شغلت إيران، في الولاية الرئاسية الأولى للرئيس الأميركي، جزءًا كبيرًا من السياسة الخارجية لإدارته. فمن الانسحاب من الاتفاق النووي، إلى إطلاق حملة الضغوط القصوى، واغتيال الشهيد الفريق قاسم سليماني، وغير ذلك، فقد عمل ترامب على كل شيء، ما عدا الحرب، لكي يجبر طهران على الاستسلام. وفي الولاية الرئاسية الثانية، أقحم ترامب نفسه في الحرب التي كان يريدها، وبدأت «سلسلة الإهانات» من هنا، ثم امتدت إلى الاتحاد الأوروبي وحلفاء أمريكا الشرقيين.
وأخيرًا، عرضت الزيارة إلى الصين واجهة من إهانات القوة العظمى أمام العالم، في وقت لا يزال فيه ذلك العالم يتخبط في عقدة إعادة فتح مضيق هرمز، حيث تتزايد المقارنة في الداخل الأميركي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون، الذي وسّع التدخل العسكري في فيتنام. ولا يُعدّ جونسون مجرد اسم، بل يُعدّ رمزًا في الفضاء السياسي الأمريكي، بوصفه الرئيس الذي وقع في مستنقع لا طريق للخروج منه.
أوّل مَن تحدّث عن «الإهانة»
كان المستشار الألماني “فريدريش ميرتس” أول شريك غربي لأمريكا تخلّى عن اللغة المتملّقة أمام الرئيس الأميركي، واستخدم كلمة «إهانة» بحق الولايات المتحدة، وذلك بعدما لم يحضر المسؤولون الإيرانيون الجولة الثانية من مفاوضات إسلام آباد، إذ قال بصراحة: «تقوم إيران بإهانة الولايات المتحدة».
وأشار الأستاذ الجامعي الأمريكي “روبرت بيب” أيضًا إلى هذه النقطة في صفحته الافتراضية على منصة “إكس”، وكتب: «أولًا، رفض المفاوضون الإيرانيون لقاء مبعوثي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ثم قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس علنًا إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتعرض للإهانة. وبعد ذلك بدأت السعودية بالابتعاد عن ترامب».
في الواقع، يتحدّث هذا الأستاذ الجامعي الأمريكي عن سلسلة الإهانات للرئيس الأمريكي التي بدأت من إيران، ثم امتدت إلى دول وشخصيات سياسية أخرى في العالم. ورغم أن هذه السلسلة من الإهانات باتت الآن أكثر ظهورًا في بكين، فإن جذورها موجودة في طهران.
حرب إيران تمنح الآخرين الجرأة
قبل أيام قليلة من أن يُهزم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الرئيس الصيني شي جين بينغ في شدّ وجذب المصافحة، كان الملك البريطاني قد صنع مشهدًا مشابهًا خلال زيارته إلى أمريكا. وفي الواقع، بدأت جرأة حلفاء ترامب الغربيين في القارة الخضراء منذ الوقت الذي توسّل فيه ترامب مرارًا وتكرارًا إلى أوروبا وحلف الناتو في قضية مضيق هرمز، لكي يساعدوه على الخروج من مأزق إيران.
وأشارت السفارة الإيرانية في المجر أيضًا إلى جذور هذه الجرأة التي اكتسبها الأوروبيون، وكتبت على منصة “إكس”: «كانت حرب إيران هي التي منحتكم الجرأة على أن تتحدثوا بطريقة مختلفة».
وبعد شهرين من مراوحة أمريكا خلف الأبواب المغلقة لمضيق هرمز، باتت تُسمع همسات، من أوروبا إلى السعودية، الحليف القديم لأمريكا في المنطقة، تعارض أطماع ترامب. وتتحدث أوروبا الآن عن استقلالها في مواجهة أمريكا، وتغلق السعودية مجالها الجوي أمام أمريكا.
ترامب وأزمة ليندون جونسون
يواجه الرئيس الأمريكي سلسلة من الإهانات، سواء في الخارج أم داخل أمريكا. وبحسب الأستاذ روبرت بيب، يواجه ترامب الآن أزمة كبيرة شبيهة بأزمة «ليندون جونسون».
لقد علق ترامب في مستنقع سلب القوة العظمى الغربية فرصة استعراض قوتها في العالم، وأرسل هذا المستنقع ترامب، إلى لقاء رئيس قوة عظمى أخرى. وكان الرئيس الأمريكي يريد، ضمن جدول زمني محدد، أن يحسم مصير العداء الممتد لعقود بين أمريكا ودول مثل فنزويلا وإيران وكوبا بانتصار كامل، وأن يسافر إلى بكين بوصفه فاتحًا؛ لكنه غاص في خطوته الثانية في مواجهة إيران في مستنقع عميق إلى درجة أنه توجّه إلى الصين في هيئة «ليندون جونسون».