بداية انهيار الثقة بين الحليفين

التجسس الصهيوني يخترق العمق الأمريكي.. والبنتاغون يرفع مستوى التهديد

يتصرف كيان العدو كقوة استخباراتية تسعى للسيطرة، ما أسقط الثقة ودفع واشنطن لإعادة تقييم تحالف قائم على التجسس والهيمنة

لحظة سقوط القناع عن «الحليف الموثوق» لم تكن التقارير التي نشرتها نيويورك تايمز وNBC مجرد تسريبات عابرة، بل كانت بمثابة زلزال سياسي داخل واشنطن. فأن ترفع وزارة الدفاع الأمريكية مستوى التهديد الاستخباراتي الصهيوني إلى الدرجة القصوى، فهذا يعني أنّ العلاقة التي لطالما قُدّمت كتحالف استراتيجي ثابت دخلت مرحلة جديدة من الشك والريبة.
لقد سقط القناع عن «الحليف الذي لا يخطئ»، وظهر العدو كما هو كيان يتجسس على الجميع، حتى على أقرب داعميه، ويتعامل مع الولايات المتحدة بمنطق السيطرة لا الشراكة، وبمنطق الابتزاز لا التحالف. إنّ ما كشفته التقارير ليس مجرد عمليات تجسس تقنية، بل هو انعكاس لبُنية كاملة من السلوك الصهيوني القائم على اختراق المؤسسات، والتلاعب بالقرارات، وفرض الوقائع بالقوة، حتى لو كان ذلك على حساب أمن الدولة التي تموّلها وتدعمها وتحميها. ولعلّ المفارقة الأكبر أنّ واشنطن، التي لطالما تغاضت عن تجاوزات كيان الاحتلال في المنطقة، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى مواجهة حقيقة أنّ «الحليف» بات يُشكّل تهديداً داخلياً لا يقل خطورة عن خصومها التقليديين.

 

من التحالف إلى الارتياب.. كيف وصلت واشنطن إلى لحظة الانفجار؟

لم يكن رفع مستوى التهديد الاستخباراتي الصهيوني قراراً مفاجئاً داخل البنتاغون، بل كان نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، بدأت بحوادث صغيرة جرى التستر عليها، وانتهت بعمليات اختراق صادمة داخل مؤسسات حساسة. لقد اكتشفت واشنطن أنّ كيان العدو لا يتصرف كحليف، بل كقوة تسعى إلى معرفة كل شيء، والسيطرة على كل شيء، والتأثير على كل قرار، حتى لو كان ذلك عبر التجسس على كبار المسؤولين الأمريكيين.

لقد أدركت المؤسسة العسكرية الأمريكية أنّ كيان العدو تجاوز الخطوط الحمراء، وأنّ عملياته لم تعُد مجرد جمع معلومات عامة، بل تحوّلت إلى محاولات اختراق مباشر لمراكز القرار، وإلى زرع أجهزة تنصت داخل منشآت عسكرية، وإلى استهداف شخصيات رفيعة المستوى في إدارة ترامب. هذا السلوك لم يعُد قابلاً للتبرير، ولا يمكن اعتباره «سوء تقدير»، بل هو عمل عدائي بكل معنى الكلمة.

إنّ ما حدث في السنوات الأخيرة كشف أنّ كيان العدو يتعامل مع الولايات المتحدة كما يتعامل مع أي دولةٍ أخرى: هدف يجب اختراقه، ومصدر معلومات يجب استغلاله، ومركز قرار يجب التأثير عليه. وهذا ما دفع البنتاغون إلى إعادة تقييم العلاقة من أساسها، وإلى إدراك أنّ كيان العدو ليس شريكاً موثوقاً، بل طرفاً يسعى إلى فرض أجندته حتى لو تعارضت مع المصالح الأمريكية.

 

التجسس الصهيوني.. عقيدة لا تتغير

من يعرف تاريخ الموساد والشاباك ووحدات الاستخبارات الصهيونية يدرك أنّ التجسس ليس مجرد أداة، بل هو جزء من العقيدة الأمنية الصهيونية. الاحتلال كيان قام على الاستخبارات، ويعتبر أنّ المعلومة أهم من أي سلاح، وأنّ اختراق الخصوم والحلفاء على حدٍ سواء ضرورة وجودية. لذلك لم يكن غريباً أن تتجسس على الولايات المتحدة، لكن الغريب هو حجم الجرأة، واتساع نطاق العمليات، وعمق الاختراقات التي كشفتها التقارير الأخيرة. لقد أثبتت الوقائع أنّ كيان العدو لا يرى في الولايات المتحدة «حليفاً»، بل «مصدراً للمعلومات» يجب الوصول إليه بأي ثمن.

 

وهذا ما يفسر استهداف كبار المسؤولين الأمريكيين، ومحاولات زرع أجهزة تنصت داخل منشآت حساسة، واستخدام تقنيات متطورة للتجسس على الهواتف الشخصية للمفاوضين الأمريكيين. فوفق وثائق البنتاغون، تصاعد النشاط التجسسي الصهيوني بشكلٍ حاد أواخر عام 2024، بالتزامن مع ضغوط إدارة بايدن لتقييد العمليات في غزة، وامتد لاحقاً إلى زرع برمجيات تجسس في هواتف مسؤولين أمريكيين خلال زياراتهم وتنقلاتهم في كيان الاحتلال، خاصةً أثناء مناقشات إدارة ترامب للعدوان على إيران.

 

وأفادت تقارير بأنّ اعتماد بعض كبار المسؤولين الأمريكيين على الهواتف الشخصية وتخفيف الإجراءات الأمنية جعلهم أهدافاً سهلة للتنصت، ما دفع واشنطن إلى تشديد بروتوكولات الحماية عند التعامل مع الجانب الصهيوني.

والأخطر من ذلك أنّ كيان العدو استغل قربه من المؤسسات الأمريكية، وتعاونه العسكري مع البنتاغون، لتوسيع عملياته الاستخباراتية. حيث تحوّلت الشراكة العسكرية إلى بوابة للاختراق، والتعاون الأمني إلى فرصة لجمع المعلومات، والدعم الأمريكي إلى أداة تُستخدم ضد واشنطن نفسها، ما عمّق المخاوف داخل الدوائر الأمنية الأمريكية.

 

أخطر أزمة ثقة بين أمريكا وكيان العدو

شكّل تصاعد المخاوف الأمريكية من النشاط الاستخباراتي الصهيوني نقطة تحول في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، بعدما بدأت مؤسسات أمنية وعسكرية أمريكية، وفي مقدمتها البنتاغون، تتعامل مع هذا النشاط بوصفه مصدر قلق أمني لا مجرد تعاون بين حلفاء. وقد دفع ذلك البنتاغون إلى اتخاذ إجراءات مشددة شملت تقليص تبادل المعلومات الحساسة، وتشديد الرقابة على الاتصالات واللقاءات الرسمية، وإعادة تنظيم آليات العمل المشترك داخل مراكز العمليات، في محاولة للحد من أي مخاطر محتملة على الأمن القومي الأمريكي.

في المقابل، يواصل كيان العدو سعيه إلى اختراق دوائر القرار الأمريكية وجمع المعلومات حول التوجهات السياسية والاستراتيجية داخل الإدارة الأمريكية، انطلاقاً من اعتقاده بأنّ امتلاك المعلومات يمنحه القدرة على حماية مصالحه وفرض أجندته على صناع القرار في واشنطن. كما تدفعه الخلافات المتزايدة مع بعض المسؤولين الأمريكيين إلى تكثيف جهوده الاستخباراتية لفهم موازين القوى داخل البيت الأبيض والتأثير فيها. وبذلك لم تعُد القضية مجرد جمع معلومات، بل أصبحت صراعاً على النفوذ والتأثير، ما أدخل العلاقة بين الطرفين في مرحلة غير مسبوقة من الشك والارتياب المتبادل.

 

نهاية الثقة العمياء.. تحوّل في مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب

إنّ ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل يُمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين الولايات المتحدة وكيان العدو، بعد تزايد القناعة داخل واشنطن بأنه لم يعُد الحليف الذي يمكن الوثوق به، وأنه مستعد للتجسس حتى على أقرب داعميه، ويتصرف بمنطق القوة وفرض النفوذ أكثر من منطق الشراكة. هذا التحول يعني أنّ العلاقة لن تعود إلى سابق عهدها، وأنّ الإدارة الأمريكية ستعيد تقييم الكثير من الملفات التي كانت تُعتبر ثابتة واستراتيجية.

ورغم أنّ القطيعة الكاملة تبقى غير مرجحة بسبب عمق المصالح المشتركة، إلا أنّ مستوى الثقة تعرض لضربة عميقة، ما سيؤدي إلى تشديد غير مسبوق في الرقابة على التعاون الأمني والاستخباراتي. كما ستتراجع الامتيازات التي كان يتمتع بها كيان العدو داخل المؤسسات الأمريكية تدريجياً، مع انتقال العلاقة إلى مرحلة أكثر حساسية تقوم على التدقيق والحذر بدل الانفتاح والثقة. وهكذا ينتهي عملياً زمن «الثقة العمياء»، ليبدأ عصر «الحذر الدائم» وإعادة ضبط قواعد اللعبة بين الطرفين.

ختاماً يتصرف كيان العدو كقوة استخباراتية تسعى للسيطرة والتأثير حتى على أقرب حلفائه، ما أسقط صورة «الحليف الموثوق». وأدركت الولايات المتحدة أنّ العلاقة لم تعُد قائمة على الثقة، بل على الهيمنة والتجسس، لتبدأ مرحلة جديدة من الشك وإعادة تقييم التحالف الذي لم يعُد آمناً.

 

المصدر: الوفاق/ خاص