدين والإيمان، ورفض الظلم والعدوان…
• الثانية: أن إيران اليوم، في مواجهتها الشجاعة لإمبريالية الظلم والإفساد، تقدّم نموذجاً فريداً في التعبير الخلّاق والأسمى عن القيم الإيمانية الأساس في الأديان(الانتصار للعدل، ومحاربة الظلم).
وهنا، سوف أترك للباحثين التحقق من مدى المطابقة بين هاتين الحقيقتين، لكن بمعزل عن ذلك، كل التقدير لقوم “سلمان” في إبآئهم، وشجاعتهم، وكرامتهم، وصلابتهم، واستقلالهم، وسيادتهم الحقيقية، وعلى نصرهم القادم بإذن الله.