اكتشاف جديد لعبور الدواء من الحاجز الطبيعي للجلد

الوفاق/ درس باحثون في جامعة تربيت مدرس إمكانات الإبر المجهرية البوليمرية في إيصال الدواء عبر الجلد؛ وهي طريقة يمكن أن تشكّل بديلاً أقل ألماً، وأكثر بساطة وقبولاً، مقارنة ببعض الأساليب الشائعة لاستخدام الأدوية.

وأجرت فاطمة بابابور، الباحثة في قسم الهندسة الطبية الحيوية بكلية الهندسة الكيميائية في جامعة تربيت مدرس، بالتعاون مع أحد زملائها في الجامعة، دراسة مراجعة تناولت الإبر المجهرية البوليمرية ودورها في تمكين الدواء من عبور الحاجز الطبيعي للجلد.

 

وأظهرت الدراسة أنّ إبراً بالغة الصغر، مصنوعة من مواد بوليمرية، يمكنها أن تُحدث مسارات دقيقة ومضبوطة في الطبقة المقاومة من الجلد، بما يتيح انتقال الدواء إلى الطبقات القابلة للامتصاص في الجسم. والبوليمرات هي مواد تتكوّن من سلاسل جزيئية طويلة، ويمكن أن تكون، بحسب نوعها، طبيعية أو اصطناعية. كما أنّ بعض هذه المواد متوافق حيوياً مع الجسم، بل يمتلك قابلية للتحلّل الحيوي؛ أي إنه يتحلّل في الجسم بعد أداء وظيفته من دون أن يسبّب أضراراً جسيمة.

 

والإبر المجهرية هي بُنى صغيرة جداً تعمل، من خلال إحداث فتحات مجهرية في الطبقة القرنية من الجلد، على فتح مسار لعبور الدواء. وتكون هذه الفتحات دقيقة إلى حدّ يجعل هدفها نقل الدواء، لا إحداث جروح عميقة أو ألم ملحوظ. وبعد تكوين هذه المسارات الدقيقة، يستطيع الدواء أن يعبر طبقات الجلد وصولاً إلى مناطق تتيح امتصاصه في الجسم.

 

وبحسب نتائج هذه المراجعة، تُعدّ القدرة على نقل الدواء بفاعلية وبأدنى قدر من التدخل الجراحي من أبرز مزايا الإبر المجهرية. فهذه الأدوات يمكنها إيصال الدواء عبر الحاجز الأولي للجلد، من دون الحاجة إلى إدخال الإبرة بعمق أو إلى رعاية خاصة كما هي الحال في الحقن التقليدية.

 

وتُستخدم في تصنيع الإبر المجهرية مواد مختلفة، من بينها السيليكون والسيراميك والمعادن والبوليمرات، غير أنّ النوع البوليمري استقطب اهتماماً واسعاً بفضل خصائصه، ومنها التوافق الحيوي الأعلى، وقابلية التحلّل الحيوي، وانخفاض السُميّة، والكلفة الأنسب.

 

وتُظهر نتائج هذه الدراسة، المنشورة في الفصلية العلمية «بسبارش» التابعة لمعهد أبحاث البوليمر والبتروكيماويات في إيران، أنّ الإبر المجهرية البوليمرية يمكن تصنيفها، وفقاً لنوع البوليمر، إلى مجموعتين: طبيعية واصطناعية. ومن حيث التصميم، تُصنع هذه الإبر المجهرية في أشكال مختلفة، من بينها الإبر المتكاملة، والثنائية، وذات البنية «النواة-الغلاف»، ولكل منها تطبيقاته ومزاياه وحدوده الخاصة.

 

ووفقاً للباحثين، تؤدي طريقة تفاعل البوليمر مع السائل الخلالي في الجسم دوراً مهماً في سرعة تحرير الدواء. ففي بعض التصاميم، يُحرَّر الدواء بسرعة، بينما يجري في تصاميم أخرى تحريره بصورة بطيئة وعلى مدى زمني أطول. وتكتسب هذه الخاصية أهمية كبيرة في العلاجات التي تتطلب ضبط توقيت تحرير الدواء.

 

ولا تقتصر أهمية هذه التقنية على تقليل الألم أو تبسيط طريقة استخدام الدواء. فاستناداً إلى معطيات الدراسة، يمكن للإبر المجهرية البوليمرية أن تجد تطبيقات في مجالات مختلفة، مثل السكري والسرطان وترميم الجروح والتلقيح. ففي الأمراض المزمنة التي يحتاج فيها المريض إلى تلقي الدواء بانتظام وعلى مدى طويل، يمكن لطريقة قليلة الألم، ومضبوطة، وقابلة للاستخدام عبر الجلد، أن تسهم في زيادة تقبّل المريض للعلاج.

 

وعلى الرغم من هذه المزايا، لا يزال الاستخدام الواسع للإبر المجهرية البوليمرية يواجه تحديات عدة. ومن أبرز هذه القيود انخفاض قدرة هذه البُنى الصغيرة جداً على تحميل الدواء. فبسبب محدودية حجم الإبر المجهرية، لا يمكن وضع كميات كبيرة من الدواء داخلها. ولتحقيق تحرير طويل الأمد للدواء، يصبح من الضروري زيادة كمية الدواء القابلة للتحميل؛ وهو أمر يمكن السعي إليه من خلال تعديل ارتفاع الإبر المجهرية أو عددها أو تصميمها.

 

كما تُعدّ استقرارية الأدوية الحساسة، ومن بينها بعض البروتينات، في مواجهة العوامل البيئية، من التحديات الأخرى التي تواجه هذه التقنية. ولذلك، تُعدّ عملية تحسين طرق التصنيع ورفع جودة هذه الأنظمة من الضرورات الأساسية لتطويرها مستقبلاً.

 

ويرى الباحثون أيضاً أنّ مستقبل هذه التقنية قد يرتبط بتصميم إبر مجهرية ذكية؛ أي أنظمة قادرة على الاستجابة للتغيرات الحيوية في الجسم، وقياس مستوى الغلوكوز أو بعض المؤشرات الحيوية للمرض، ثم تحرير الدواء بما يتناسب مع تلك المؤشرات. ويتطلب تحقيق هذا الهدف تعاوناً بين مجالات عدة، مثل الهندسة الكيميائية، والطب، وعلم الأحياء، وتكنولوجيا النانو.

 

كما يُعدّ الإنتاج الواسع النطاق، وخفض الكلفة، وتحسين الجودة، وتسهيل استخدام هذه التقنية من جانب المرضى، من أهم متطلبات تحويلها إلى منتج قابل للاستخدام التجاري. وفي حال تجاوز هذه التحديات، يمكن أن تصبح الإبر المجهرية البوليمرية في المستقبل إحدى الأدوات المهمة لإيصال الدواء في العيادات.

 

المصدر: الوفاق