وفق تقرير «ASPI» لتتبع التقنيات الحيوية

إيران الرابعة عالمياً في إنتاج المعرفة حول محركات الطائرات المتقدمة

الوفاق/ استناداً إلى التحديث الأحدث لتقرير «متتبع التقنيات الحيوية» الصادر عن «معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي» (ASPI)، حافظت إيران على مرتبتها الرابعة عالمياً في مضمار إنتاج المعرفة العلمية المتصلة بـ«محركات الطائرات المتقدمة»، بما في ذلك تقنيات الطيران فوق الصوتي. ويأتي هذا التصنيف ليضع إيران في مرتبة تلي الصين، والولايات المتحدة، والهند، متقدمة بذلك على قوى صناعية وجوية ذات باع طويل، على غرار اليابان، وبريطانيا، وإيطاليا، وألمانيا.

وتتجسد محورية هذا التصنيف في كونه لا يرتكز على الأرقام المجردة للطائرات المنتَجة، ولا على حصص الدول في الأسواق الصناعية أو خطوط التجميع، بل ينصبّ تركيزه على قياس «الأبحاث العلمية ذات التأثير العالي». وغالباً ما تتمثل هذه الأبحاث في الدراسات التي تحظى بأعلى مستويات الاستشهاد العلمي عالمياً، والتي تؤدي دوراً جوهرياً في رسم ملامح التكنولوجيا المستقبلية. ومن هذا المنظور، تُعدّ المرتبة الرابعة التي حصدتها إيران مؤشراً يعكس قدرات علمية وهندسية وازنة في مجالات دقيقة، مثل ديناميكيات الموائع، وعلوم الاحتراق، وانتقال الحرارة، والمواد المتقدمة، والسبائك المقاومة للحرارة العالية، والتقنيات الأساسية لأنظمة الدفع الجوي.

 

بيد أن هذه المكانة المتقدمة لا تعني بالضرورة أن إيران تُعدّ منافساً مباشراً لعمالقة الصناعة مثل «بوينغ»، و«إيرباص»، و«رولز رويس»، أو «جنرال إلكتريك» في سوق طائرات الركاب العالمية؛ إذ إن تقرير ASPI لا يستهدف قياس القدرة الصناعية أو التجارية للدول بقدر ما يعمد إلى تقييم كفاءتها في توليد المعرفة الأساسية والأبحاث العلمية الممهِّدة لتقنيات المستقبل.

 

ما هو معهد ASPI؟ وما هي طبيعة تقريره؟

 

يُعدّ «معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي» (ASPI) مركز أبحاثٍ مرجعياً يتخذ من كانبرا مقراً له، وينصبّ اهتمامه على القضايا الجيوسياسية، والسياسات الدفاعية، والأمن السيبراني، والتقنيات الناشئة. وقد صُمّم مشروع «متتبع التقنيات الحيوية» التابع للمعهد ليكون بوصلة لرصد مكانة الدول في التقنيات الحساسة؛ متناولاً منظومة واسعة تشمل الدفاع، والفضاء، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والروبوتات، والأمن السيبراني، وتكنولوجيا الكم، والمواد المتقدمة.

 

ورغم إثارة بعض النقاشات حول البنية التمويلية لـ ASPI -بالنظر إلى تلقيه تمويلاً من الحكومة الأسترالية ووزارة الدفاع وهيئات فيدرالية، فضلاً عن دعم من كبرى شركات الصناعات الدفاعية الغربية- مما دفع بعض المنتقدين للتشكيك في توجهاته الجيوسياسية، إلا أنه ينبغي إبقاء مسافة فاصلة بين «التفسير السياسي» للتقرير وبين «البيانات العلمية الخام» الواردة فيه. فالتصنيفات المعتمدة تستند إلى قواعد بيانات أكاديمية موثوقة ومقالات مُحكّمة، مما يجعل أصل البيانات المتعلقة بالمقالات العلمية ومعدلات الاستشهادات البحثية خاضعاً للمراجعة الإحصائية العلمية، بعيداً عن التوجهات السياسية للمعهد.

 

تصنيف قائم على البحث العلمي لا على الإنتاج الصناعي

 

تكمن الجدوى في فهم موقع إيران في أن التقرير يعتمد «الأبحاث ذات التأثير العالي» كمعيارٍ حصري للتصنيف. ووفقاً لهذه المنهجية، لا يُعتدّ بكافة المقالات المنشورة، بل يتم التركيز حصراً على أفضل 10 في المائة من المقالات التي نالت أعلى مستويات الاستشهاد.

 

وتستند منطقية هذا الطرح إلى أن المقالات الأكثر استشهاداً تشكّل النواة النظرية والتكنولوجية لابتكارات المستقبل، والتي غالباً ما تتطور في السنوات اللاحقة لتتحول إلى براءات اختراع أو تطبيقات صناعية أو إنجازات استراتيجية. وبذلك، يكتسب تقرير ASPI قيمةً استباقية؛ فهو ليس مرآة للواقع الصناعي الراهن، بقدر ما هو مؤشرٌ يُقدّم قراءةً للإمكانات التكنولوجية الكامنة للدول.

 

ولضمان الدقة، يعتمد التقرير مؤشر «هيرش» (H-Index) لقياس جودة الإنتاج العلمي بالتوازي مع حجمه، مما يمنع انحياز التصنيف للدول التي تنتج عدداً ضخماً من المقالات محدودة التأثير. كما يُطبّق «التوزيع الكسري» للرصيد العلمي في المقالات المشتركة دولياً، لضمان نسب الأدوار العلمية لكل دولة بدقة أكبر. وعلى هذا الأساس، فإن مرتبة إيران لا تُعزى إلى تعاونات هامشية، بل إلى مساهمة فعلية ومباشرة من الباحثين والمؤسسات العلمية الإيرانية.

 

دلالة المرتبة الرابعة لإيران

 

إن تبوؤ إيران المرتبة الرابعة يعكس، قبل كل شيء، القدرة البحثية الوطنية على استيعاب وتطوير المعارف الأساسية المعقدة لأنظمة الدفع الجوي. فهذا الحقل المعرفي يتطلب إتقاناً متكاملاً للمحاكاة الحاسوبية، وديناميكيات الموائع، وتصميم التوربينات، والتحكم في الاحتراق، وانتقال الحرارة، والسبائك الفائقة، وأنظمة التحكم الإلكتروني.

 

وقد برز دور الجامعات الإيرانية الرائدة -كجامعة طهران، وجامعة شريف الصناعية، وجامعة أمير كبير، وجامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا- في نمذجة محركات التوربينات الغازية وتحليل المواد في درجات الحرارة المرتفعة. وتكمن الأهمية الجوهرية هنا في وجود قاعدة علمية داخلية، قادرة على دمج المعرفة النظرية والنمذجة المعقدة مع الخبرة المختبرية التطبيقية.

 

لماذا لا تعني المرتبة العلمية المتقدمة إنتاج طائرات ركاب؟

 

يتساءل الكثيرون: كيف تفسر هذه المرتبة المتقدمة غياب الإنتاج التجاري الواسع لطائرات الركاب؟ والإجابة تتضح من خلال التباين الحاد بين «القدرة العلمية» و«القدرة الصناعية – التجارية». فصناعة الطيران المدني الحديث لا تعتمد على هندسة المحركات فحسب، بل على منظومة عالمية من سلاسل التوريد، والآلاف من القطع القياسية، والاستثمارات المالية الضخمة، والوصول إلى أسواق التأمين والائتمان، والحصول على شهادات الجودة والسلامة الدولية (كشهادات FAA وEASA).

 

وفي ظل القيود الخارجية، بات الوصول إلى هذه المنظومات العالمية أمراً بالغ الصعوبة. لذا، فإن تحويل القدرة العلمية إلى إنتاج تجاري مدني يواجه عقبات بنيوية. ومن هذا المنطلق، اتجه المسار المعرفي الإيراني ليتجلى بصورة أوضح في مجالات ذات سلاسل توريد أكثر مرونة، كطائرات «الدرونز»، وأنظمة الدفع المصغرة، ومحركات التوربوجت والتوربوفان، وتقنيات السرعات فوق الصوتية، والتطبيقات الاستراتيجية الدفاعية.

 

من المحركات المحلية إلى تقنيات السرعات فوق الصوتية

 

تُعدّ مشاريع مثل محرك التوربوجت «أوج» والتوربوفان «جهش-700» شواهد على محاولات توطين التكنولوجيا وتطويرها محلياً. فبينما يمثل «أوج» نموذجاً لتوطين تكنولوجيا التوربوجت، يُعد «جهش-700» محرك توربوفان خفيفاً ومتقدماً مخصصاً للطائرات المسيّرة بوزن يصل إلى 4000 كيلوغرام، مما يمنحها ارتفاعاً تشغيلياً يصل إلى 60 ألف قدم، مستفيداً من تقنيات متطورة كشفرات البلورة الأحادية.

 

وفي المقابل، يرتبط جزءٌ مهم من هذا المجال بالتقنيات «الهايبرسونية» (فوق الصوتية). فالتحديات المرتبطة بالطيران بسرعات تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت -من حيث سلوك الهواء، والحرارة، والضغط، واستقرار الاحتراق، وتصميم مواد تقاوم الحرارة الشديدة- تفرض ضرورة إجراء أبحاث معمقة في الهندسة الميكانيكية، وعلوم المواد، وكيمياء الاحتراق، وهندسة الطيران. وبهذا، يمكن قراءة المرتبة العلمية الإيرانية كمؤشرٍ على تركيز استراتيجي بحثي يضع البلاد في قلب مستقبل أنظمة الطيران المتقدمة.

 

موقع إيران في خريطة التقنيات الحيوية

 

لا يتوقف الحضور الإيراني عند محركات الطائرات؛ إذ تشير تقارير ASPI إلى تموضع إيران في مراكز متقدمة (تتراوح بين التاسع والحادي عشر عالمياً) في العديد من التقنيات الحيوية، بل وتصنّف ضمن الدول الخمس الأولى في بعض الفروع النوعية. ويمكن تفسير هذا النمط عبر «الخريطة العلمية الشاملة للبلاد»، التي تضع الطاقة، والفضاء، والنانو، والمواد المتقدمة كأولويات وطنية.

 

إن النموذج الإيراني هنا يمكن وصفه بـ«الاستثمار العلمي غير المتناظر»؛ أي التركيز الاستراتيجي على مجالات محددة تمنح الدولة ميزة تكنولوجية في سياق يحد من خياراتها الصناعية التقليدية.

 

الخلاصة:

تمثل المرتبة الرابعة لإيران في إنتاج المعرفة العلمية لمحركات الطائرات المتقدمة إقراراً بقدرة وطنية ملموسة على إنتاج المعرفة الأساسية والأبحاث ذات التأثير. ومع أن هذه المرتبة لا تترجم تفوقاً صناعياً تجارياً منافساً في الأسواق العالمية، إلا أنها تبرهن على نجاح إيران في بناء قاعدة علمية رصينة في مجالات المحاكاة، وتصميم أنظمة الدفع، وعلوم المواد.

 

تكمن العبرة الأساسية في أن الاستثمار الموجه في المجالات الاستراتيجية يُنتج معرفة ذات ثقل، حتى في ظل الظروف التقييدية. ومع ذلك، يظل الانتقال بهذه المعرفة إلى حيز الصناعة المدنية الواسعة رهنَ توافر بنى تحتية مالية وصناعية، ومنظومات للمعايرة والتوحيد القياسي، وقنوات ربط بسلاسل التوريد العالمية؛ وهي مسارات لا تزال تواجه تحديات حقيقية.

 

وفي المحصلة، يقدّم تقرير ASPI صورة لإيران كفاعلٍ علمي محوري في تقنيات المستقبل الحساسة؛ فاعلٌ لم يستند موقعه إلى الإنتاج التجاري الواسع، بل إلى الإنتاج المعرفي المتخصص والتركيز البحثي الدؤوب على حقول مختارة.

المصدر: الوفاق