رواية الليلة الأولى من عزاء الإمام الحسين(ع) بعد استشهاد قائد الأُمّة

لم تخرج لتُطلّ علينا.. فما جدوى الانتظار؟

رواية الليلة الأولى من مراسم عزاء سيد الشهداء الإمام أبي عبدالله الحسين(عليه السلام)، بحضور آلاف المواطنين من مختلف الشرائح، في جوار حسينية الإمام الخميني(رحمه الله)، ومحل العروج الملكوتي لقائد الأمّة الشهيد سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (قدّس الله نفسه الزكيّة).

مهدي مولائي

 

آخر مرّة قطعت فيها هذا الشارع بخطواتي المفعمة بالشوق كانت في 17 فبراير/ شباط 2026. كان ذلك من آخر اللقاءات العامة مع سماحة قائد الثورة الاسلامية، وكان أبناء محافظة آذربايجان ضيوف القائد.

 

ومنذ الحديث عن فلسطين، لم تعد أقدامنا تستقر على الأرض، بل كنّا نحلّق باتجاه حسينية الإمام الخميني(رض).

 

وفي الأزقة المؤدية إلى الحسينية، كانت الابتسامة واللهفة تتلألآن على وجوه الضيوف الذين يتسابقون إلى الدخول.

 

وكان الناس يكتبون بأقلام زرقاء على أكفّهم عبارة: «روحي فداء للقائد»، ثم يلتقطون الصور التذكارية ببطاقات الدعوة. كان لهذا المكان، يوماً ما، ضجيجه الجميل وروحه النابضة.

 

أمّا اليوم، فإن خطوات حاملي بطاقات الدعوة تمضي ببطء وثقل، كأن كل واحد منهم يحمل جبلاً على كتفيه.

 

جماعات من المعزين بلباس السواد تتجه نحو الحسينية، وكل منهم يحمل في صدره غصّةً لم تنكسر كما ينبغي منذ أكثر من مئة ليلة.

 

لم يبقَ في هذا الشارع شيء من الحماس المعتاد، بل إن الحزن وحده هو الذي يملأ المكان. القائد ليس هنا.

 

والحسينية ليست كما كانت؛ لكن مجلس عزائه ما زال قائماً. عندما جاءت جائحة كورونا وتعذر حضور الضيوف إلى الحسينية، أقام هو العزاء وحيداً. وعندما اندلعت الحرب واشتدّ التهديد وتعذّر حضوره، بقي العزاء قائماً.

 

واليوم، حتى بعد استشهاده، لم يزيلوا راية عزاء جدّه الإمام الحسين(ع). وبقي سراج العزاء، كما جرت العادة طوال عقود، مضيئاً. فهذا هو باب فيض الحسين(ع)، وما زال مفتوحاً.

 

قمر ساقط على التراب!

 

حين نصل إلى المداخل الخلفية لبيت قائد الثورة الشهيد، تبدو مراسم الدخول كما كانت في السابق.

 

الطوابير مصطفة؛ لكن هؤلاء الناس، خلال الأشهر الماضية، كأنهم جميعاً أصبحوا قرّاء مآتم.

 

يرفع شاب صوته قائلاً: «إخوتي! القائد لم يعد بيننا» فتجري الدموع بين الصفوف، وتبتلّ الوجوه، ويطلب أحدهم الصلاة على روح قائد الثورة الشهيد. يا لها من عبارات غريبة! تحت هذا السقف الشامخ كنّا دائماً نصلي من أجل سلامته.

 

هذه الأبنية… هذه الجدران… لماذا تحطّمت النوافذ؟ ولماذا غطّى الغبار كل شيء؟ لقد اعتدنا أن نحضر مجالس عزائكم؛ لكن المصيبة لم تكن تبدأ يوماً من ساحة الحسينية نفسها.

 

أمّا اليوم، فقد صار كل حجر في هذا المكان مأتماً قائماً بذاته، يحتاج إلى سنوات من البكاء. كأن أحداً قد سقط هنا إلى وأُودِع التراب.

 

أدخل، وقد أُقيمت الصلاة والجميع في الركوع؛ لكن أين ذلك الصوت الممدود وهو يردد: «سبحان ربِّي العظيم وبحمده» بذلك التأكيد المميز على لفظ «العظيم»؟ ولماذا فُرشت هذه السجادات الصفراء تحت أقدام الضيوف؟ وأين الحصر الزرقاء التي اعتدنا رؤيتها؟ هل جئت إلى العنوان الصحيح؟ أهذا حقّاً بيت القائد؟

 

أجلس في زاوية. لم يعد أحد يحاول الاقتراب من المنصة ليراك، ولم يعد أحد يكترث إن كان مكانه خلف عمود. فالقمر لن يطلع هذه الليلة، ولا جدوى من مدّ الأعناق انتظاراً لرؤيته. الليلة، هذا المكان مظلم… بلا قمر.

 

من دونك… لا هواء أتنفّسه!

 

يتقدّم قارئ القرآن إلى الميكروفون ويبدأ التلاوة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ… رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. نعم، لقد كنت راضياً عن الله دائماً، فرضي الله عنك، وهكذا اصطفاك إليه.

 

يبلغ القارئ ذروة تلاوته، وينهي القراءة بقوله: «صدق الله العليّ العظيم»؛ لكن لا أحد هنا يودعه بابتسامته الأبوية المعهودة قائلاً: «طيَّب الله أنفاسك». ينهض وحده ويرحل. الليلة، كل تفصيل في هذا المجلس يبعث على الأسى. رحم الله قلوبنا.

 

ذلك الكرسي الأسود البسيط، الذي كان موضع جلوس سماحته في كل مجلس، يقف إلى جانب الجدار صارخاً بغياب صاحبه. وعلى الكرسي صورة للقائد وهو يلوّح للضيوف.

 

صورة لا أستطيع حتى الآن أن أحدق في عينيها. الغصّة تحوّلت إلى حجر رطب عالق في الحناجر، والدموع متجمعة في العيون، تبحث عن ذريعة لتنهمر.

 

يقال إن الراوي الحقيقي هو الذي يلتقط التفاصيل التي يراها. أمّا الليلة، فالقانون مختلف تماماً. الليلة، ينبغي أن تكتب الأشياء التي لم تعد تراها. في رأسي أسمع الناس يهتفون كما اعتادوا: «يابن فاطمة! نحن بانتظارك».

 

وأرى رجالاً يحملون أوراقاً كتبوا عليها: «سيدي! الكوفية». وأرى خدّام المراسم في بيت القائد يذهبون ويجيئون، وأرى الستارة المخملية الزرقاء تتحرك باستمرار، وأسمع الحاضرين يتدرّبون على القصيدة التي كانوا ينشدونها مع الرادود عند حضور سماحته. ثم أعود إلى الواقع… فلا هتاف، ولا أوراق، ولا ستارة… ولا قائد.

 

السيد ميرهاشم الحسيني هو خطيب المجلس هذه الليلة. يتحدث عن فلسفة الحياة، وعن الفرق بين رؤية جبهة الإسلام وجبهة الكفر للحرب والموت. يقول إنهم يعدّون كلّ مَن يُقتل مهزوماً، أمّا نحن فنرى شهداءنا خالدين في التاريخ، وكلما عظم الشهيد ازداد خلوده… مثل القائد.

 

الرجل الجالس إلى جواري هو شقيق أحد الشهداء الإثنين والأربعين الذين ارتقوا في إحدى القواعد الصاروخية بسبب نقص الأوكسجين. كان ينتظر أن تلتقي نظراتنا ليفتح باب الحديث، فأعطيته الفرصة. قال: «غياب القائد عن مجلس الليلة جعل الهواء قليلاً بالنسبة لي أيضاً… لا أستطيع أن أتنفّس. الآن فقط فهمت ما الذي عاناه أخي هناك».

 

ليقل لي أحد إنّ هذا غير حقيقي!

 

الجمع كلّه، آلاف الحناجر المختنقة بالبكاء، يجلسون تحت سقف زينبية بيت القائد. الجميع ينتظر قراءة المراثي، ينتظر أن يطلق أحدهم زفرة واحدة حتى تنفجر الدموع من غير حاجة إلى قراءة المصيبة. أغرق في الخيال… فإذا بالباب الأيمن للزينبية يُفتح، ويدخل القائد بقامته المهيبة، مرتدياً عباءته الكحلية التي اعتاد ارتداءها في أيامه الأخيرة.

 

ينهض الجميع دفعة واحدة: «حيدر… حيدر». يلوّح بيده، يبتسم، ثم يجلس على كرسيه. لا يستطيع أحد أن يبقى جالساً من شدّة الفرح والذهول. الجميع يبكي، وكأن المجلس قد تحول إلى يوم القيامة. ليقل لي أحد إن هذا غير حقيقي… ليقل لي أحد إنه مجرد حلم.

 

أستفيق… فأجد الكرسي فارغاً

 

ينشد الحاج مهدي رسولي: «ليقل لي أحد إنه مجرد حلم». فتتحطم الآهات، وترتفع الصرخات. الشيخ الجالس أمامي يضرب رأسه بكلتا يديه بقوة. لم يشهد هذا المكان بكاءً كهذا من قبل.

 

وعلى يساري يجلس ابن شهيد يبدو في العاشرة من عمره، وقد أخذ ينتحب بشدة، بينما فتح عمّه أزرار قميصه ليدخل إليه الهواء، وكاد الصغير أن يفقد وعيه.

 

وفي قسم النساء تعلو الضجة، فالنساء كنّ دائماً أصدق الناس في أداء حق المصيبة. ويواصل مهدي رسولي إنشاده: «لعلّ الباب يُفتح… ويأتي».

 

فتتعلق العيون كلها بالباب، في غاية العجز والرجاء. هنا، كان الرادود والمستمعون دائماً يراعون حال القائد؛ فلا يبالغ الرادود في إثارة اللوعة، ولا يرفع الناس أصواتهم احتراماً له. أمّا الليلة، فكأن أحداً لم يعد يراعي شيئاً. الليلة، القائد ليس هنا. تحولت الآهات إلى دموع، والدموع إلى صرخات.

 

كان الحاج مهدي رسولي ينشد، وكنّا نحن نتحول إلى بكاء. اعتدت في مجالس بيت القائد أن أرفع رأسي من بين دموعي، فأرى القائد وقد وضع يده على وجهه، وتدلّت سبحته بين أصابعه، فيما تهتزّ كتفاه بهدوء من شدّة البكاء. أيّتها الدموع اللعينة… تنحّي قليلاً، أريد أن أرى القائد.

 

شخص واحد فقط غاب؛ لكن بيت القائد كلّه امتلأ بفراغ غيابه حتى صار الفراغ نفسه يدوّي، وكأن العالم بأسره قد خلا. ولا يزال ذلك البيت الشعري يتردد في داخلي:

 

كم مرّةً قتلت نفسي الليلة في دربك…

 

ولم تخرج لتُطلَّ علينا… فما جدوى الانتظار؟

 

 

المصدر: khamenei.ir

الاخبار ذات الصلة