التجارة الدولية في ظروف الحرب
في أدبيات الاقتصاد السياسي الدولي، لا يُنظر إلى الحرب بوصفها مجرد اضطراب مؤقت، بل كصدمة هيكلية قادرة على إعادة تعريف المنطق الذي يحكم تنظيم التجارة العالمية، فانخفاض حجم صادرات الطاقة لا يعني بالضرورة تراجعًا متناسبًا في العائدات، إذ يمكن أن يُعوَّض جزئيًا من خلال ارتفاع الأسعار.
إلا أن هذا الوضع يقترن بارتفاع مستويات عدم اليقين وعدم الاستقرار، وهو ما يشكل عاملًا مثبطًا للاستثمار والتخطيط الاقتصادي.
ومن الأبعاد الأساسية في تحليل التجارة خلال الحروب، مسألة التكاليف التجارية، ولا سيما التكاليف اللوجستية، التي تشهد ارتفاعًا ملحوظًا نتيجة تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع المخاطر.
وضع التجارة الإيرانية خلال الحرب وما بعدها
في ظل اندلاع نزاعات عسكرية وتصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي، تتعرض بنية التجارة الخارجية للدول لاضطرابات عميقة، ما يفرض إعادة ترتيب سريعة للمسارات والشركاء وآليات التمويل.
وتشير المعطيات إلى أن نحو 15 مليار دولار من واردات إيران سنويًا “أي ما يقارب 5/20% من إجمالي الواردات” مخصصة للسلع الأساسية، مثل مدخلات إنتاج المنتجات البروتينية “اللحوم الحمراء، الدواجن، البيض”، إضافة إلى الأرز والسكر والزيوت والبقوليات.
هذا المستوى من الاعتماد يفرض ضرورة تبني استراتيجيات بديلة لضمان استمرارية الإمدادات في ظروف الحرب. وفي هذا السياق، يمكن الاعتماد على الاستيراد من باكستان عبر الحدود البرية كحل فوري وعملي، في حين يمكن إعادة تصميم واردات الهند عبر الترانزيت من باكستان أو من خلال الاستفادة من قدرات الموانئ في جنوب شرق إيران، ولاسيما ميناء تشابهار.
وبالمثل، فيما يتعلق بالسلع الأساسية الأخرى مثل اللحوم والبقوليات، فإن الاستفادة من طاقات دول آسيا الوسطى، مثل أوزبكستان وقرغيزستان، إلى جانب دول مثل تركيا، تمثل خيارًا فعالًا في زمن الحرب. هذا التوجه لا يساهم فقط في تقليل الاعتماد على المسارات البحرية، بل يتيح أيضًا تنويعًا جغرافيًا في مصادر الاستيراد.
تطوير أسطول النقل البحري في بحر قزوين
أما في مجال استيراد الزيوت، وخاصة زيت دوار الشمس، فإن التركيز على قدرات الدول الشمالية، لاسيما روسيا، واستخدام الموانئ الشمالية لإيران على بحر قزوين، يكتسب أهمية خاصة. هذه الموانئ تمتلك إمكانات تشغيلية كبيرة لاستيعاب ملايين الأطنان من البضائع، غير أن الاستفادة المثلى منها تتطلب تعزيزًا متزامنًا للبنية التحتية للنقل البحري والسككي.
وفي هذا الإطار، ينبغي إعطاء أولوية عاجلة لتطوير أسطول النقل البحري في بحر قزوين، إلى جانب تفعيل وتحديث الممرات الحديدية المرتبطة، خصوصًا مساري “إينتشهبرون” و”سرخس”.
وعلى المدى الأبعد، تفرض ظروف الحرب مراجعة جذرية للاتجاه الجغرافي للتجارة الخارجية الإيرانية. فقد كان جزء كبير من تجارة إيران يتم تقليديًا عبر المسارات الجنوبية، وخاصة من خلال وسطاء مثل دولة الإمارات العربية المتحدة.
غير أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة ومواقف هذه الدولة في الحرب الحالية، تبرز الحاجة إلى التحول بعيدًا عن النموذج البحري الجنوبي.
هذا التحول يتطلب التركيز على تطوير ممرات بديلة، أبرزها ممر الشمال–الجنوب الدولي، وتعزيز طرق الترانزيت عبر دول مثل جمهورية أذربيجان وروسيا والعراق وتركيا.
توسيع التجارة البرّية وتعزيز البنية التحتية الحدودية
في هذا السياق، يمكن أن يلعب توسيع التجارة البرية، خصوصًا في السلع الغذائية ومواد البناء والمنتجات الصناعية الخفيفة، دورًا محوريًا في الحفاظ على تدفق التجارة. ويتطلب ذلك تعزيز البنية التحتية الحدودية، وتسهيل الإجراءات الجمركية، وتقليص الحواجز غير الجمركية.
أما على الصعيد المالي والمصرفي، ومع تراجع دور الإمارات العربية المتحدة في تسهيل التحويلات المالية، فإن المرحلة الجديدة تفرض البحث عن قنوات بديلة. وفي هذا الإطار، يمكن الاستفادة من بنوك الدول الحليفة، لاسيما VTB Bank في روسيا، كمسار عملي لتنفيذ التحويلات المالية.
ورغم أن الأسس الأولية لهذا المسار وُضعت عام 2023، إلا أن تفعيله على نطاق واسع لم يتحقق بعد، ما يستدعي تسريع العمل به في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي ضوء تطورات الحرب ومواقف دول المنطقة، يبدو أن معظم دول مجلس التعاون في الخليج الفارسي بما في ذلك السعودية وقطر والكويت وسلطنة عمان والإمارات والبحرين، مرشحة للتراجع تدريجيًا من قائمة الشركاء التجاريين الرئيسيين لإيران، سواء خلال الحرب أو حتى في أفق ما بعدها، أو على الأقل تقليص دورها بشكل ملحوظ.
هذا التحول يفرض ضرورة إجراء تقييم دقيق لمساهمة كل من هذه الدول في هيكل التجارة الخارجية الإيرانية، تمهيدًا لإعادة صياغة شبكة الشركاء بما يتلاءم مع الواقع الجيوسياسي الجديد.