تتموضع الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض (LEO) على ارتفاع يتراوح بين 200 و2000 كيلومتر فوق سطح الأرض. وتمتاز هذه الكوكبات، بخلاف الأقمار الجيوسنكرونية المتمركزة على بُعد 36 ألف كيلومتر، بانخفاض حادّ في زمن التأخير ليصل إلى أقل من 50 ميلي ثانية، إضافة إلى تغطية عالمية بكلفة أدنى بكثير. وقد غدا هذا المجال أحد أكثر ميادين التنافس الجيوسياسي والأمني والاقتصادي حساسية بين القوى الكبرى. فقد أطلقت الولايات المتحدة عبر «ستارلينك» أكثر من ستة آلاف قمر عامل حتى الآن، مع خطط لرفع العدد إلى 42 ألفاً. أمّا الصين فتمضي في تنفيذ مشروعَي «غوانغ» (الشبكة الوطنية) الذي يضم نحو 13 ألف قمر، و«تشيانفان» (آلاف الأشرعة)، بوصفهما منظومتين منافستين لـ«ستارلينك». كما أطلق الاتحاد الأوروبي مشروع Iris²، فيما تعمل روسيا على مشروع «إسفِرا» لنشر أكثر من 600 قمر صناعي.
وتُظهر هذه المنافسة أن الدول التي لا تمتلك كوكبة محلية عاملة في المدار المنخفض ستفقد، في المستقبل القريب، سيادتها الاتصالية وأمن بياناتها.
وفي هذا السياق، وضعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مشروع «منظومة أقمار الشهيد سليماني الصناعية» ضمن أولوياتها، إدراكاً منها للأهمية الاستراتيجية لهذا المدار.
تفاصيل كوكبة «الشهيد سليماني» المكوّنة من 24 قمراً
تشير أحدث التصريحات إلى أن المشروع يتقدّم بخطى واضحة وفق تفاصيل أكثر دقة. وقد وصف غياثوند، رئيس المجموعة الفضائية في صناعات الإلكترونيات (صايران)، المشروع بأنه خطوة مفصلية في صناعة الفضاء، مؤكداً أن تعاون منظمة الفضاء ووزارة الاتصالات كان عاملاً حاسماً في تشغيل هذه المنظومة المعقّدة.
وللمرة الأولى سيُجهَّز أربعة وعشرون قمراً صناعياً تحمل اسم اللواء الشهيد قاسم سليماني، من «قاسم 1» إلى «قاسم 24»، باعتبارها النماذج الرئيسية الجاهزة للإطلاق.
وأشار غياثوند إلى سبب تسمية النماذج التجريبية بـ«هاتف»، إذ أوضح أن احتمال وقوع مشكلات فنية في النماذج الأولية وارد دائماً، ولم يرغب القائمون على المشروع في وضع اسم الشهيد سليماني -المرتبط بالنجاح- على نماذج قد تواجه خللاً فنياً.
وبعد نجاح نماذج «هاتف» بالكامل، ستُطلَق النماذج الرئيسية التي تحمل اسم الشهيد سليماني إلى المدار. ووفق الخطة، ستُصنَع الأقمار الأربعة والعشرون خلال العام المقبل، وستُوضَع في المدار عبر عمليات إطلاق متتابعة طوال العام، لتشكّل أول منظومة فضائية وطنية.
آخر مستجدات منظومة «الشهيد سليماني»
من جانبه، قدّم حسن سالاريه، رئيس وكالة الفضاء الإيرانية، تفاصيل محدثة حول المشروع. وأكد أن منظومة «الشهيد سليماني» تنتمي إلى فئة «النطاق الضيّق» (Narrowband)، ويجري تصميمها وتصنيعها عبر كونسورتيوم يضم القطاعين الحكومي والخاص.
وأشار إلى أنه تمّ حتى الآن تصميم النماذج الأولية وتصنيعها وإطلاقها بصيغة «تحت المقياس» (Sub‑scale). ومن خلال هذه الإطلاقات جرى اختبار الجزء الأكبر من الأنظمة والتقنيات المطلوبة عملياً.
وأوضح أنه مع هذا الإعلان، يبدأ رسمياً مسار تصنيع النماذج الرئيسية. وتقوم آلية العمل على إطلاق النموذج التجريبي أولاً، ثم تقييم أدائه والتحقق من جاهزيته بعد استقراره في المدار، ليُبنى على أساسه تصنيع بقية الأقمار -أي الأربعة والعشرين قمراً- استناداً إلى النموذج المعتمد.
تأمين الأنظمة الفرعية والجدول الزمني للإطلاق
وأوضح سالاریه أن الأنظمة الفرعية للأقمار الأربعة والعشرين قد تم تأمينها بالكامل، كما أُنجزت عملية تصميمها، واكتمل الجزء الأكبر من اختبارات هذه الأنظمة بنجاح. ووفق الجدول الزمني، ستبدأ عملية الدمج النهائي، يليها إطلاق الدفعات الرئيسية خلال عام 2026.
وتُظهِر هذه المعطيات أن إيران، بخطوات ثابتة وتخطيط دقيق، تقف على أعتاب عصر الكوكبات التشغيلية، وأن مشروع «الشهيد سليماني» يمكن أن يشكّل نموذجاً للمراحل اللاحقة في هذا المجال.
ويُعدّ الاستمرار في المشروع واستكماله ضرورة حيوية لإيران. ففي مواجهة تهديد السيادة المعلوماتية، لا يمكن لغير منظومة محلية أن تضمن حماية تدفق البيانات من الشبكات الخارجية. كما تضمن الكوكبات المحلية استمرار الاتصالات في حالات الأزمات، حيث تُستهدَف البنى التحتية الأرضية عادة أولاً.
من جهة أخرى، يعني الاعتماد على الإنترنت الفضائي الأجنبي تبعية بياناتية وقابلية أعلى للمراقبة، بينما يرسّخ تطوير كوكبة محلية الاستقلال الفضائي ويوفّر فرصاً للنخب التقنية.
وبفضل تقدم إيران في تصنيع الأقمار الصغيرة -المكعّبية والتي تقل كتلتها عن 500 كغ- إضافة إلى امتلاكها حوامل إطلاق مثل «سيمرغ» و«ذوالجناح» و«قائم»، تتوفر القدرة المحلية لإطلاق كوكبات صغيرة ومتوسطة. ومن ثمّ فإن التباطؤ في هذا المسار سيعني تراجعاً يصعب تعويضه.
ولم تعد أقمار المدار المنخفض مجرد تقنية اتصالية، بل باتت أداة حاسمة للسيادة والأمن والاستقلال المعلوماتي. وتستثمر القوى الكبرى مبالغ ضخمة تؤدي فعلياً إلى «الاستحواذ» على المدار المنخفض وإقصاء الدول التي تفتقر إلى كوكبات محلية.
وعليه، يُعدّ التقدم بوتيرة متسارعة في مشروع «الشهيد سليماني» والبرامج المرتبطة بالمدار المنخفض ضرورة لا يمكن تجاهلها.