مراسم إكمال الدين وإتمام النعمة

«یَا أَیُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَیْكَ مِنْ رَبِّكَ...»؛ وأيّ تبليغ؟!تبليغ يترتب عليه: «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ...»؛ ما هذا التبليغ الذي يعادل القيام به عمر الرسالة كلّه؛ ثلاثةً وعشرين عامًا من العناء والمشقة، وثلاثة عشر عامًا من الصبر والتحمل والتعذيب في مكة، وقبول الهجرة وترك الوطن، ثم عشر سنوات من الجهاد والنصر والهزيمة والشهادة في سبيل الله؟ يا لها من مقارنة عظيمة! تنفيذ أمر واحد يعادل ثلاثةً وعشرين عامًا من الجهد والرسالة!!

علي متقيان

مديرعام مؤسسة إيران الثقافية والإعلامية

====================================

 

كان الجوّ حارًّا وشاقًّا؛

 

 

كانت القوافل قد انطلقت بعد أداء مناسك الحج إلى ديارها؛

 

 

لقد أدّوا هذا العام حجًّا مختلفًا.

 

 

إلى جانب رسول الله (ص)؛

 

 

بعيدًا عن تحريفات الجاهلية وزوائدها؛

 

 

حجًّا إبراهيميًّا؛

 

 

في حج هذا العام أُلغيت جميع الامتيازات القومية والقبلية؛

 

 

ولم يُفرَّق بين الحاج القرشي وغيره من القبائل؛

 

 

وأُبطلت جميع الامتيازات المصطنعة وطُويت صفحتها؛

 

 

حتى احتكار شراء ثياب الإحرام من قبيلة مخصوصة قد أُلغي؛

 

 

تحرّك الجميع بثياب الإحرام الموحدة والبسيطة من المسجد الحرام نحو وادي العرفان والمعرفة “عرفات”.

 

 

وجميع الحجّاج، من دون التفات إلى القوميات والقبائل، وبعد إزالة الامتيازات التي صنعوها لأنفسهم، وقفوا جميعًا يوم عرفة في عرفات بلا استثناء؛

 

 

ووقفوا جميعًا بشكل واحد ومن دون لباس شهرة في وادي المشعر الحرام، وجمعوا مع رسول الله(ص) الحصى فتسلّحوا بها، ليذهبوا في الغد حاملين السلاح إلى حرب الشيطان، وليدوسوا النفس الشيطانية الكامنة في داخلهم وخارجهم.

 

 

وقضوا الليل في صحراء تشبه المحشر، من دون أي مأوى، وأقاموا صلاة الصبح، ثم انتظروا الأمر بالتحرك نحو أرض التضحية بالنفس.

 

 

صدر أمر المسير؛ سواء كان بعد صلاة الصبح أم مع طلوع الشمس؛

 

 

المهم هو طاعة الأمر الإلهي الذي صدّق عليه رسول الله(ص)؛

 

 

المهم أن تكون عبد الله ومطيعًا لرسول الله(ص)؛

 

 

فلا تتقدّم على رسول الله في المسير، ولا تتأخّر عن أمره؛

 

 

صدر أمر الحركة؛

 

 

وتوجّه الجميع نحو أرض الآمال؛

 

 

أرض ينبغي فيها أن يخوض الإنسان بسلاح أعدّه مسبقًا حربًا شديدة ضدّ الشيطان، وأن يبعد عنه الشيطان الداخلي والخارجي والشيطان المطرود من رحمة الله، قربةً إلى الله تعالى.

 

 

وعندما تطرد الشيطان الأكبر عن نفسك إلى جانب رسول الله وفي خط تأييد مصطفى الله، يُؤذن لك بختم النبي(ص) أن تتوجه إلى المذبح؛

 

 

ذلك المذبح الذي كان جدّ هذا الرسول(ص) مستعدًا فيه، طاعةً لأمر الله، لأن يذبح ابنه الذي جاءه بعد طول انتظار؛ ذلك الابن الذي صبر امتثالًا للأمر الإلهي، وأشار إلى أبيه أن امضِ في تنفيذ أمر الله وسأكون من الصابرين.

 

 

في هذه الأرض تنازل «الأب» عن «الابن» طلبًا لرضا الحق، كما تنازل «الابن» عن «الحياة» امتثالًا لأمر الحق؛

 

 

وهنا جاء قوله تعالى: «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ»!

 

 

ما هو الذبح العظيم؟

 

 

هل كان الكبش السماوي معادلًا لذلك الابن الذي أخذه أبوه إلى المذبح طاعةً لله، ووضع السكين على عنقه أو خلف رأسه؟

 

 

إنّ لهذا الأمر سرًّا آخر بلا شك؛

 

 

كان لابدّ أن يبقى ذبيح الله حيًّا، وأن يستمر نسله، حتى يولد من هذه السلالة خاتم الأنبياء(ص) ويثبت هذه الحركة.

 

 

وبإذن رسول الله من نسل ذبيح الله، ساق الحجّاج قرابينهم إلى المذبح في سبيل رضا الله الأحد الواحد، وأُذن لهم أن يثبتوا عبوديتهم بحلق رؤوسهم؛

 

 

فعندما تهدي شعر رأسك، فإنّك تعلن الطاعة والعبودية، ومَنْ قدّم شعر رأسه فهو مستعد في موضعه أن يقدّم رأسه أيضًا، فكلّ ما لدينا منه تعالى، وينبغي أن تُرد الأمانة إلى أهلها على الوجه الصحيح.

 

 

في هذا الحج كانت أعمال الجميع واحدة، ولم يكن لقوم فضل على قوم، وكان الوقوف في منى إلى جانب النبي(ص) مشهدًا خالدًا.

 

 

وقف الجميع إلى جانب النبي(ص) في اليومين الحادي عشر والثاني عشر، وكانوا كل يوم يخوضون حربًا مع الشيطان في ثلاث مراحل، ثم يجلسون في عقبة منى يستمعون إلى توجيهات النبي(ص) وإرشاداته؛

 

 

انتهت أعمال منى، وصدر الإذن بالخروج منها نحو مكة من قبل النبي(ص)، فتحرّك الجميع نحو الكعبة ليكملوا إلى جانب رسول الله(ص) ما يقرره من أعمال الحج؛

 

 

اكتمل الحج بالأعمال التي أداها النبي(ص)، ووُضع عليه ختم التصديق، وبقي خالدًا للمسلمين إلى الأبد، حيث يقطع ملايين العاشقين كل عام آلاف الكيلومترات من أنحاء العالم، ويتحمّلون المشاق لأداء مناسك الحج الإبراهيمي التي نالت تصديق رسول الله(ص).

 

 

ذلك الحج الذي كان إرثًا من إبراهيم وإسماعيل(ع)، نال تصديق النبي الخاتم(ص)، ووُضع في موضعه الصحيح، وأصبح فريضة تحت عنوان «حجة الإسلام»، وتشريعًا للحج الإبراهيمي والإسماعيلي لأتباع دين النبي الخاتم.

 

 

لقد أتمّ الحاضرون في هذا المراسم الحج الذي بدأوه مع رسول الله(ص)، واكتملت مناسك حج التمتع، وبعد الفراغ من أعمال الحج الإبراهيمي وتوديع الكعبة، تحرّك الحجّاج نحو أوطانهم وبيوتهم.

 

 

وفي حرّ الطريق الشديد وصلوا إلى مكان كان الحجّاج مضطرين فيه إلى تغيير مسارهم، والافتراق عن مواصلة السير مع النبي(ص)؛

 

 

في هذا المفترق كان على كل واحد أن يختار طريقه إلى مقصده؛ إلى اليمن أو العراق أو المدينة أو الشام؛

 

 

هذا مكان لابدّ فيه من اختيار الطريق للوصول إلى المقصد؛

 

 

لكن في هذا الموضع رُسم طريق المستقبل بأمرٍ إلهي؛

 

 

طريق لم يكونوا يفكرون فيه كثيرًا، وإن كانت تدور في نفوسهم خواطر، فإنهم لم يظهروها بألسنتهم؛

 

 

في هذا الموضع نزل أمر عظيم، مقرون بمقارنة أعظم؛

 

 

«یَا أَیُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَیْكَ مِنْ رَبِّكَ…»؛

 

 

إنّه أمر إلهي لابدّ من تبليغه!

 

 

وأيّ تبليغ؟!

 

 

تبليغ يترتب عليه: «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ…»؛

 

 

ما هذا التبليغ الذي يعادل القيام به عمر الرسالة كلّه؛ ثلاثةً وعشرين عامًا من العناء والمشقة، وثلاثة عشر عامًا من الصبر والتحمل والتعذيب في مكة، وقبول الهجرة وترك الوطن، ثم عشر سنوات من الجهاد والنصر والهزيمة والشهادة في سبيل الله؟

 

 

يا لها من مقارنة عظيمة! تنفيذ أمر واحد يعادل ثلاثةً وعشرين عامًا من الجهد والرسالة!!

 

 

ولكن لا مفرّ، فالطاعة واجبة؛

 

 

لقد وقع أمر مهم؛

 

 

تنفيذ أمر واحد في مقابل ثلاثة وعشرين عامًا من السعي والدعوة!!

 

 

أي أمر هذا الذي يكون أثر تبليغه والعمل به مساويًا لجميع مراحل الرسالة؟!

 

 

ثمّ إنّ فيه نقطة أخرى: «وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ…»؛

 

 

لقد جاء ضمان أيضًا لتنفيذ هذا التبليغ!

 

 

أي ضمان؟!

 

 

نحن نحفظك من الناس؛

 

 

ولماذا الحفظ من الناس؟!

 

 

من هؤلاء الناس الذين بلغوا في طاعتهم لرسول الله(ص) حدًّا يرون فيه أن طاعته طاعة لله، ويؤمنون بأمره، ويقدّمونه على أنفسهم؟

 

 

ممَّ يريد الله أن يحفظ نبيّه؟

 

 

قليل من الصبر يكشف الأمر؛

 

 

أمر النبي بالتوقف؛

 

 

ليعد مَن تقدّم، وليصل مَن تأخّر، وليجتمع الحاضرون؛

 

 

أي أمر مهم حدث في هذه الصحراء، عند هذه الغدير، وعند هذا المفترق؟!

 

 

حان وقت الصلاة، فاصطفّ الجميع للصلاة بإمامة النبي(ص)؛

 

 

وبعد أداء الفريضة، كان لابدّ من تنفيذ أمر أعظم؛

 

 

كان الجميع ينتظرون هذا التبليغ؛

 

 

وبأمر النبي(ص) أقيم من أقتاب الإبل منبر مرتفع، وصعد النبي عليه بحيث يراه جميع الحجاج الذين أدوا الحج بأمره.

 

 

اكتمل الاجتماع؛

 

 

فبدأ النبي خطبته؛

 

 

خطبة عجيبة؛

 

 

وبعد الحمد والثناء على الله، احتج مرارًا وسأل فأجيب؛

 

 

وذكر خدماته وأخذ الإقرار بها؛

 

 

فأجمع الناس على قبول كلامه؛

 

 

وبعد هذه المقدمات وإقرار الناس، أشار إلى الأمر الإلهي: «یَا أَیُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أنْزِلَ إلَیْكَ مِنْ رَبِّكَ…»؛

 

 

وتلا آية التبليغ، ثمّ رفع يد علي بن أبي طالب(ع) وقال: «ألا مَن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهمّ وال مَن والاه، وعاد مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله».

 

 

ووجّه للحاضرين ولجميع الأجيال اللاحقة هذه الرسالة:

 

 

مَنْ كنت مولاه فعلي مولاه؛

 

 

ثم نقل الولاية إلى علي (ع)، ودعا قائلًا: «اللّهمّ أحبّ مَن أحبّ عليًا، وابغض مَن أبغضه».

 

 

ثم واصل النبي(ص) خطبته، فقال: «أيُّها الناس، هذا علي أخي ووصيي وحافظ علمي وخليفتي في أُمّتي وفي المؤمنين بي، وهو مفسر كتاب الله والداعي إليه»؛

 

 

ثمّ تحدّث عن وظائف الإمامة، فقال: «إنّما أكمل الله عزّوجلّ دينكم بإمامته»؛

 

 

أي إنّ الله تعالى أكمل دينه بإمامة هذا علي (ع)؛

 

 

وقال في موضع آخر: «هذا علي، أنصركم لي وأحقّكم بي وأقربكم إليّ وأعزّكم عليّ»؛

 

 

وهذا علي، أكثركم نصرةً لي، وأولاكم بي، وأقربكم إلي، وأعزكم عندي؛

 

 

وقال أيضًا: «إنِّي قد بيَّنت لكم وأفهمتكم، وهذا علي يفهمكم بعدي»؛

 

 

لقد أوضحت لكم رسالة الله وبيّنتها، وهذا علي هو الذي سيفهمكم بعدي؛

 

 

وبعد انتهاء الخطبة بايع الحجاج واحدًا واحدًا، وهنّأوا الإمام علي(ع) بإمامته، وأقرّوا بها.

 

 

وبإنجاز هذه المهمة، اكتمل دين النبي(ص) بنزول الآية الكريمة:

 

 

«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا».

 

 

وانتهت المراسم، وانطلق الحاضرون إلى مدنهم وأوطانهم؛

 

 

وقد حملوا رسالتين ومهمتين عظيمتين:

 

 

الأولى أداء مناسك الحج التي علّمهم إياها النبي(ص)، فصارت نموذجًا لأداء الحج؛

 

 

والثانية تعيين أمير المؤمنين علي(ع) إمامًا وخليفةً لرسول الله(ص) في واقعة غدير خم؛

 

 

وكانت كلتا الرسالتين طاعةً لأمر الله وتبليغًا لرسول الله(ص)، وما زالتا باقيتين وتستمر بركاتهما؛

 

 

فسُمّيت الأولى «حجّة الوداع»، وسمّيت الثانية «عيد الغدير وعيد الله الأكبر»؛

 

 

وفي هذا المراسم، أُعلنت ولاية وخلافة أمير المؤمنين علي(ع) بين الحجّاج، وعلم جميع الحاضرين من مختلف القوميات بالأمر الإلهي الذي عادل الرسالة كلها؛

 

 

وفهموا من كلام رسول الله(ص) أن إعلان ولاية وخلافة علي(ع) أمر إلهي بلّغه النبي(ص) في هذا الحرّ الشديد، وأنّ مضمون الآية الكريمة:

 

 

«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا».

 

 

قد تحقق بذلك؛

 

 

ثمّ إنّ النبي(ص) في تتمة خطبة الغدير، وبعد تعريفه بعلي بن أبي طالب(ع) إمامًا للمسلمين، كلّف الحاضرين والأجيال الآتية بمهمة، فقال:

 

 

«تنتهوا إلى قولي»؛

 

 

أي افهموا كلامي بشأن الإمامة؛

 

 

«وتبلغوه مَن لم يحضر»؛

 

 

أي أوصلوه إلى مَن لم يحضر؛

 

 

«وتأمروه بقبوله عنِّي»؛

 

 

أي اطلبوا منهم قبوله من جهتي.

 

 

إنّ أمر النبي(ص) للحاضرين بتبليغ هذه الواقعة العظيمة إلى جميع الأجيال حتى يوم القيامة مسؤولية جسيمة، ألقاها على عاتق جميع من شهدوا الحدث، بل وعلى عاتق كل مَن يسمع هذا الخبر من الناس في الماضي والحاضر والمستقبل.

 

 

وقد كُلِّف جميع الشهود أن ينقلوا للآخرين ما رأوه وسمعوه؛

 

 

وبهذا الأمر أُنيط بهذه الجموع العظيمة العائدة إلى أوطانها أن تنقل للناس، إضافة إلى أعمال الحج، واقعة إكمال الحج وتتميمه، أي تنصيب علي بن أبي طالب(ع) خليفةً للنبي(ص)؛

 

 

وهي مهمة تشبه ما يقوم به الصحفيون اليوم حين ينقلون أخبار الأحداث إلى الناس؛

 

 

إنّ إيكال مسؤولية تبليغ الإمامة إلى الحاضرين، والتأكيد على فهم الواقعة وقبولها، يدل على عظم المسؤولية الملقاة على مَن شهدوا الحدث بأن ينقلوا بأمانة وصدق ما رأوه وسمعوه وفهموه إلى أهل زمانهم وإلى الأجيال القادمة، من دون تحريف أو توجيه؛

 

 

وهذه المسؤولية التي حمّلها النبي(ص) للحاضرين وللأجيال اللاحقة تدل على أهمية الموضوع وخوفه من الانحراف عنه؛

 

 

ولو أنّ الحاضرين في هذا المراسم التزموا بهذه الرسالة النبوية، وعملوا بما حمّلهم النبي(ص) من مسؤولية، لما وقع انحراف في الدين، ولما انحرفت المهمة التي كانت عند الله بمنزلة الرسالة كلها.

 

 

 

المصدر: الوفاق

الاخبار ذات الصلة