“لا تبكي يا أختي! ففي بيتكِ ستنبت شجرة، وأشجار في مدينتكِ، وأشجار كثيرة في أرضكِ.. والريح ستحمل رسالة كل شجرة إلى الأخرى، والأشجار ستسأل الريح: وأنتِ في طريقكِ إلينا، ألم تري الفجر؟!”
نُشرت رواية “سووشون”، رائعة الراحلة “سيمين دانشور”، لأول مرة عام 1969، وأُعيد طبعها مراراً وتُرجمت إلى لغات عالمية مختلفة. ورغم أن “دانشور” كانت ستبقى ضمن قائمة أبرز الروائيين حتى لو لم تكتب “سووشون”، إلا أنها بخلق هذا الأثر الخالد، لا تزال تفرض حضورها القوي والمهيمن كأهم كاتبة في العصر الحديث.
تسعى الكاتبة في هذا العمل إلى سرد قصة حياة “زري” و”يوسف” وسط الأحداث الاجتماعية والسياسية في عهد بهلوي الأول، إبان تعرض البلاد للاحتلال. كان رسم الشخصيات لدى “سيمين” قوياً ومبتكراً لدرجة جعلت من “يوسف” لسنوات طويلة رمزاً للمناضل المخلص في سبيل الوطن، ومن “زري” نموذجاً للمرأة الإيرانية الحامية لكيان الأسرة.
يمكن وصف “سووشون” بالعمل الاقتحامي أو الرائد؛ فهو كتاب يحاول تصوير وجه من وجوه “الميراث الغربي” للمجتمعات الشرقية، من خلال استعراض أوضاع إيران تحت الاحتلال، وما رافقها من جوع ومجازر وفقر بين عامي 1941 و1946.
وبينما كانت “زري” و”يوسف” يعيشان حياة عاطفية هانئة مع أطفالهما الثلاثة، جاءت الحرب وعجز النظام الحاكم عن ضبط أمن المجتمع لتغير مسار حياتهما تماماً.
ينتمي “يوسف” و”زري” إلى الطبقة المتوسطة، حيث كان وجع المجتمع هو وجعهما الشخصي. يخوض “يوسف” كفاحاً علنياً ضد المحتلين، معارضاً بشدة بيع المؤن والمواد الغذائية للأجانب. في المقابل، كانت “زري” -رغم عدم رضاها عن الوضع- تعبر عن معارضتها بنوع من التحفظ؛ إذ كانت أولويتها القصوى هي الحفاظ على يوسف وحماية أسرتها.
في نهاية المطاف، يُقتل “يوسف” برصاصة غادرة، رصاصة يعلم الجميع جيداً من الجهة التي أطلقتها. كان موت “يوسف” بمثابة الصدمة التي أيقظت “زري”.
وهي التي شهدت انهيار ركن أسرتها، تتحول من إمرأة متحفظة إلى امرأة مناضلة؛ لتصبح رمزاً للمرأة الإيرانية على مر التاريخ. من هذا المنطلق، يمكن القول إنه على الرغم من أن “يوسف” هو بطل الرواية الرئيسي، إلا أن “دانشور” تعمدت -على ما يبدو- عدم حصر شخصية “زري” في ظله.
تُروى القصة على لسان “زري”، وفي النهاية، تكون هي من يكسر قوالب الماضي لتتحول إلى شخصية ملهمة، خاصة للنساء؛ وذلك في زمنٍ لم تكن فيه المرأة تحظى بدور فاعل في الأعمال الأدبية، بل كانت تُحصر في أدوار نمطية ومحدودة. إلى جانب القيمة الأدبية للعمل، نظرة الكاتبة للأحداث السياسية والاجتماعية في زمن الرواية تستحق الثناء والتقدير.
شهدت إيران بين عامي 1941 و1943 فترة من الجوع الشديد والمجاعة، نتيجة احتلال القوات البريطانية والروسية للأراضي الإيرانية. وصلت المجاعة والفقر إلى حد أن ندرة الخبز أدت إلى اندلاع “انتفاضة الخبز” في طهران في 8 ديسمبر 1942.
تتفاوت التقديرات حول عدد الضحايا لتصل أحياناً إلى أربعة ملايين شخص؛ قضوا نتيجة تداعيات الحرب وسوء إدارة حكومة “رضا شاه”. سلطةٌ كان يُقايض فيها الخبز بالدم، حيث قام أقطابها -من “خان بختياري” إلى “خان كاكـا”- ببيع الحبوب للمحتلين لشراء السلاح، في ذروة القحط والمجاعة.
وفي هذه الحلقة الفاسدة، كان الرعية هم من يدفعون الثمن كاملاً؛ ومن دمائهم تحديداً. كان أصحاب النفوذ غائبين تماماً عن آلام الفقراء؛ وقد جسدت “سيمين” هذا الاغتراب عن أحوال المستضعفين في مشهد زفاف تبرز فيه “خبزة سنكك” كبيرة على سفرة العقد، في زمنٍ كان فيه الخبز أغلى من الكيمياء.
ورغم أن هذه الواقعة المروعة سُجلت كواحدة من أمرّ الأحداث في تاريخ إيران، إلا أن القليل من الأعمال هي التي استطاعت أو تجرأت على تناولها كما فعلت “سيمين”، لتقدم لنا نماذج من المناضلين الأحرار كـ”يوسف”، وهم كُثر في المجتمع الإيراني.
ولتحقيق هذا الغرض، اختارت الكاتبة أساليب متنوعة؛ فاستلهمت من الأساطير الوطنية والقرآنية، واعتمدت لغة بسيطة ورسماً قوياً للشخصيات، كما أضافت المصطلحات المحلية كـ”توابل” تزيد من عذوبة السرد.
وعلى الرغم من ذهاب بعض النقاد لاحقاً إلى أن “سيمين” تأثرت بزوجها “جلال آل أحمد” في إضفاء مسحة من نقد “التغرب” على العمل، إلا أنه من الإجحاف استنتاج ذلك بحق منجز “دانشور” العظيم.
فـ”سيمين” امرأة مثقفة وحكيمة، تركت بصمتها الواضحة على من جاء بعدها، سواء من حيث أسلوب الكتابة أو من حيث الموضوع والمضمون.
ورغم أن بعض الكتّاب اعتبروا أنفسهم أبناءً لرواية “المرأة الزائدة” لجلال، إلا أن ورثة “سيمين” الأدبيين لم يكونوا أقل شأناً أو عدداً.
تظل “سوشون” جديرة بالقراءة دوماً؛ ولا سيما في هذه الأيام التي تواجه فيها البلاد عدوان الكيان الصهيوني وأمريكا مجدداً.
إن مقارنة الظروف الاجتماعية والسياسية بين الحقبتين قد تحمل نقاطاً مثيرة للقارئ، وتجيب على سؤال: لماذا سلك الإيرانيون سلوكاً مختلفاً في موقفين متشابهين تقريباً؟
اليوم، تُتم السيدة “سيمين” عامها الـ105 (في ذكرى ميلادها). هي المرأة المتعلمة التي كتبت قصتها الأولى بتشجيع من “مرتضى كيوان”، وأصبحت أول رئيسة لرابطة الكتاب الإيرانيين.
امرأةٌ جاهدت كي لا تبقى في ظل شهرة زوجها “جلال”، وحافظت على استقلال وخصوبة فكرها ولغتها. لقد حملت “سيمين” في كافة أعمالها هموم الإيرانيين، لا سيما النساء.. طاب ذكرها وذكراها.