وشارع يشتعل بالغضب الشعبي

قمة السبع في مرمى العاصفة.. نظام عالمي يتفكك وصراع نفوذ يُعيد رسم موازين القوى

قمة السبع تناقش أزمات عالمية وسط حروب وتوترات اقتصادية، بينما تتصاعد احتجاجات شعبية تشكك بعدالة النظام العالمي وتمثيله للشعوب

انطلقت أمس الاثنين في مدينة إيفيان الفرنسية أعمال قمة مجموعة السبع، في ظرف دولي يُعد من الأكثر تعقيداً منذ سنوات طويلة. فالعالم يواجه حروباً مفتوحة في غرب آسيا وأوكرانيا، وتوترات اقتصادية وتجارية متصاعدة، وتحولات عميقة تقودها الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي. وفي الوقت الذي اجتمع فيه قادة الدول الصناعية الكبرى للبحث في هذه الملفات، كانت الشوارع المحيطة بالقمة تشهد مشهداً موازياً لا يقل أهمية، تمثل في احتجاجات واسعة شارك فيها آلاف المتظاهرين في جنيف السويسرية والمناطق الحدودية القريبة من إيفيان.

 

هذه الاحتجاجات لم تكن مجرد اعتراض على ترتيبات أمنية أو سياسات ظرفية، بل عكست حالة أوسع من التشكيك الشعبي في قدرة مجموعة السبع على تمثيل المصالح العالمية أو تقديم حلول عادلة للأزمات الدولية. ومن هنا تكتسب القمة الحالية أهميةً خاصة، لأنها تعقد في لحظة تتزايد فيها الفجوة بين النُخب السياسية والاقتصادية التي تدير النظام العالمي وبين قطاعات واسعة من الرأي العام التي ترى أنّ هذا النظام أصبح يخدم مصالح فئة محدودة على حساب بقية الشعوب.

 

قمة إيفيان وسط خلافات دولية وضغوط على النظام الغربي

 

تأتي قمة إيفيان في ظل ملفات دولية ثقيلة تتصدر الأجندة العالمية، أبرزها الحرب في غرب آسيا وتداعياتها على أمن الطاقة والتجارة الدولية، مع استمرار المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز باعتباره ممراً استراتيجياً حيوياً لإمدادات النفط.

 

كما تفرض الحرب في أوكرانيا نفسها كأحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه الدول الغربية، في وقت تتباين فيه الرؤى بين الحلفاء حول إدارة الصراع ومستقبل التعامل مع روسيا. ويعكس هذا التباين تراجع مستوى التوافق داخل المعسكر الغربي حول القضايا الأمنية الكبرى.

 

إلى جانب ذلك، تُناقش القمة ملفات الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية والذكاء الاصطناعي وأمن سلاسل التوريد، في ظل تنافس استراتيجي متصاعد مع الصين، ما يزيد من تعقيد النقاشات بين القوى الكبرى.

 

وتكتسب القمة أهمية إضافية مع مشاركة دونالد ترامب، الذي تثير مواقفه جدلاً داخل الأوساط الغربية، خصوصاً في ملفات أوكرانيا والتجارة والعلاقات مع الحلفاء الأوروبيين. وتُنظر إلى الاجتماعات الحالية باعتبارها اختباراً جديداً لمدى تماسك المواقف الغربية في مواجهة أزمات متداخلة ومتسارعة.

 

احتجاجات جنيف.. رسالة تتجاوز حدود القمة

 

بالتزامن مع افتتاح القمة، شهدت مدينة جنيف السويسرية احتجاجات شارك فيها نحو سبعة آلاف شخص وفق تقديرات الشرطة. ورغم أنّ غالبية التحركات بقيت سلمية، فإنّ بعض المجموعات دخلت في مواجهات مع قوات الأمن، ما دفع الشرطة إلى استخدام الغاز المسيل للدموع بعد استهداف مبانٍ تابعة للأمم المتحدة ورشقها بالحجارة والألعاب النارية.

 

لكن أهمية هذه الاحتجاجات لا تكمن في أعمال العنف المحدودة التي رافقتها، بل في الرسائل السياسية والاجتماعية التي حملتها. فالمتظاهرون يرون أنّ مجموعة السبع أصبحت رمزاً لتركيز السلطة السياسية والاقتصادية في يد عدد محدود من الدول الغنية، بينما تبقى غالبية دول العالم خارج دائرة صنع القرار الدولي.

 

ويعتقد المحتجون أنّ القضايا الكبرى التي تؤثر في حياة مليارات البشر، من الاقتصاد والتجارة إلى المناخ والحروب، تُناقش وتُحسم داخل دوائر ضيقة لا تُمثل بشكل كافٍ مصالح الدول النامية أو الشعوب المتضررة من السياسات الاقتصادية العالمية.

 

 

التفاوت الاقتصادي والعدالة العالمية في قلب الغضب الشعبي

 

يبرز التفاوت الاقتصادي العالمي كأحد أهم العوامل المحركة للاحتجاجات المرافقة لاجتماعات مجموعة السبع، في ظل اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء داخل الدول وفيما بينها في السنوات الأخيرة.

 

ويشير محتجون إلى أنّ النظام الاقتصادي العالمي الذي تدعمه القوى الكبرى ساهم في تراكم الثروات لدى شريحة ضيقة من الأفراد والشركات، بينما تتزايد الأزمات المعيشية التي تواجه ملايين الأشخاص حول العالم، ما يعكس اختلالاً في توزيع مكاسب العولمة وعدم انعكاسها على الفئات الأكثر هشاشة.

 

وفي هذا السياق، اكتسب الجدل حول العدالة الاقتصادية زخماً إضافياً مع تقارير عن وصول ثروات كبار رجال الأعمال إلى مستويات غير مسبوقة، ما عزز الشعور بأنّ النموذج الاقتصادي السائد يعيد إنتاج اللامساواة ويعمّقها، بدل معالجتها، وهو ما حوّل الاحتجاجات المناهضة لمجموعة السبع إلى تعبير أوسع عن أزمة ثقة بالنظام العالمي.

 

من جهتها، انتقدت منظمة «أوكسفام» خفض مجموعة السبع لميزانيات المساعدات التنموية بنحو 48 مليار دولار بين عامي 2024 و2025، معتبرةً أنّ ذلك يسهم في تفاقم الأزمات الإنسانية ويعيد توجيه الثروة نحو الفئات الأكثر ثراءً. ودعت المنظمة إلى زيادة التمويل التنموي، وفرض ضرائب على الثروات الضخمة، وتعليق الديون على الدول منخفضة الدخل، محذرةً من «تكلفة بشرية كارثية» تتصاعد عالمياً.

 

 

هل ما زالت مجموعة السبع قادرة على قيادة العالم؟

 

يطرح الجدل المحيط بالقمة سؤالاً أساسياً يتعلق بمكانة مجموعة السبع نفسها. فعندما تأسست المجموعة في سبعينيات القرن الماضي كانت تُمثل الجزء الأكبر من الاقتصاد العالمي، وكانت قادرة على التأثير المباشر في اتجاهات السياسة والاقتصاد الدوليين.

 

أمّا اليوم، فقد تغير العالم بصورة كبيرة. فالصين والهند والبرازيل وغيرها من القوى الصاعدة أصبحت تمتلك وزناً اقتصادياً وسياسياً متزايداً، بينما تراجعت الحصة النسبية لدول المجموعة من الاقتصاد العالمي.

 

هذا التحول دفع كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت مجموعة السبع لا تزال الإطار الأنسب لمعالجة التحديات العالمية، أم أنّ مؤسسات أوسع تمثيلاً مثل مجموعة العشرين أصبحت أكثر قدرة على استيعاب التوازنات الدولية الجديدة.

 

ومع ذلك، لا تزال دول المجموعة تمتلك نفوذاً هائلاً في المجالات المالية والتكنولوجية والعسكرية، وهو ما يجعل قراراتها مؤثرة بصورة مباشرة في الاقتصاد العالمي وفي إدارة الأزمات الدولية.

 

 

بين القمم الرسمية والشارع الغاضب

 

تكشف أحداث جنيف وإيفيان عن مفارقة واضحة. ففي الوقت الذي يجتمع فيه قادة العالم الصناعي داخل قاعات مغلقة لمناقشة مستقبل الاقتصاد والأمن العالميين، تتجمع في الخارج حشود ترى أنّ هذه الاجتماعات لا تعكس تطلعاتها ولا تعالج مشكلاتها الحقيقية.

 

وهذه الفجوة ليست جديدة، لكنها تبدو أكثر وضوحاً اليوم مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الشعور بعدم المساواة. ولذلك فإنّ نجاح القمة لن يُقاس فقط بالبيانات الختامية أو الاتفاقات السياسية، بل أيضاً بقدرة القادة على تقديم رؤية مقنعة لمعالجة القضايا التي تدفع آلاف الأشخاص إلى النزول إلى الشوارع للاحتجاج.

 

ختاماً تنعقد قمة مجموعة السبع في إيفيان وسط عالم يمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة على المستويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. وبينما يحاول القادة المجتمعون إيجاد حلول للحروب والأزمات الدولية، تذكرهم الاحتجاجات المتواصلة بأنّ التحدي لا يقتصر على إدارة الملفات الجيوسياسية الكبرى، بل يشمل أيضاً استعادة ثقة الرأي العام في النظام الدولي القائم.

 

فالمشهد الذي شهدته جنيف يعكس أكثر من مجرد رفض لقمة دولية؛ إنه تعبير عن تساؤلات متزايدة حول العدالة الاقتصادية، وتمثيل القوى الصاعدة، وحدود النفوذ الذي تمارسه الدول الكبرى في إدارة شؤون العالم. ومن هنا تبدو قمة إيفيان اختباراً ليس فقط لوحدة مجموعة السبع، بل أيضاً لقدرتها على إثبات أنها ما زالت تملك الشرعية والفعالية في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.

 

المصدر: الوفاق/ خاص