اغتيال الإمام الشهيد وضرورة إعادة قراءة القانون الدولي

الوفاق/ يُظهر السلوك العملي للولايات المتحدة الأمريكية وقواها النيابية في جميع أنحاء العالم، نقضاً مصحوباً بتصعيد التوتر على مستوى القواعد القانونية، سواء كانت وضعية أو عرفية، في العلاقات الدولية. ففي السنوات التي أعقبت واقعة 11 سبتمبر 2001، بدأت أمريكا، تحت لافتة "الإرهاب"، بممارسة ما يسمى بـ"القتل المستهدف" ضد كل مَن يتعارض وجوده مع مصالحها ومصالح حلفائها.

الدكتور عباسعلي كدخدائي

عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام

 

 

 

وبالتزامن مع هذه الإجراءات الخارجة عن القانون، انخرط الجهاز القانوني في ذلك البلد أيضاً بشكل فعال، عبر شبكات اتصال واسعة ووسائل إعلام متخصصة وعامة، في تفسير موسع للقواعد القانونية الدولية الوضعية والعرفية.

 

 

إنّ ملصق “الإرهاب” يحمل نتيجة قانونية بالغة الأهمية في الأدبيات الدولية بالنسبة لهذه الدول؛ حيث كان الإرهابيون يُعتبرون أشخاصاً غير مشروعين يمكن معاقبتهم أينما وُجدوا دون إجراء محاكمة أو اتباع إجراءات قانونية. والمثير للسخرية أن بعض محاولات الجهاز القضائي الأمريكي لتعديل النظريات القانونية المتطرفة التي طُرحت في عهد رئاسة بوش وأوباما، لم تكن مؤثرة في كبح السلوك العملي للجهاز التنفيذي الأمريكي الخارج عن القانون.

 

 

كانت الإجراءات الأولية لأمريكا، وبشكل عام للعالم الفكري الغربي، تتركز على اعتقال أو قتل الأشخاص الذين تربطهم صلة وثيقة بالقاعدة ولاحقاً بـ”داعش”.

 

 

إنّ اعتقال الأشخاص المشتبه بهم، خلافاً لمقررات القانون الدولي وحتى القانون الداخلي الأمريكي الذي يقيد الاعتقال بتبليغ التهمة وإعلان حقوق الدفاع عن المتهم واتباع أصول المحاكمات (Due Process)، حدث لأول مرة بناءً على قرار مجلس الأمن رقم 1546 الصادر عام 2004 أثناء احتلال العراق.

 

 

وبناءً على هذا القرار، قامت قوات التحالف حتى عام 2008 باعتقال أي شخص تراه مناسباً في جنوب العراق، في حين كان هذا الإجراء مخالفاً للفقرة 1 من المادة 5 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وقد استُخدم هذا القرار نفسه في قضية “الجدة ضد وزارة الدفاع البريطانية” كتبرير قانوني، واستندت إليه المحكمة العليا البريطانية لإعفاء القوات العسكرية لذلك البلد من التزامات حقوق الإنسان، لتقطع بذلك الطريق على المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

 

 

عندما نتحدث عن زيادة التوتر القانوني، فإن المقصود هو التالي: إنّ تجربة العراق وصدور قرار مجلس الأمن كأداة لانتهاك القواعد القانونية، مهدت الطريق لمزيد من الانتهاكات. فقد تم اعتقال أو قتل العديد من المسلحين خارج ميادين المعارك الفعلية. وكان أهم إنجاز للمنظومة الفكرية الغربية هو الاستخدام غير المشروع والتعسفي لآراء الشخصيات المؤثرة في الفضاء الدولي.

 

 

يجب الانتباه إلى أن القانون الدولي من منظور الولايات المتحدة الأمريكية، كان يُعاد تعريفه بناءً على تعاليم “مدرسة نيوهيفن” القانونية التي وصلت إلى ذروتها في عقد ثمانينيات القرن العشرين الميلادي. فمن وجهة نظر هذه المدرسة، التشريع يعني إيجاد “قرار معياري”. وهذا القرار المعياري هو في الواقع عملية اتصالية تخلق في مخاطبها مجموعة من التوقعات المتنوعة. والمقصود بالمعيار (Prescription) ليس مجرد “يجب ولا يجب” أو الأمر والنهي الصِرف؛ بل إن كل ما يجعل عملاً ما مشروعاً أو غير مشروع يمكن أن يُعتبر معياراً، حتى لو لم يكن له مظهر آمري أو ناهٍ.

 

 

والآن، يمكن ملاحظة أنه في مجتمع عابر للحدود وغير متجانس من مستويات التعامل والتشابك المختلفة، فإن مرجع السلطة الواحد لا معنى له. ففي مثل هذا المجتمع، نواجه مراجع سلطة قد تعمل بالتزامن أو بالتوالي. كما أن أسلوب السيطرة يشمل طيفاً متنوعاً من التهديد أو التطميع لمختلف الجمهور.

 

 

ومن هذا المنظور، فإن الأمم المتحدة، وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية، والأشخاص ذوي النفوذ في الأجهزة التنفيذية المعنية، يلعبون جميعاً دور الفاعلين واضعي القواعد؛ الفاعلون الذين يؤثرون مع مرور الوقت على آراء وتوقعات معظم الأشخاص والكيانات الدولية ويصيغونها.

 

 

إنّ تشكيل المحتوى الداخلي للقيم القانونية عبر التفسير والاستخدام الأدواتي للمؤسسات القانونية، مهد الطريق لانتهاك القواعد القانونية الوضعية والعرفية. فُقد التوازن القانوني بين الفاعلين، وفقدت المنظمات الشاملة، بما فيها الأمم المتحدة، مكانتها تدريجياً، وكان ذلك نتيجة للنقض التدريجي للقواعد القانونية التي وضعتها هذه المنظمة نفسها؛ مثل استخدام قرارات الأمم المتحدة كأداة لتغيير الأنظمة (القرار 940 لعام 1994 ضد هايتي)، وتسليم المجرمين (القرار 731 لعام 1992م ضد ليبيا)، وتأسيس مراجع قضائية (القرارات المتعلقة بتأسيس المحاكم الجنائية الخاصة مثل محكمة لبنان أو سيراليون)، وتنفيذ حقوق الإنسان (مثل القرار المتعلق بهايتي أو قرار مسؤولية الحماية بشأن ليبيا رقم 1973 لعام 2011 وأمثالها)، كان لها تداعيات جديرة بالتأمل، وهي أفول الأمم المتحدة وبالتالي أفول النظام القائم على القواعد.

 

 

لقد استمر مسلسل إضعاف النظام القانوني الدولي باغتيال قائد فيلق القدس في حرس الثورة الإسلامية، الشهيد الفريق قاسم سليماني، والبعثة الدبلوماسية الإيرانية في دمشق، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية في طهران، ثم اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من فنزويلا، ومؤخرًا اغتيال كبار مسؤولي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خاصة قائد الثورة الاسلامية سماحة آيةالله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض). إن اغتيال هؤلاء الشهداء جرى في ظروف كانوا فيها يؤدون مهاماً سياسية ومدنية بامتياز.

 

 

في المقاربة الأمريكية، يبدأ الأمر أولاً عبر “معركة رواية”، حيث يتم إطلاق وتعميم ملصقات على القوى المعادية لأمريكا، سواء كانت حكومية أو غير حكومية، تحت عناوين مثل “إرهابي” و”مقاتل عدو غير مشروع”. ثم يتم اللجوء إلى تفسير موسع لمواد الميثاق، وخاصة المادة 51 المتعلقة بالدفاع عن النفس، للقيام بقتل أو اعتقال الأشخاص الذين يندرجون تحت هذه العناوين.

 

 

ومن الجدير بالذكر أن قتل أو اعتقال القادة العسكريين الإيرانيين وهم يخدمون في قوة مسلحة منظمة وتحت قيادة شخص مسؤول ويحملون السلاح علناً، يندرج تحت شمول اتفاقية جنيف الثالثة. أما أولئك الذين يخرجون عن شمول هذه الشروط ويقومون بأعمال سياسية ودبلوماسية، فهم مشمولون بحماية مقررات اتفاقية حماية الدبلوماسيين لعام 1973.

 

 

وبناءً على هذه الاتفاقية، فإن قتل الممثلين السياسيين للدول يُعد جريمة ويوجب المسؤولية. ومن الناحية الجنائية، يجب على حكومة الولايات المتحدة محاكمة المباشرين والمتسببين في هذا الإجراء، وإلّا وجب عليها تسليمهم إلى الدولة الضحية.

 

 

وبالنسبة لاغتيال قائد الثورة الشهيد، تجدر الإشارة إلى أن صلاحية “قيادة القوات المسلحة” لا يمكن اعتبارها مبرراً لكونه شخصية عسكرية أو مسوغاً لاغتياله.

 

 

إنّ اغتياله ليس فقط انتهاكاً للقواعد المعروفة للقانون الدولي لحقوق الإنسان من حيث سلب الحق في الحياة والحذف الجسدي لمسؤول رسمي، بل له عمق أكبر بكثير؛ فاغتيال مثل هذه الشخصيات يؤدي إلى سلب الأمن من مجتمع كامل. لذا، فإن قتل الشخصيات السياسية لا يقتصر على سلب حياة الفرد نفسه، بل هو بمنزلة توفير الأسباب والمقدمات اللازمة لانهيار الحق في الحياة والسيادة والاستقلال السياسي لبلد ما.

 

 

ورغم أن الأضرار المادية الناجمة عن العدوان العسكري-الإرهابي على السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لإيران قابلة للتقييم، وجميع الدول التي شاركت أو ساعدت بأي شكل في تسهيل هذا الإجراء غير المشروع مسؤولة عن تعويضها، إلا أن اغتيال قائد الأمّة، بوصفه ثروة وطنية ودينية، لا يمكن جبره بأي مقدار من التعويضات المادية.

 

 

إنّ مقتضيات جبر جزء من هذا الاعتداء المتجاوز تتطلب “إعادة تعريف” مستوى التزام الدولة الضحية والمتضررة بالقواعد القانونية. ففي النظام القائم على القواعد، لم يكن من الممكن اغتيال أو اعتقال رؤساء الدول الذين ساعدوا في تمويل إرهاب الدولة الأمريكي والصهيوني لأن ذلك كان سيواجه بإجماع عالمي وتدخل عسكري.

 

 

أمّا في الظروف الحالية ومع انهيار هذا النظام، فإنه يمكن، على الأقل في جغرافيا محدودة وقريبة، تطبيق نفس نمط السلوك على معاوني ومسببي جريمة العدوان ضد دول مثل إيران والنجاة من العواقب القانونية.

 

 

إنّ تنفيذ الالتزامات القانونية، سواء في القانون الداخلي أو الدولي، مشروط بالتنفيذ والالتزام المتبادل بهذه التعهدات من قبل سائر المتعهدين؛ وهذا أصل عقلي كلي ومن المصادر الأساسية للقانون.

 

 

من ناحية أخرى، إذا كان انتهاك القواعد الآمرة، مثل ما جاء في الفقرة 4 من المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة بشأن منع اللجوء إلى القوة، قد أصبح ممكناً بالسلوك العملي لبعض الدول والدعم المالي من آخرين، فإنه في المقابل سيُعتبر انتهاك القواعد القانونية من قبل الدول صاحبة المصلحة دفاعاً مشروعاً أيضاً.

 

 

إنّ انهيار النظام الغربي الموصوف بأنه “قائم على القواعد”، والذي كان في الواقع نظاماً هيمنياً سيالاً قائماً على الاستسلام والمساومة مع القوة العظمى العالمية، له نتيجة بالغة الأهمية: إذا كانت حصانة رؤساء الدول المستقلة قابلة للانتهاك، فلا يوجد سبب لرعاية هذه الحصانة لرؤساء أي من الدول والمنظمات. وإذا كانت الأمم المتحدة لم تعد قادرة على رعاية نظامها، فلا يوجد سبب لرعاية هذا النظام من قبل المجتمعات التي تضررت دائماً من أداء مثل هذه المؤسسات.

 

 

الآن، وبعد انتهاك قواعد القانون الدولي واغتيال قائد الأمّة وغيره من كبار المسؤولين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يجب التأكيد على أن القانون الدولي اليوم يحتاج أكثر من أي وقت مضى لإعادة تعريف وإعادة تصميم، ويجب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية أيضاً، كفاعل مؤثر ومهم، أن تشارك بفعالية في هذه إعادة التعريف.

 

 

 

المصدر: الوفاق