في ذاكرة التاريخ الإسلامي، لا يُعد عيد الغدير مجرد احتفال سنوي، بل هو لحظة فارقة أعلن فيها النبي محمد(ص) بأمر رباني، الإمام علي(ع) ولياً للأمة من بعده.
غير أن هذه الحادثة، في فكر مفجر الثورة الإسلامية، الإمام الخميني(قدس) وقائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(رض)، تتجاوز البعد التاريخي والطقوسي، لتصبح دستوراً أبدياً لإدارة المجتمع.
فهي تمثل النموذج النقي للحكم الذي لا يستند إلى المال أو القبيلة أو القوة الغاشمة، بل إلى “العدالة والحكمة والتقوى”. في هذا المقال، نستعرض كيف أن الغدير، في كلمات هذين القائدين، هو فيضٌ من الخير الإلهي يضمن وحدة الأمة ويبني صرح الحاكمية الأخلاقية.
على أعتاب عيد الغدير الأغر، وهو عيد الله الأكبر، وذكرى السنوية الأليمة لرحيل مفجر الثورة الإسلامية، الإمام الخميني(قدس)، نقدم المقال التالي:
الغدير في كلمات مفجّر الثورة الإسلامية
في عيد الله الأكبر، الغدير الأغر، نستحضر كلمة مفجر الثورة الإسلامية الإمام الخميني(قدس) حيث قال: عيد الغدير هو اليوم الذي حدد فيه النبي الأكرم(ص) أمر الحكومة وبيّن مثال الحكم الإسلامي إلى الأبد كاشفاً أن القدوة للحاكم الإسلامي هي هذا الإنسان الأسمى المختار إلهيا.ً
إن النبي الأكرم(ص) كان متيقناً انه من المستحيل أن يكون احداً نظيراً للإمام أمير المؤمنين(ع) بكل ماتحمله الكلمة من معني، والإمام علي(ع) نفسه بيّن منهاج الحكم في عهده لمالك الأشتر، حين حدد واجبات الحاكم والولاة الذين ينصبهم على البلدان وجميع النواحي.
كما يعتبر مفجر الثورة الإسلامية، الإمام علي(ع)، مصداق جميع الأسماء والصفات الإلهية، قائلاً: عيد الغدير هو من أكبر الأعياد الدينية. فهو عيد المستضعفين وعيد المحرومين وعيد المظلومين في العالم أجمع.
العيد الذي اختار فيه الباري تبارك وتعالى أمير المؤمنين(ع) بواسطة الرسول الأكرم(ص)، لتطبيق الأهداف الإلهية وتبليغها ومواصلة طريق الأنبياء. الإمام علي(ع)، هذا الرجل العظيم له أبعاد كثيرة وهو تجلًّ للإسم الإلهي الجامع لكل الأسماء والصفات الإلهية.
حيث تجلت في هذه الشخصية الأسماء والصفات الإلهية كلها في الظهور في الدنيا وفي العالم بواسطة الرسول الأكرم(ص). إن الأبعاد الخفيّة فيه أكثر من الابعاد الظاهرة.
وهذه هي الأبعاد نفسها التي وصلت وتصل إليها يد البشر. لقد جمعت في شخصية الإمام علي(ع) أبعاد مختلفة، فحيناً تراه زاهداً من أكبر الزهّاد تجده كذلك مقاتلاً مقداماً مستبسلاً في الدفاع عن الإسلام. إنَّ هذه الأبعاد والصفات لا تجتمع في أشخاص عاديين.
الغدير في كلام الإمام الشهيد
من منظور الإمام الشهيد، آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) يُعَدّ الغدير من القضايا التي تتجاوز النظرة التاريخية، فهو من أهمّ المرتكزات العقائدية لدينا.
وأكد قائد الأمّة الشهيد على أن «تكليف الأمة الإسلامية في مجال الهداية والحكم قد تبيّن في حادثة الغدير»، وقال: «إن حادثة وواقعة الغدير علامة على عظمة الإسلام وشموليته».
كما قال سماحته: «إن الغدير هو بداية ذلك المسار الذي كان يمكنه إخراج البشرية من هذه المرحلة وإدخالها في مرحلة أخرى، ولقد ورد تعبير الغدير في آثارنا الإسلامية بـ «عيد الله الأكبر»، و«يوم العهد المعهود»، و«يوم الميثاق المأخوذ». هذه التعبيرات التي تدل على تأكيد واهتمام خاص بهذا اليوم الشريف، تكمن خصوصيتها في مسألة الولاية.
ويصرّح الإمام الشهيد في خطابٍ آخر له بمناسبة عيد الغدير: «إن موضوع الغدير، في النظرة التاريخية إلى الإسلام وفي التحليل التاريخي لأحداث صدر الإسلام، كان ضرورةً لو أُنجِزت كما دُبِّرت، لَتبدّل بلا شك مسار تاريخ البشر».
ثم يؤكّد سماحته على أن قضية الغدير هي قضية إيجاد مؤشّرٍ ومعيارٍ ومقياس؛ «فإلى آخر الدنيا يستطيع المسلمون أن يضعوا هذا المؤشر والمعيار أمامهم ويحدّدوا تكليف المسار العام للأمة». وقد أكّد قائد الأمّة الشهيد كثيراً على الوحدة وحفظ تماسك الأمة الإسلامية.
الغدير نموذج للحكم الأخلاقي القائم على العدالة
إن الغدير في منظومة فكر قائدي الثورة الإسلامية ليس ذكرى عابرة، بل دستور قيادة أبدي، ونموذج للحكم الأخلاقي القائم على العدالة الإلهية والولاية الرشيدة. وهو الضامن لوحدة الأمة وتماسكها، والمعيار الذي يُميز الحاكم العادل عن غيره.
ففي كل عام، يتجدد مع عيد الغدير الأغر العهد مع المبادئ التي أرستها السماء على يد خاتم الأنبياء، لتبقى الأمة على بصيرة من أمرها، متسلحة بالولاية، سائرة على درب الكرامة الإنسانية التي أرادها الله لها.