لم تعُد المواجهات في جنوب لبنان مجرد اشتباكات تقليدية بين قوة مقاومة وجيش محتل، بل باتت تعكس تحولًا في طبيعة الصراع وقواعده. إذ تشير التطورات الميدانية إلى انتقال المقاومة الإسلامية من استهداف الوحدات المنتشرة على الأرض إلى العمل على إرباك منظومة القيادة والسيطرة الصهيونية، بما يطال مركز اتخاذ القرار العسكري لا أطرافه فحسب.هذا التحوّل لم يأتِ صدفة، بل نتيجة تراكم خبرات، وتطوير قدرات استخبارية، وتوسيع بنك الأهداف ليشمل أعلى المستويات القيادية، وصولاً إلى محاولة اغتيال قائد المنطقة الشمالية نفسه.
في هذه المعركة، لم يعُد الضابط الصهيوني هو من يفرض إيقاعه، بل أصبح مطاردًا، مذعورًا، مكشوفًا، ومشلولًا. ولم تعُد القيادة الصهيونية قادرة على إدارة المعركة من غرف محصّنة، بل باتت هي نفسها داخل دائرة النار. ومع كل ضربة دقيقة، كانت المقاومة تُسقط طبقة جديدة من «العقل العسكري» للعدو، حتى بات الجيش الصهيوني يعمل كجسد فقد أعصابه، يتخبط بلا رؤية ولا اتصال ولا قدرة على اتخاذ القرار.
تحوّل جذري في الاشتباك.. من استنزاف الوحدات إلى ضرب العمق القيادي
منذ الأيام الأولى للمعركة، بدا واضحاً أنّ المقاومة لا تخوض حرباً تقليدية. فاستهداف الضباط والقادة الميدانيين لم يكن خطوة تكتيكية، بل جزءاً من استراتيجية كبرى تهدف إلى ضرب منظومة القيادة والسيطرة الصهيونية من جذورها. وقد امتدت الضربات إلى العمق الصهيوني، حيث طاولت مقرات تُعدّ من أعمدة البُنية العسكرية والاستخبارية، مثل مقر وزارة الحرب في «الكرياه»، ومقر الوحدة 8200 في غليلوت، وقاعدة ميشار في صفد، ومقر الشييطت 13 في عتليت. هذه الضربات تعكس انتقالاً في بنك الأهداف نحو تعطيل «العقل الاستخباري» لجيش العدو الصهيوني، لا مجرد استنزاف وحداته الميدانية.
وهكذا هذه الضربات لم تكن رمزية، بل كانت ضربات في قلب الجهاز العصبي للعدو. فعندما تُصاب هذه المراكز، يفقد الجيش القدرة على إدارة المعركة، مهما امتلك من قوة نارية. وبذلك، انتقلت المقاومة من مرحلة «إيلام العدو» إلى مرحلة شلّه.
ضرب النسق العملياتي.. انهيار القيادة المتوسطة وتفكك خطوط السيطرة
لم تكتفِ المقاومة بضرب العمق، بل وسّعت عملياتها لتشمل النسق العملياتي الذي يُشكّل حلقة الوصل بين القيادة العليا والوحدات الميدانية. فاستهداف قيادة المنطقة الشمالية في قاعدة دادو، ومقر الفرقة 146، ومقر اللواء 300 في شوميرا، ومقر اللواء 769 في مستوطنة كريات شمونة، شكّل ضربةً مباشرةً للعمود الفقري للقيادة الصهيونية. هذه المراكز كانت تُعدّ «مناطق آمنة» خلف الجبهة، لكن المقاومة أسقطت هذا المفهوم بالكامل. فكل ضربة كانت تعني إعادة تموضع، وكل إعادة تموضع كانت تعني خسارة زمنية وعملياتية، وكل خسارة كانت تمنح المقاومة مساحة إضافية للمبادرة. وهكذا، تحوّل النسق العملياتي الصهيوني إلى سلسلة من المراكز المرتبكة، المتنقلة، غير القادرة على تثبيت نفسها.
المستوى التكتيكي.. المقاومة تُحطّم مفهوم القيادة الآمنة خلف الجبهة
على المستوى التكتيكي، كانت الضربة أشدّ. فقد ركزت المقاومة على المقرات المستحدثة داخل القرى الحدودية، مثل البياضة والقنطرة والطيبة والخيام. وتشير المعطيات إلى أنّ مقر البياضة دُمّر أكثر من عشر مرات في شهر أيار/ مايو وحده، ما جعله نموذجاً لانهيار القيادة الأمامية للعدو.
كما استهدفت المقاومة مراكز قيادة للعدو الصهيوني داخل مبانٍ سكنية، بينها مراكز مدرعات في زوطر الشرقية، ما أدى إلى تآكل قدرة العدو على تثبيت نقاط قيادة مستقرة قرب خطوط التماس. وبذلك، لم يعُد الضابط الصهيوني قادراً على إدارة المعركة من موقع محصّن، بل أصبح مطاردًا داخل كل غرفة، وكل مبنى، وكل نقطة قيادة.
تفكيك منظومة الاتصالات.. قطع الأعصاب التي تربط الجيش ببعضه
إحدى أخطر ضربات المقاومة كانت استهداف آليات القيادة والاتصالات، بما في ذلك آليات «هامر» القيادية وآليات C2، وغرف إدارة النيران في كفرجلعادي ومربض البياضة. هذه الضربات أدت إلى انهيار شبكة الاتصال التي تربط الوحدات الميدانية بقياداتها.عندما يفقد الجيش القدرة على التواصل، يفقد القدرة على المناورة، وعلى طلب الإسناد، وعلى اتخاذ القرار. وهكذا، تحوّلت الوحدات الصهيونية المنتشرة على الأرض إلى جيوب معزولة، تعمل في الظلام، وتتحرك بلا توجيه.
ضرب التكنولوجيا.. إسقاط الغطرسة التقنية للعدو
جيش الاحتلال بنى عقيدته الحديثة على التكنولوجيا: الدرون دوم، الرادارات، أنظمة المراقبة، الذكاء الاصطناعي، التروفي، السيطرة الجوية. لكن المقاومة ضربت هذه البُنية بضربات متتالية، فأسقطت أنظم «Drone Dome»، وعطّلت رادارات ميرون وستيلا ماريس والعليقة وكتسافيا، ودمّرت كاميرات مراقبة وتجهيزات استطلاع في البياضة والطيبة وجل العلام.
مع سقوط هذه الأنظمة، وجد الضباط الصهاينة أنفسهم عمياناً في ساحة معركة معقدة. لم تعُد الشاشات تنقذهم، ولا الذكاء الاصطناعي يوجههم، ولا الطيران يغطيهم. وهكذا، سقطت «الغطرسة التكنولوجية» التي كانت تمنحهم شعوراً بالتفوق.
استهداف الضباط.. ضرب مركز الثقل العملياتي للعدو
الضابط الميداني في الجيش الصهيوني ليس مجرد قائد، بل هو «مركز الثقل» في العقيدة القتالية. فهو من يقرر طلب الإسناد الجوي، أو تغيير خطة الاقتحام، أو تعديل مسار التقدم. ولذلك، كان استهدافه ضربة في قلب القدرة العملياتية للعدو.
استهدفت المقاومة العقيد مئير بيدرمان، وقائد اللواء 300، وقائد كتيبة في لواء «ناحل»، وضباطاً من «غولاني»، وموكباً قيادياً في تلة العويضة، وطواقم قيادية في البياضة والطيبة، وصولاً إلى محاولة اغتيال اللواء رافي ميلو نفسه. هذه العمليات لم تكن مجرد ضربات، بل كانت رسائل استراتيجية تقول للعدو:«قادتكم مكشوفون… قيادتكم تحت النار… لا أحد فوق بنك الأهداف».
العزل الميداني.. الجيش الصهيوني يتحول إلى وحدات مقطوعة الرأس
مع تراكم الضربات، نشأت حالة «عزل ميداني» غير مسبوقة. فقد قُطعت خطوط الاتصال، وتراجعت القدرة على المناورة، وتقلّصت فعالية الإسناد الجوي، وباتت الوحدات الصهيونية تعمل في بيئة فقدت فيها القدرة على اتخاذ القرار.
هذا العزل لم يكن نتيجة ضربة واحدة، بل نتيجة استراتيجية متكاملة جعلت الجيش الصهيوني يتحول إلى جسد بلا رأس، ووحدات بلا قيادة، وجيش بلا رؤية.
سقوط العقيدة الصهيونية.. الضابط من «مدير أنظمة» إلى مقاتل مذعور
لأول مرة منذ عقود، وجد الضباط الصهاينة أنفسهم مضطرين للقتال وجهاً لوجه في تضاريس معقدة، بعد أن فقدوا التكنولوجيا التي اعتادوا الاعتماد عليها. ومع سقوط الدرون دوم، وتعطّل التروفي، وتراجع الطيران، أصبح الضابط الصهيوني مكشوفاً، مرتبكاً، عاجزاً عن اتخاذ القرار. وهكذا، تحولت العقيدة الصهيونية من «الضابط الذي يفرض إيقاعه» إلى «الضابط الذي يستيقظ كل يوم على مسيّرة تنقض على رأسه».
ختاماً ما يجري اليوم في جنوب لبنان ليس مجرد معركة، بل إعادة صياغة كاملة لمفهوم الحرب. فقد نجحت المقاومة في تفكيك منظومة القيادة والسيطرة الصهيونية، وضرب العمق الاستراتيجي، وشلّ القيادة العملياتية، وعزل الوحدات التكتيكية، واستهداف الضباط الذين يشكّلون مركز الثقل في العقيدة القتالية للعدو. بهذه الاستراتيجية، لم تعُد المقاومة تواجه جيشاً منظماً، بل جيشاً مفككاً، مضروب الرأس، فاقد المبادرة، يعمل في بيئة لا يملك فيها المعلومة ولا الاتصال ولا القدرة على اتخاذ القرار. ومع استمرار هذا النهج، يبدو أنّ المعركة لم تعُد مجرد مواجهة ميدانية، بل صراع على «العقل العسكري» للعدو، وعلى القدرة على إدارة الحرب في بيئة تتغير فيها قواعد الاشتباك جذرياً.