هرمز مقابل جنوب لبنان.. هندسة الردع الإيرانية التي أطبقت على واشنطن

الوفاق خاص/ في الشرق الأوسط الإيراني الجديد لم تعُد المعارك تُحسم بعدد الصواريخ، إنما بعدد البراميل التي تمر عبر مضيق هرمز. إنّ الولايات المتحدة تواجه أزمة استراتيجية غير مسبوقة؛ حليفها الإسرائيلي يضغط نحو التصعيد، وخصمها الإيراني يردّ بربط أمن الجنوب اللبناني بأمن الملاحة العالمية. وفجأة، تحول وقف إطلاق النار في لبنان من ملف إقليمي إلى شرط لاستمرار تدفق النفط للعالم.

 

د. سلام عودة المالكي

 

 

في قلب هذه المعادلة، تجد واشنطن نفسها بين مطرقة التزامها لإسرائيل وسندان المصالح الحيوية العالمية. ولم يعد المشهد مجرد حليف متمرد أو خصم إقليمي يلوح بالقوة، بل شبكة ردع بالغة التعقيد نسجتها طهران؛ طرفها الأول جبهة الجنوب اللبناني، وطرفها الآخر مضيق هرمز، وبينهما تقف الولايات المتحدة محاصرة بقواعد لعبة لم تعد تملك وحدها سلطة تقريرها.

 

 

إنّ الإدارة الأمريكية تواجه اليوم مأزقاً مزدوجاً؛ على جبهتها الأولى، حليف إسرائيلي يتحرك بمنطق “الأرض المحروقة” حتى لو خرّبت تفاهمات واشنطن مع طهران. وكل جولة تصعيد تطلقها تل أبيب تستنزف من رصيد الهيبة الأمريكية وتظهرها عاجزة عن ضبط سلوك أقرب شركائها.

 

 

أمّا الجبهة الثانية، فهي طهران التي تركت منطق الدفاع التقليدي، وانتقلت إلى “ردع متناظر”؛ معادلته بسيطة وقاسية في آن معاً، أمن الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل أمن شمال فلسطين المحتلة، والعبور الآمن في مضيق هرمز في مقابل أمن العاصمة الأمريكية، إذ إن أي خرق إسرائيلي في لبنان لن تُجيب عنه المقاومة وحدها، بل ستُحمّل واشنطن كلفته مباشرة عبر التلويح بإغلاق الشريان التاجي للطاقة العالمية.

 

 

في المقابل، تقف دول الخليج الفارسي “قلب صناعة الطاقة” في منطقة رمادية، إذ رأت منصاتها تُضرب في ذروة المواجهات، وفي الوقت نفسه رأت واشنطن تبحث عن تفاهم مع إيران لتجنب الأسوأ. فكانت النتيجة استراتيجية “تحوط” واضحة: الابتعاد عن التصعيد، ودعم الوساطات القطرية والباكستانية، والتفاهم المباشر مع طهران لضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً.

 

 

أمّا لبنان، فيبقى مركز الثقل. تحاول بيروت الرسمية تثبيت هدنة عبر الوساطة الأمريكية؛ لكن حزب الله يرفض أي نزع للسلاح تحت النار، ويربط مصير جبهته الجنوبية بمسار التفاوض الإقليمي الأوسع. وهكذا تحول الجنوب اللبناني من جبهة عسكرية إلى ورقة ضغط جيوسياسية تتحكم في مصير الملاحة الدولية.

 

 

أمام هذا الاستعصاء، تقف واشنطن أمام ثلاثة مسارات، هي:

 

 

المسار الأوّل: كبح الحليف بالقوّة

 

 

هذا المسار هو الأقرب إلى الواقع، وهو يتطلب ضغط أمريكي غير مسبوق على إسرائيل لفرض وقف إطلاق نار شامل في لبنان، واستخدام ورقة الدعم العسكري كورقة مساومة. ونجاح هذا المسار يعني إنقاذ محادثات “بورغنستوك” السويسرية، وتجاوز مهلة الـ60 يوماً باتفاق دائم يبقي هرمز مفتوحاً.

 

 

 المسار الثاني: أمن إقليمي مشترك

 

 

خيار بعيد المدى، يقوم على تحويل حماية الممرات البحرية من عبء أمريكي فردي إلى التزام جماعي يضم الخليج الفارسي وإيران وتركيا وباكستان، وثمنه اعتراف أمريكي ضمني بالنفوذ الإيراني، ومقابله إنهاء لغة “العقاب الفوري”.

 

 

المسار الثالث: الحرب الاقتصادية

 

 

وهو الأسوأ حيث يؤدي فشل أمريكا في ضبط إسرائيل إلى إغلاق إيراني فعلي لمضيق هرمز، فيتبعه تدخل أمريكي عسكري لكسره. والنتيجة ليست معركة بحرية فحسب، بل انهيار سلاسل الإمداد، وصدمة طاقة عالمية، وعودة الجميع إلى طاولة المفاوضات من موقع أضعف بكثير.

 

 

الخلاصة: نهاية زمن الإملاءات

 

 

الشواهد الميدانية لا تكذب، فإيران نجحت في نقل الصراع من تلال الجنوب إلى عمق الاقتصاد الغربي، ووضعت “تفاهم إسلام آباد” على حافة الانهيار. وفي الداخل الأمريكي، يتصارع تياران؛ صقور يطالبون بكسر الحصار بالقوة، وخبراء اقتصاد وعسكر يحذرون من كارثة لا يمكن تحمل عواقبها.

 

 

بحسب هذا المشهد، لم يعد أمام واشنطن سوى خيار واحد عملي، دبلوماسية إلزامية تضبط سلوك إسرائيل، وتثبت هدنة لبنان، وتعيد تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وما عدا ذلك، ليس سوى انزلاق نحو حرب استنزاف شاملة.

 

 

لقد أثبتت طهران أنها لم تعد مجرد خصم إقليمي، إنما ند استراتيجي يصيغ شروط اللعبة. وأن زمن فرض الإرادة بالترسانة العسكرية وحدها، قد ولّى إلى غير رجعة.

 

 

 

 

المصدر: الوفاق / خاص