د. أكرم شمص
فالخطاب أعاد تعريف الصراع في لبنان باعتباره صراعًا على الوجود والسيادة والهُوية، لا مجرد خلاف سياسي حول السلاح أو التفاوض أو شكل الدولة.
من خطاب التهدئة إلى خطاب الحسم
منذ توليه الأمانة العامة بعد استشهاد الشهيد حسن نصر الله، حاول الشيخ نعيم قاسم اعتماد خطاب يجمع بين الثبات والاحتواء؛ لكن خطابه الأخير كسر هذه القاعدة بالكامل. فقد استخدم للمرة الأولى لغة مباشرة وصدامية تجاه السلطة اللبنانية والولايات المتحدة، ورفع السقف إلى حدود اعتبار أن “نزع السلاح هو إبادة”، أي أنه نقل النقاش من الإطار السياسي إلى الإطار الوجودي.
وهنا تكمن خطورة العبارة؛ لأن توصيف نزع السلاح بأنه “إبادة” يعني أن الحزب لم يعد ينظر إلى المسألة كخلاف داخلي قابل للتفاوض، بل كمرحلة تمهيدية لإنهاء البيئة المقاومة سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا.
إعادة تأسيس شرعية المقاومة تاريخيًا
أحد أهم عناصر قوة الخطاب أنه أعاد بناء “السردية الشرعية” للمقاومة من جذورها التاريخية.
فالشيخ قاسم لم يتحدث عن الحزب كتنظيم منفصل، بل أعاد وصل المسار المقاوم بالإمام السيد موسى الصدر (أعاده الله سالماً)، ثم بالإمام روح الله الخميني (قدس الله سره)، وثم بالإمام القائد السيد علي الخامنئي (قدس الله سره)، ومن ثم الشيخ راغب حرب إلى السيد عباس الموسوي إلى الحاج عماد مغنية وصولًا إلى الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، وهذا الربط لم يكن عاطفيًا فقط، بل محاولة لتثبيت أن المقاومة ليست رد فعل ظرفيًا، بل مشروعًا ممتدًا ومتراكمًا تاريخيًا وعقائديًا وشعبيًا.
ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة» تعود بقوّة
إنّ استحضار الخطاب للرئيس المقاوم إميل لحود والأخ الأكبر الرئيس نبيه بري والرئيس الراحل سليم الحص في حماية خيار المقاومة سياسيًا لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة بأن المقاومة لم تكن يومًا مشروع فئة معزولة، بل جزءًا من معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” التي أنتجت تحرير عام 2000، معتبرًا أن هذا التحرير كان ثمرة هذا التكامل لا نتيجة عمل منفرد. وهنا يوجّه الخطاب رسالة واضحة: أن المقاومة لا تعتبر نفسها خارج الدولة، بل ترى أن الخلل يكمن في تبدّل موقع السلطة الحالي مقارنة بموقعها السابق.
من «العجز» إلى «التواطؤ»: إسقاط شرعية المسار الحالي
التحول الأخطر في الخطاب كان في اعتباره أن السلطة اللبنانية انتقلت من موقع “العجز” إلى موقع “التنازل”، ثم إلى موقع “تجريم المقاومة”. وهذا تطور بالغ الدلالة، لأن الخطاب لم يعد يكتفي بانتقاد الأداء الحكومي، بل بدأ يطعن بشرعية المسار السياسي القائم نفسه، خصوصًا عندما قال: «إذا كانت هذه الحكومة عاجزة عن تحقيق السيادة فلترحل».
وهنا انتقل الخطاب من مستوى الاعتراض إلى مستوى التحدي السياسي المباشر، وربط بين القرارات الحكومية وبين ما وصفه بـ“المشروع الأميركي – الصهيوني”، وهذا يعني أن الحزب بدأ ينظر إلى المسار الرسمي الحالي بوصفه جزءًا من معركة الصراع، لا مجرد طرف ضعيف فيها.
«نزع السلاح إبادة»: نقل الصراع إلى البُعد الوجودي
العبارة المركزية في الخطاب كانت بلا شك: «نزع السلاح إبادة».
هذه الجملة تختصر الرؤية الكاملة للحزب في المرحلة المقبلة. فالمسألة لم تعد تُقدَّم كخلاف داخلي حول الاستراتيجية الدفاعية، بل كتهديد وجودي يستهدف البيئة المقاومة سياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا. وعندما يتحول السلاح من أداة دفاع إلى “شرط بقاء”، يصبح أي نقاش حوله بالنسبة للحزب نقاشًا حول الحياة والموت، لا حول السياسة فقط.
إسقاط شرعية المفاوضات المباشرة
في البُعد السياسي، شنّ الخطاب هجومًا واضحًا على خيار المفاوضات المباشرة، مستعيدًا تجربة اتفاق 17 أيار بوصفها نموذجًا للفشل والتبعية. ولذلك جاءت عبارته الشهيرة: «اضربوا غنجة على الولايات المتحدة».
هذه العبارة الشعبية حملت بُعدًا سياسيًا عميقًا، لأنها تعني أن الحزب يعتبر أن مركز القرار الحقيقي ليس في تل أبيب بل في واشنطن، وأن أي رهان على تسويات مباشرة مع العدو هو رهان خاسر وأن تقديم التنازلات لا ينتج حماية للبنان بل مزيدًا من الضغوط.
وفي هذا السياق، بدا الخطاب وكأنه يعلن انتهاء مرحلة “الانتظار الدبلوماسي”، خصوصًا مع قوله إن 15 شهرًا من الدبلوماسية لم تحقق شيئًا.
الجنوب كمنصة لإعادة إنتاج الردع
من أهم ما كشفه الخطاب أيضًا إعادة تثبيت معادلة القوة الميدانية. فعندما قال إن العدو جاء بـ90 ألف جندي وضابط «ولم يصل إلى النسق الأول»، كان يوجّه رسالة مزدوجة:
– للداخل اللبناني بأن المقاومة مازالت تملك القدرة العسكرية
– وللخارج بأن أي محاولة فرض وقائع بالقوة ستواجه بفشل استراتيجي
وهذا يتقاطع مع عبارته: «لن نركع حتى لو أطبقت الدنيا علينا»، وهي عبارة تؤسس لمرحلة “الصمود الطويل” لا لمرحلة التسويات السريعة. فالخطاب لم يكن دفاعيًا فقط، بل حاول إثبات استمرار فعالية الردع الميداني. فعندما تحدث الشيخ قاسم عن خسائر الاحتلال وعن عجز عشرات آلاف الجنود عن تحقيق التقدم، كان يريد تثبيت معادلة أن المقاومة مازالت قادرة على فرض الكلفة على العدو رغم كل الظروف.
كما أن توصيفه لما يجري في الجنوب بأنه “بداية لزوال إسرائيل” يعكس انتقال الخطاب من منطق الدفاع عن لبنان إلى منطق التحول الإقليمي الأوسع.
«التحرير الثالث»: أخطر إعلان سياسي
ربما كانت العبارة الأشد دلالة هي قوله: «سنعلن التحرير الثالث قريبًا إن شاء الله».
فهذه ليست مجرد عبارة تعبوية، بل إعلان بأن الحزب يعتبر أن ما يجري اليوم هو امتداد لتحرير 2000 وانتصار 2006، وأن المرحلة المقبلة ستؤسس لتحول استراتيجي جديد.
ومع ربطه ما يجري في الجنوب بأنه “بداية لزوال هذه الغدة السرطانية إسرائيل”، بدا الخطاب وكأنه ينقل المواجهة من إطار الدفاع عن لبنان إلى إطار التحول الإقليمي الأشمل. وهذا التعبير يحمل بعدًا تعبويًا ونفسيًا وسياسيًا في آن واحد، لأنه يربط الحاضر بمسار “الانتصارات التراكمية”.
الحرب الاقتصادية جزء من المعركة
اللافت أيضًا أن الخطاب وسّع مفهوم المواجهة ليشمل الاقتصاد والمجتمع، خصوصًا عبر الدفاع عن جمعية القرض الحسن واعتبار استهدافها جزءًا من مشروع أميركي – صهيوني لإضعاف البيئة الحاضنة للمقاومة.
وهذا يؤكد أن الحزب بات يتعامل مع العقوبات والإجراءات المالية بوصفها امتدادًا للحرب العسكرية نفسها.
فلسطين وإيران: تثبيت محور المعركة
في القسم الإقليمي من الخطاب، أعاد الشيخ قاسم تثبيت فلسطين كـ“بوصلة”، وربط صمود غزة بالمواجهة الكبرى في المنطقة. كما قدّم إيران بوصفها النموذج الذي يواجه الهيمنة الأميركية والصهيونية، معتبرًا أن صمودها سيمنحها مكانة دولية أكبر. وهنا يتضح أن الخطاب لم يكن لبنانيًا صرفًا، بل خطاب محور إقليمي كامل يعيد ترتيب أولوياته بعد الحرب.
خطاب تأسيسي لمرحلة جديدة
يمكن القول إن هذه الكلمة هي الأقوى والأكثر وضوحًا منذ تولي الشيخ نعيم قاسم الأمانة العامة، لأنها جمعت بين:
– إعادة الشرعية التاريخية للمقاومة
– إسقاط شرعية الضغوط الداخلية والخارجية
– تثبيت معادلة الردع
– رفض المفاوضات المباشرة
– إعلان الاستعداد لمواجهة طويلة ومفتوحة
ولذلك، بدا الخطاب وكأنه إعلان رسمي عن دخول لبنان والمنطقة مرحلة سياسية جديدة عنوانها: “الصراع لم يعد على النفوذ فقط، بل على شكل لبنان ومستقبل المنطقة بأكملها”.. إمّا لبنان القوي المقاوم، أو مشروع إعادة تشكيل لبنان وفق الرؤية الأميركية – الصهيونية.