من حاملات الطائرات إلى الموانئ.. كيف تعيد الصين تشكيل خريطة النفوذ العالمي؟

أعادت التوترات الدولية الأخيرة تسليط الضوء على أهمية الممرات البحرية في تشكيل موازين القوى العالمية، إذ لم تعُد الهيمنة العسكرية وحدها كافية لفرض النفوذ، بل بات التحكم بالتجارة والطاقة وسلاسل التوريد أداة أساسية في الصراع الدولي.

وفي هذا السياق، برزت الصين كقوة عالمية تعتمد استراتيجية مختلفة عن الولايات المتحدة، تقوم على التوسع الاقتصادي والاستثمار في البُنى التحتية والموانئ بدلًا من التدخل العسكري المباشر.

فعلى مدى عقود، اعتمدت واشنطن على قوتها العسكرية وقواعدها المنتشرة حول العالم لضمان سيطرتها على الممرات البحرية، بينما ركزت الصين بهدوء على بناء شبكة عالمية من الموانئ وخطوط النقل والتجارة. ومنذ التسعينيات، بدأت بكين العمل على إحياء «طريق الحرير» عبر مشاريع بُنى تحتية ضخمة تربطها بآسيا وأوروبا وأفريقيا وغرب آسيا، وهو ما تُرجم لاحقًا في «مبادرة الحزام والطريق» التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013.

وتُعد هذه المبادرة من أكبر المشاريع الاقتصادية والجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، وتهدف إلى ربط الأسواق العالمية عبر شبكاتٍ برية وبحرية تشمل موانئ وسكك حديد وطرقًا وخطوط طاقة واتصالات، ما جعلها أداة استراتيجية لتعزيز النفوذ الصيني عالميًا.

وفي إطار ما يُعرف بـ «طريق الحرير البحري»، موّلت الصين مئات المشاريع البحرية حول العالم، واستثمرت في موانئ استراتيجية تمنحها قدرة متزايدة على التأثير في حركة التجارة وسلاسل التوريد الدولية في الأزمات. ومن أبرز الأمثلة على هذا التوسع ميناء بيرايوس في اليونان، الذي أصبح بوابة رئيسية للصين نحو أوروبا، إضافة إلى مشاريع واسعة في أفريقيا وآسيا والمحيط الهندي.

كما يبرز ميناء غوادر الباكستاني كأحد أهم المشاريع الاستراتيجية للصين، إذ يُشكل نقطة ارتكاز في الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني، ويوفر لبكين منفذًا بحريًا مباشرًا على بحر العرب بعيدًا عن الممرات البحرية الحساسة التي قد تتعرض للاضطراب خلال الأزمات الدولية.

واكتسب هذا الميناء أهمية إضافية مع تصاعد التوترات الإقليمية وتعطل بعض طرق التجارة التقليدية، إذ تحول إلى مركز بديل لحركة الشحن والترانزيت، وأسهم في إعادة رسم خطوط التجارة والطاقة في المنطقة، ضمن محور اقتصادي ولوجستي جديد تقوده بكين.

وهكذا  لم يعد الصراع العالمي يُقاس  بعدد حاملات الطائرات أو القواعد العسكرية فقط، بل بقدرة الدول على التحكم بالموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.

المصدر: وكالات