ثلاثون مليونًا على درب الإيمان.. قراءة في بعثة الأمّة الجديدة

هذا الحضور المليوني هو ثمرة إعادة تعريف الهُوية في أقسى الظروف؛ وحصيلة سنوات من الصبر، وتحمل المسؤولية، وصون دماء الشهداء

محمدمهدي إسماعيلي

 

وزير الثقافة السابق

 

 

إنّ تاريخ الأنبياء يعلّمنا أنّ أي «بعثة» لا تتحقق من دون المثابرة في الشدائد، ومن دون عبور صخور الابتلاء العالية. فعندما يدعو الحقّ تعالى في سورة المزّمّل نبيَّه إلى الصبر على «قَوْلًا ثَقِيلًا» (كلام ثقيل وعظيم)، ويصدر في سورة المدّثر الأمر «قُمْ فَأَنْذِرْ» (انهض وأنذر)، فإنما يُبيّن قانونًا ثابتًا لا يتغيّر في التحولات الحضارية: البعثة قرينة المشقّة.

 

 

لقد سار الشعب الإيراني، خلال نصف القرن الأخير، في هذا النهج الإلهي ليس مرّة واحدة، بل مرّتين؛ نهضتان كلتاهما انبثقتا من قلب المعاناة، وتزيّنتا بالإيمان والوعي.

 

 

 1- البعثة الأولى؛ تحطيم صنم الاستبداد الداخلي وانتصار الثورة الإسلامية

 

 

في عام 1357هـ.ش (1979م)، لبّى شعبٌ عاش قرونًا في الصمت والعزلة نداء الإمام الخميني الراحل(رض)، فنهض منتصب القامة.

 

 

لقد كانت العقوبات، والاغتيالات، والحرب، كلٌّ منها أثقالًا جسيمة على كاهل هذه البعثة، حتى يتذوّق الشعب طعم الاستقلال، ويختبر معنى الحرية في ميدان الواقع.

 

 

لقد كانت تلك اليقظة الكبرى إحياءً للروح الإنسانية والإسلامية في جسد أمّة؛ وقد أطلق الشهيد مرتضى مطهري، معلّم الثورة الذي نعيش هذه الأيام ذكرى استشهاده، على هذه الصحوة الكبرى اسم «بعثة الشعب الإيراني».

 

 

 2- البعثة الثانية؛ تجاوز الانسداد وبلوغ الأفق الحضاري

 

 

اليوم، في عام 1405هـ.ش (2026م)، نقف في قلب بعثتنا الثانية. هذه النهضة الجديدة انبثقت من رحم الحزن والحرمان؛ مع استشهاد قائد الثورة الإسلامية الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، الذي ارتقى عطشانًا، على مثال جدّه الطاهر الإمام الحسين(ع)، مع عائلته وأصحابه.

 

 

ومن ذلك الدم الطاهر، وفي فوران إيمان الشعب، نبتت بذرة بعثة جديدة. إنّ ظهور قائد شاب، والتحام ثلاثين مليون قلب مؤمن وروح فدائية، يشكّلان علامة ولادة مدّثرية في روح إيران؛ نهوضًا لإحياء الأمل، وإعادة تعريف الأهداف الحضارية للثورة الإسلامية.

 

 

 لماذا نُسمّي هذا التحوّل «البعثة الثانية»؟

 

 

لقد ورد الوعد بهذه البعثة الثانية في استشرافات إمامنا الشهيد، وجاء في الرسالة الأولى للقائد الجديد، إمام التحوّل، شرح أبعادها. ومع حراك «الروح فداء لإيران»، بلغ هذا المسار اليوم جيشًا يتجاوز ثلاثين مليون إنسان.

 

 

فإذا كانت البعثة الأولى قد أفرزت جيشًا بعشرين مليونًا، فإنّ البعثة الثانية، منذ خطوتها الأولى، حشدت ثلاثين مليون مستعدّ للجهاد في صفوفها.

 

 

إنّ أهداف هذه البعثة الثانية تجاوزت حدود الجغرافيا الإيرانية، وارتبطت بأسمى تطلعات تاريخ التشيّع والإسلام:

 

 

– إنهاء الصهيونية وانهيار نظام الهيمنة الذي بات أفوله واضحًا؛

 

 

– إخراج القوى الاستكبارية من المنطقة التي كانت تعيق تنفّس الشعوب الحرّة؛

 

 

– التمهيد لطلوع شمس الولاية الإمام المهدي المنتظر(عج)، بوصفها الأفق النهائي لكل البعثات الإلهية.

 

 

هذه البعثة لم تعد مجرد حركة سياسية، بل أصبحت حالة تعبئة حضارية لعصر جديد؛ عصر يكون فيه الإيمان والوعي اللغة المشتركة للمجتمع.

 

 

إنّ «البعثة الثلاثونية» تمثّل نقطة التقاء الإيمان، والتجربة، والنضج الاجتماعي لأمّة؛ لحظة يتحوّل فيها «العدد» إلى «رمز»؛ رمز وحدة المصير، ووحدة الصوت، وإرادة واحدة لصناعة مستقبل أكثر إشراقًا.

 

 

إنّ هذا الحضور المليوني هو ثمرة إعادة تعريف الهوية في أقسى الظروف؛ وحصيلة سنوات من الصبر، وتحمل المسؤولية، وصون دماء الشهداء.

 

 

المصدر: الوفاق