وجهة دينية وسياحية عالمية في قلب العاصمة

مرقد الإمام الخميني(قدس).. تحفة معمارية تجمع الرمزية الدينية والحداثة الهندسية

 في أقصى جنوب العاصمة الإيرانية طهران، وعلى مقربة من مقبرة «جنة الزهراء(س)»، يرتفع مرقد الإمام الخميني(قدس) بوصفه واحداً من أبرز المعالم الدينية والثقافية والمعمارية في إيران الحديثة. ولم يعد هذا الصرح مجرد مكان للزيارة وإحياء الذكرى

 

في أقصى جنوب العاصمة الإيرانية طهران، وعلى مقربة من مقبرة «جنة الزهراء(س)»، يرتفع مرقد الإمام الخميني(قدس) بوصفه واحداً من أبرز المعالم الدينية والثقافية والمعمارية في إيران الحديثة. ولم يعد هذا الصرح مجرد مكان للزيارة وإحياء الذكرى، بل تحول على السنين الماضية إلى مجَمَع متكامل يجمع بين الرمزية الدينية والابتكار الهندسي والخدمات الثقافية والسياحية. وبقبابه الشاهقة ومساحاته الواسعة وتفاصيله المعمارية المميزة، يقدم المرقد نموذجاً فريداً لمزج الهوية الإسلامية بالتخطيط العمراني الحديث، ليغدو محطة رئيسية تستقطب ملايين الزوار والمهتمين بالعمارة والثقافة من داخل إيران وخارجها.

 

والهندسة المعمارية الاسلامية التي استخدمت في بناء المرقد الطاهر امتازت بتصاميمها الخاصة والحديثة، كانت مثار اعجاب وانبهار كل من شاهدها عن كثب. وأن البناء الداخلي للحرم الذي أقيم على اربع قواعد، يوحي بعظمة خاصة للضريح.

 

ويُعد مرقد الإمام الخميني(قدس) واحداً من أبرز المعالم الدينية والمعمارية في إيران الحديثة، حيث يجمع بين البعد الروحي والتاريخي من جهة، والتخطيط العمراني والخدمات السياحية المتكاملة من جهة أخرى، ليشكل اليوم وجهة رئيسية للزوار من داخل البلاد وخارجها ضمن مجَمَع متكامل في جنوب العاصمة.

 

 من مرقد إلى مجَمَع حضاري متكامل

 

بدأت أعمال إنشاء مرقد الإمام الخميني(قدس) بعد عام من رحيله، ومنذ ذلك الحين شهد المشروع مراحل متعاقبة من التوسعة والتطوير، ليتحول تدريجياً إلى مجَمَع ديني وثقافي متكامل متعدد الوظائف.

 

ويتوسط المرقد هذا المجَمَع الواسع، الذي يضم مجموعة من المرافق الثقافية والخدمية والمتاحف، فيما لا تزال بعض المشاريع قيد التنفيذ ضمن خطط التطوير المستمرة. ومن أبرز هذه المشاريع متحف جديد انطلقت أعمال إنشائه عام 2023 في إطار برنامج توسعة شامل يهدف إلى تعزيز البنية الثقافية للموقع وتوسيع خدماته.

 

كما تتضمن الخطط المستقبلية إضافة مرافق ومنشآت جديدة من شأنها تعزيز الدور الثقافي والسياحي للمجَمَع، بما يرسخ مكانته مركزاً متكاملاً يجمع بين الزيارة الدينية والأنشطة الثقافية والخدمات السياحية.

 

 هندسة معمارية ذات بعد رمزي

 

يُعد المرقد واحداً من أبرز المشاريع المعمارية الحديثة في إيران، حيث صممه عدد من أبرز المعماريين الإيرانيين، مع اعتماد رؤية تجمع بين الرمزية الدينية والابتكار الهندسي.

 

وقد روعي في تصميمه منذ مراحله الأولى الظروف المناخية في طهران، خاصة حرارة الصيف والرياح الشتوية، حيث استُخدمت تقنيات معمارية تستفيد من التهوية الطبيعية وتيارات الهواء الصحراوي لتبريد الفراغات الداخلية.

 

ويُنسب التصميم الرئيسي إلى المعماري الإيراني البارز برويز مؤیدعهد، إلى جانب مساهمات عدد من المعماريين مثل محمد تهراني وعطاءالله إميدوار وسيد محمد صنيع‌خاني.

 

ويتميز البناء بقدرة إنشائية عالية تشير تقديراتها الفنية إلى احتمال مقاومة زلازل تصل إلى 10 درجات على مقياس ريختر، ما يعكس مستوى متقدماً من الهندسة الإنشائية.

 

 أرقام ومعانٍ.. لغة الرموز في تصميم الحرم

 

يحمل التصميم المعماري للحرم أبعاداً رمزية واضحة، إذ يتألف من خمس قباب رئيسية تجسد أصحاب الكساء من أهل البيت (عليهم السلام)، بينما يبلغ ارتفاع القبة الذهبية الرئيسة نحو 68 متراً، في إشارة إلى العام الإيراني الذي توفي فيه الإمام الخميني(قدس).

 

وتعزز المآذن الأربع هذا البعد الرمزي، إذ يصل ارتفاعها إلى نحو 91 متراً، بما يرمز إلى سنوات عمر الإمام، فيما ترتفع الأعمدة الداخلية إلى نحو 42 متراً، لتضفي على الفضاء الداخلي إحساساً بالاتساع والهيبة المعمارية.

 

ويستند التصميم الداخلي إلى أربعة أعمدة خرسانية ضخمة، ليأخذ شكل «الخيمة»، بما يعكس مفاهيم والمعاني المستوحاة من الثورة الحسينية، في دمج واضح بين الرمزية الدينية والتصميم الهندسي، وصُمم على شكل مربع يبلغ طول ضلعه 126 متراً، قُسم إلى تسعة مربعات فرعية متساوية، ويضم خمسة مداخل رئيسية تسهّل حركة الزوار.

 

ومنذ عام 1991 دخل المشروع مرحلة التنفيذ وفق الطراز المعماري الإسلامي، حيث بدأت أعمال تطوير الساحات الشرقية والغربية على مساحة تقارب 12 هكتاراً، مع خطط لإنشاء مرافق فندقية وصحية لخدمة الزوار.

 

وتشير بيانات إلى أن المساحة المغطاة للضريح تبلغ نحو 60 ألف متر مربع، بينما تبلغ مساحة القسم الرئيسي نحو 15 ألف متر مربع، مع استمرار التوسع المستمر.

 

ويعكس هذا التنوع رؤية معمارية مركبة تجمع بين الحداثة والهوية الدينية، ما يمنح المرقد طابعاً بصرياً فريداً.

 

قباب ومآذن تحكي سيرة وتاريخاً

 

إلى جانب القبة الذهبية الرئيسية، تضم الساحات أربع قباب فيروزية مزخرفة بنقوش إسلامية وزخارف هندسية ومرايا فنية تعكس جماليات العمارة الإيرانية.

 

وقد تم استبدال القبة الذهبية الرئيسية عام 2007، حيث يبلغ وزن هيكلها الفولاذي نحو 340 طناً، فيما يصل الوزن الإجمالي مع الغطاء الخارجي إلى نحو 400 طن.

 

 وجهة دينية وسياحية عالمية

 

تحوّل مرقد الإمام الخميني(قدس) خلال العقود الماضية إلى وجهة دينية وسياحية متكاملة في جنوب طهران، لا تقتصر على الزيارة الدينية، بل تشمل مجموعة واسعة من الخدمات والمرافق.

 

يمثل مرقد الإمام الخميني(قدس) نموذجاً فريداً لمشروع يجمع بين العمارة الحديثة والرمزية الدينية والتخطيط السياحي المتكامل، ليبقى أحد أبرز المعالم الدينية–الثقافية في العاصمة الإيرانية طهران، ووجهة رئيسية تعكس تداخل التاريخ بالهوية والمعمار بالخدمة العامة.

 

وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود من التطوير والتوسعة، رسّخ مرقد الإمام الخميني(قدس) مكانته كأحد أبرز المعالم الدينية والثقافية في إيران، ليس فقط لما يحمله من رمزية تاريخية، بل لما يمثله من تجربة معمارية وإنشائية متقدمة تجمع بين البعد الروحي والوظيفة الحضارية. وبين القباب الذهبية والساحات الواسعة والمشروعات الثقافية المتنامية، يواصل هذا الصرح ترسيخ حضوره بوصفه نموذجاً يجمع الذاكرة الوطنية والهوية الدينية والرؤية العمرانية الحديثة في مشهد واحد.

 

                                           

 

المصدر: الوفاق