وأشار سيد رضا صالحي اميري، في مقال له، إلى أن أحداث 28 من مارس، رغم طابعها العسكري والسياسي، تحمل أبعاداً أعمق تتعلق بالهوية والثقافة والحضارة. وأضاف أنه إلى جانب فقدان الأرواح وتضرر البنى التحتية المدنية، تعرّض التراث الثقافي الإيراني نفسه للاستهداف، باعتباره الذاكرة التاريخية المتراكمة للأمة وأحد أعمدة استمرارها الحضاري.
أضرار واسعة طالت مواقع تاريخية ومتاحف
وبحسب التقييمات الميدانية والبيانات الموثقة، فقد تضرر حتى الآن ما لا يقل عن 149 موقعاً تاريخياً ومتحفاً في 20 محافظة إيرانية. ومن بين هذه المواقع، تعرضت خمسة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي، وسبعة أحياء تاريخية، و54 متحفاً لأضرار متفاوتة الخطورة.
وأوضح أن تركز هذه الأضرار في محافظات مثل طهران، أصفهان، كردستان، كرمانشاه ولرستان لا يحمل فقط دلالة رقمية، بل يحمل أيضاً رسائل رمزية مهمة تتعلق باستهداف مراكز الهوية الوطنية ومظاهر التاريخ الجمعي.
وشدد صالحي أميري على ضرورة التمييز بين «التخريب المادي» و«التخريب المعنوي»، موضحاً أن ما يجري يتجاوز الأضرار الفيزيائية ليصل إلى محاولة تعطيل النظام الرمزي الذي يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.
واعتبر أن مثل هذه الأفعال، تندرج ضمن ما يُعرف بـ«حروب الهوية»، حيث يكون الهدف إضعاف البنى الرمزية والثقافية للمجتمع. وختم بالإشارة إلى أن استهداف التراث الثقافي الإيراني يُعد محاولة لقطع الاستمرارية التاريخية وإضعاف رأس المال الرمزي للأمة.
تؤكد التجربة التاريخية الإيرانية أن هذا البلد يمتلك قدرات داخلية راسخة على إعادة البناء وإحياء عناصره الحضارية، وهي قدرات تستند إلى رأس المال الاجتماعي، والتماسك الثقافي، والعمق الهوياتي الذي يميز المجتمع الإيراني.
وقد أظهرت استجابة المجتمع الإيراني، داخل البلاد وفي صفوف الجاليات الإيرانية حول العالم، أن التراث الثقافي يُعد عنصرًا حيًا ونشطاً في حياة الإيرانيين اليومية، وأن مشاعر التضامن والتعاطف والمسؤولية الجماعية تعكس ارتباطًا عاطفيًا عميقًا بهذا التراث.
وفي هذا السياق، برزت «الحملة الوطنية لترميم الجراح التي أصابت التراث الثقافي» كمبادرة استراتيجية تهدف إلى تنشیط رأس المال الاجتماعي وترسيخه في مسار إعادة إعمار الأصول التاريخية. وتمثل هذه المبادرة مشروعًا اجتماعيًا حضاريًا يهدف إلى تحويل الطاقات المجتمعية الكامنة إلى أفعال منظمة وموجهة نحو إحياء التراث الثقافي وصونه.
كما تشير الرؤية المطروحة إلى أهمية توسيع نطاق هذه الحملة على المستوى الدولي، في ظل ما يتمتع به التراث الثقافي الإيراني من مكانة تاريخية وحضارية تجعله جزءًا من الإرث الإنساني المشترك. ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ عليه وإعادة ترميمه لا يُعد مسؤولية وطنية فحسب، بل مسؤولية تتجاوز الحدود الجغرافية.
ويُعد توجيه الدعوة إلى المؤسسات الدولية، والجامعات، والشبكات المتخصصة، والناشطين في مجال التراث، جزءًا من استراتيجية إيران لتعزيز الدبلوماسية الثقافية على الساحة العالمية. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية دور الإيرانيين المقيمين في الخارج، حيث أظهرت مواقفهم في الفترة الأخيرة أن الانتماء الهوياتي يتجاوز الحدود الجغرافية، وأن هذا الارتباط يشكل موردًا مهمًا يمكن توظيفه في عمليات الترميم وإعادة البناء، سواء من حيث رأس المال البشري أو المالي أو المعرفي، بما يساهم في تسريع عمليات الإحياء وتعزيز الروابط الوطنية على نطاق عالمي، شرط توفير آليات مشاركة شفافة قائمة على الثقة.
ومن منظور أوسع، تعيد هذه التطورات التأكيد على أهمية إعادة تعريف عناصر القوة الوطنية. ففي السياق المعاصر، يُعد كل من القوة الناعمة ورأس المال الاجتماعي من أهم ركائز النفوذ الوطني. وما يشهده الواقع الإيراني اليوم يعكس هذا المفهوم بوضوح، حيث يظهر تماسك المجتمع في مواجهة التحديات بدلًا من التفكك، مع قدرته على إعادة إنتاج عناصر القوة الداخلية.
إيران.. حضارة لا تُهزم بالمعنى رغم التحديات
في الختام، اكد صالحي أميري على أنه رغم ما قد تُسببه الاعتداءات المعادية من أضرار في المباني والمنشآت التاريخية، إلا أنها لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تُلحق الضرر بالمعنى الحضاري أو أن تُنهيه. فالحضارة الإيرانية تقوم على أسس راسخة، واجهت عبر القرون تهديدات متعددة، لكنها كانت في كل مرة قادرة على إعادة إنتاج ذاتها وإحيائها بطاقة أقوى وإرادة أكثر صلابة.
وفي خضم الأزمة الراهنة، تبرز فرصة حقيقية لإعادة التفكير في علاقة المجتمع بتراثه الثقافي، وتعزيز التماسك الوطني، وإعادة صياغة موقع إيران الإسلامية في المعادلات الثقافية العالمية.
ويمكن القول إن إيران يمكن بناؤها وتطويرها، إلا أن ما يمنحها الاستمرارية والخلود هو تلك القلوب التي تنبض باسمها، والوعي المتجذر في تاريخها. فهذه القلوب وهذا الوعي يمثلان رأسمالًا لا يمكن تدميره ولا إخضاعه للعقوبات، ومن هنا تبدأ ملامح مستقبل إيران.