فرصة لإعادة تصميم الشبكة اللوجستية للبلاد على أساس المرونة

كيف تعزز إيران صمودها اللوجستي عبر التنويع والمسارات البديلة؟

الوفاق/ إن ازدياد المخاطر الجيوسياسية في غرب آسيا خلال السنوات الأخيرة، رغم تأثيره على سلاسل الإمداد والنقل الدولي، يمكن أن يشكّل فرصة لتعزيز مرونة الشبكة اللوجستية في إيران.

في السنوات الأخيرة، شهدت المخاطر الجيوسياسية والأمنية في منطقة غرب آسيا ومحيط إيران تصاعدًا ملحوظًا. هذا الوضع، ولا سيما مع احتمال حدوث اضطرابات في المسارات البحرية الرئيسية، قد يؤثر على سلاسل الإمداد وتدفقات النقل الدولي للبضائع من وإلى إيران. وفي الوقت ذاته، تخلق هذه الظروف فرصة جدية لإعادة تصميم الشبكة اللوجستية الإيرانية على أساس المرونة.

 

النقطة المحورية هي أنه بدل الاعتماد على مسار واحد أو ميناء واحد أو مركز محدد، يجب تصميم شبكة متعددة المسارات ومتعددة الوسائط؛ شبكة يتم فيها دمج المسارات البحرية والسككية والبرية بشكل ذكي، بما يقلل من الاعتماد على أي نقطة اختناق منفردة.

 

تغيير النهج؛ من الاعتماد الأحادي إلى سلة من المسارات والمراكز المكملة

 

تعتمد البنية الحالية للوجستيات في إيران إلى حد ما على عدد محدود من المسارات ونقاط الدخول والخروج. هذا التركيز، في ظل تصاعد المخاطر الإقليمية والعقوبات والقيود التأمينية والمصرفية والمخاطر الأمنية، يتحول بحد ذاته إلى خطر نظامي. فأي اضطراب في هذه النقاط المحدودة قد يؤدي إلى توقف جزء كبير من تدفق النقل أو إلى ارتفاع كبير في التكاليف والوقت.

 

الحل المقترح هو الانتقال نحو تصميم «سلة من المسارات والمراكز المكملة». في هذا النهج، لا يشكل أي ميناء أو ممر بمفرده نقطة انهيار؛ بل يتم تصميم المسارات المختلفة “البحر، سكك الحديد، الطرق البرية” بشكل تكاملي وقابل للاستبدال النسبي، بحيث يمكن تحويل الشحنات إلى مسارات ومراكز أخرى بأقل قدر من التوقف عند حدوث أي خلل. هذا النهج يمثل أساس المرونة على مستوى الشبكة ويتماشى تمامًا مع المنطق الاحترافي للنقل الدولي.

 

المسارات البحرية؛ تنويع السواحل والمراكز الإقليمية

 

نظرًا للموقع الجغرافي لإيران، ستبقى المسارات البحرية العمود الفقري للتجارة الخارجية؛ لكن طريقة استخدامها يجب أن تصبح أكثر تنوعًا ومرونة.

 

فعلى سبيل المثال، يمكن لموانئ مثل تشابهار وبوشهر وموانئ الجزر وغيرها من الموانئ الجنوبية، أن ترتقي من دور عبوري إلى مراكز خدمية ذات قيمة مضافة من خلال استثمارات موجهة في البنية التحتية والمعدات المينائية ومحطات الحاويات وخدمات مثل تزويد السفن بالوقود.

 

وسيكون من نتائج هذه الاستثمارات تقليل الاعتماد على الوسطاء الخارجيين، وزيادة حصة القيمة المضافة اللوجستية داخل البلاد، وتحسين القدرة على الاستجابة السريعة في حالات الأزمات، إلى جانب الاستخدام التكميلي للمراكز والموانئ الإقليمية.

 

كما أن شبكة المراكز الإقليمية المحيطة بإيران تتيح تنفيذ جزء من عمليات الاستيراد والتصدير عبر موانئ إقليمية ذات مخاطر تشغيلية ومصرفية أقل، مع تقديم خدمات مثل إعادة التصدير، تحويل الوثائق، التخزين، وتجميع أو تفكيك الشحنات في أقرب نقطة ممكنة من إيران.

 

كذلك ينبغي تحديد مسارات احتياطية للسلع الحساسة أو الأساسية، بحيث لا يتوقف تدفق النقل في حال تعطل أحد المراكز. إن الجمع بين الموانئ الداخلية والمراكز الخارجية ضمن شبكة بحرية تكاملية يُعد أكثر استقرارًا من الاعتماد على نقطة واحدة.

 

المسارات السككية والبرية؛ العمود الفقري للمرونة في سيناريوهات تعطل المسارات البحرية

 

في حال تصاعد المخاطر أو تقييد بعض المسارات البحرية، تبرز أهمية الميزة النسبية لإيران في الممرات السككية والبرية. ومن أبرز المحاور في هذا المجال:

 

– الربط الكامل للموانئ الجنوبية، خاصة المحيطية، بشبكة سكك الحديد الوطنية، مما يسمح بنقل البضائع من الموانئ إلى مراكز الاستهلاك والحدود الغربية والشمالية دون الاعتماد على مسارات محدودة.

 

– الممرات الشرقية-الغربية (مثل ITI والمسارات المشابهة)، والتي تربط دول جنوب وجنوب شرق آسيا عبر إيران بتركيا وأوروبا، ما يعزز تنوع مصادر ووجهات التجارة ويقوي دور إيران كدولة ترانزيت، ويوفر بديلًا نسبيًا في حال القيود البحرية.

 

– ممرات “الشمال-الجنوب”، التي تربط إيران عبر السكك والطرق بدول بحر قزوين وآسيا الوسطى وروسيا، بما يتيح تحويل جزء من الشحنات من المسارات البحرية الحساسة إلى مسارات برية أكثر استقرارًا.

 

بشكل عام، فإن زيادة الاعتماد على النقل السككي وربطه بالموانئ والحدود البرية يمثل محورًا رئيسيًا لتعزيز المرونة.

 

الحدود البرية؛ استكمال حلقة الشبكة

 

تشكل الحدود البرية لإيران مع جيرانها الشرقيين والغربيين والشماليين الغربيين جزءًا مهمًا من قدرة المرونة اللوجستية. وفي إطار الشبكة المقترحة، يمكن لبعض هذه الحدود أن تعمل كبوابات ترانزيت إقليمية لنقل البضائع بين موانئ الدول المجاورة وداخل إيران.

 

كما يمكن لحدود أخرى أن تدعم مشاريع المقايضة (السلع مقابل الطاقة) وتطوير الأسواق الحدودية. ومن خلال تطوير المراكز الحدودية، ورقمنة الإجراءات الجمركية، وتعزيز التنسيق المؤسسي، يمكن تقليل زمن انتظار الشاحنات والقطارات بشكل ملموس.

 

دور شركات النقل الدولية الإيرانية

 

من المهم التأكيد على أن شركات النقل الدولية الإيرانية تمتلك من الناحية الفنية والخبرة العملية القدرة على العمل ضمن هذه الشبكة المتنوعة. فقد نجحت العديد منها خلال السنوات الماضية في مواصلة عمليات النقل رغم القيود والعقوبات، عبر دمج المسارات البحرية والسككية والبرية واستخدام مراكز إقليمية متعددة وتقديم حلول مخصصة للعملاء.

 

ما هو مطلوب حاليًا هو تنظيم هذه الخبرات ضمن إطار استراتيجي وطني وشبكة مصممة مسبقًا، بحيث:

 

– تمتلك الشركات سيناريوهات بديلة جاهزة في حال تعطل المسارات الرئيسية؛

 

– يتم إدماج البيانات والخبرات الميدانية لهذه الشركات في سياسات النقل وتطوير البنية التحتية؛

 

– يتم تعزيز التنسيق بين القطاع الخاص والجهات الحكومية المعنية بالنقل والجمارك.

 

خصائص شبكة لوجستية مرنة لإيران

 

بناءً على ما سبق، يمكن تلخيص خصائص الشبكة اللوجستية المرِنة لإيران على النحو التالي:

 

– تنوع في الوجهات والمصادر ووسائط النقل “بحري، سككي، بري” وتجنب الاعتماد الأحادي

 

– تعزيز الموانئ الداخلية والمراكز متعددة الوسائط لزيادة القيمة المضافة وتقليل الاعتماد على الوسطاء

 

– تطوير وربط الممرات السككية والبرية الدولية كداعم في حالات تعطل النقل البحري

 

– الاستخدام المنهجي لقدرات شركات النقل الدولية الإيرانية في تصميم وتنفيذ المسارات البديلة

 

– تنسيق السياسات والمؤسسات بين الجهات المعنية لدعم الشبكة من حيث القوانين والبنية التحتية والإجراءات

 

إن مثل هذه الشبكة، في حال تنفيذها ومراقبتها بشكل مستمر، يمكن أن تشكل مرجعًا لصناع القرار وخبراء النقل الدولي في تقييم المخاطر وتصميم الحلول التشغيلية لمختلف السيناريوهات الإقليمية.

المصدر: الوفاق خاص / إرنا