كبری أميري
هيكلية الأقمار الصناعية
لفهم أهمية قمر «بارس 2»، لابدّ من إدراك موقعه ضمن تصنيفات الأقمار الصناعية؛ إذ تنقسم المركبات الفضائية إلى فئتين رئيسيتين: أقمار «الاستشعار عن بُعد» (Remote Sensing) وأقمار «الاتصالات» (Telecommunications).
وتعمل أقمار الاستشعار عن بُعد بمثابة «العيون الرقيبة» في الفضاء؛ إذ تُزوَّد هذه الفئة بكاميرات بصرية، ومستشعرات الأشعة تحت الحمراء، ورادارات الفتحة الاصطناعية (SAR)، وذلك لأغراض التصوير المستمر ورصد سطح الأرض ومراقبة الغلاف الجوي. في المقابل، تؤدي أقمار الاتصالات، على غرار سلسلتي «ناهيد» و«ناوك»، دور محطات ترحيل الإشارات (Relay Stations)، إذ تضطلع بمهمة تعزيز بيانات الاتصالات وإرسالها.
البيانات المستقاة من أقمار الاستشعار عن بُعد لا تمثل مجرد «صور»، بل هي «معلومات» استراتيجية تُعدّ الوقود الأساسي لآليات اتخاذ القرار في مختلف القطاعات السيادية والإدارية في البلاد. وتؤدي تطبيقاتها في مجالات الزراعة الذكية، مثل مراقبة الآفات وإدارة الموارد المائية بكفاءة، وإدارة الأزمات، مثل التقييم السريع لنطاق الفيضانات والزلازل، والحوكمة القائمة على البيانات، مثل المسح العقاري «الكاداستر» ورصد تغير استخدامات الأراضي، دوراً جوهرياً لا غنى عنه في تعزيز الاقتصاد المقاوم وتحقيق الأمن القومي.
تفاصيل سلسلة أقمار «بارس»
شكّل قمر «بارس 1»، الذي يزن 134 كيلوغراماً، أول خطوة إيرانية جادة في تطوير أقمار الاستشعار عن بُعد متعددة الأطياف. وقد طُوِّر هذا المشروع بمشاركة معهد الأبحاث الفضائية وشركات قائمة على المعرفة، ليس لغرض التصوير فحسب، بل أيضاً لإجراء «اختبارات أداء» للأنظمة الفرعية المعقدة في ظروف الفضاء الحقيقية.
وفي نهاية المطاف، أُطلق القمر في مارس/ آذار 2024 بواسطة مركبة إطلاق «سويوز» من قاعدة «فوستوشني» في روسيا، ليُوضَع بنجاح في مدار على ارتفاع 500 كيلومتر عن سطح الأرض.
وزُوِّد «بارس 1» بثلاث حمولات: كاميرا متعددة الأطياف بدقة 15 متراً، وكاميرا للأشعة تحت الحمراء قصيرة الموجة بدقة 150 متراً، وكاميرا حرارية بدقة 300 متر. ومكّنت هذه التركيبة «بارس 1» من تصوير 95% من الأراضي الإيرانية في غضون أقل من 100 يوم؛ وهو إنجاز أسهم آنذاك في تعزيز قدرات إيران في الرصد الوطني على نحو لافت.
الإنجازات المدارية لقمر «بارس 1» الصناعي
بعد الإطلاق وعملية الانفصال الناجحة، أكدت الإشارات المستقبلة من القمر الصناعي السلامة التامة للأنظمة الفرعية. وقد نجحت محطتا التحكم الأرضيتان في «ماهدشت» و«قشم» في إقامة اتصال مستقر معه.
ووفقاً لتقرير منظمة الفضاء الإيرانية، جاء أداء الأنظمة الفرعية الرئيسية، وهي مصفوفات الخلايا الشمسية المصنوعة من زرنيخيد الغاليوم، ونظام شحن البطاريات، واتصالات النطاق العريض (X-Band)، متجاوزاً التوقعات الأولية. كما نجح نظام التحكم في وضعية القمر الصناعي في تنفيذ عمليات الاستقرار ثلاثي المحاور بدقة أفضل من نصف درجة.
وقد مهّد هذا النجاح في التحقق من صحة أداء الأنظمة الفرعية الطريق لتطوير الجيل التالي، أي «بارس 2»، بوتيرة أسرع وموثوقية أكبر.
التشريح الهندسي والعملياتي لقمر «بارس 2» الصناعي
يمثل قمر «بارس 2» الصناعي قفزة استراتيجية في القدرات الفضائية الإيرانية. وقد جرى تصنيعه ضمن إطار ائتلاف يضم مجموعة «صا إيران»، ومنظمة الفضاء الإيرانية، ومعهد الأبحاث الفضائية، وذلك خلال فترة زمنية مكثفة بلغت 18 شهراً، وهو ما يعد رقماً لافتاً في إدارة المشاريع الفضائية المعقدة.
وبوزن يبلغ 150 كيلوغراماً، يُصنّف «بارس 2» ضمن فئة الأقمار الصناعية الصغيرة (Mini-Satellites)، وقد صُنِع أكثر من 80% من معداته بالاعتماد على سلاسل التوريد المحلية. وتكمن الطفرة الرئيسية في حمولاته البصرية؛ إذ ارتفعت دقة الصور إلى ما بين 5/2 و3 أمتار، بفضل استخدام حمولتين متطورتين وخوارزميات دمج البيانات (Data Fusion).
علاوة على ذلك، وعلى خلاف الأجيال الأولى، جُهِّز «بارس 2» بنظام «الدفع بالغاز البارد» (Cold Gas Thruster)، ما يمنحه القدرة على المناورة المدارية، وتعويض فقدان الارتفاع الناجم عن سحب الغلاف الجوي، وإطالة عمره التشغيلي إلى 3 سنوات. وتحول هذه الميزة القمر الصناعي من مجرد جسم هائم في المدار إلى «قمر صناعي نشط وقابل للتحكم».
البنية التحتية لعمليات الإطلاق
تتبنى إيران استراتيجية مزدوجة في عمليات الإطلاق، تقوم على التعاون الدولي، مثل استخدام «سويوز» لنقل الحمولات الثقيلة، وفي الوقت ذاته تطوير الصواريخ الحاملة الوطنية، مثل «سيمرغ» و«قائم»، لضمان الاستقلال في دورة الإطلاق. غير أن الحلقة الأخيرة والحيوية في هذه المنظومة هي «قاعدة تشابهار الفضائية». فمع بلوغ نسبة التقدم في إنشائها أكثر من 80%، ستوفر هذه القاعدة، بفضل موقعها الجغرافي الفريد وقربها من خط الاستواء، إمكانية إطلاق الأقمار الصناعية في مدارات ذات ميول مختلفة. ومن شأن استكمال هذه القاعدة أن يحوّل إيران إلى مركز إقليمي لعمليات الإطلاق، بما يضمن، إلى جانب الجدوى الاقتصادية، استقلالاً كاملاً في الوصول إلى الفضاء.
آفاق المستقبل
تتضمن الخطط المستقبلية للصناعة الفضائية الإيرانية ثلاثة محاور رئيسية:
1- «بارس 3»: تصميم يستهدف تحقيق دقة تصويرية تقل عن مترين، بما يضع إيران في النادي المحدود للدول المالكة لأقمار صناعية عالية الدقة (High Resolution).
2- الأقمار الصناعية الرادارية («راد 1» و«راد 2»): تصميم يهدف إلى الرصد في مختلف الظروف الجوية، حتى في ظل الغطاء السحابي والظلام الدامس؛ وهي قدرة تعالج بصورة كاملة القيود التي تواجهها الأقمار الصناعية البصرية.
3- كوكبة «الشهيد سليماني»: تضم ما بين 20 و24 قمراً صناعياً صغيراً للاتصالات مخصصاً لإنترنت الأشياء (IoT)، بما يوفر بنية تحتية اتصالاتية مستقلة لمواجهة الانقطاعات المحتملة، ويعزز العمود الفقري للاقتصاد الرقمي في البلاد.
ويُمثّل «بارس 2» تبلوراً للنضج الهندسي الإيراني؛ فهو خطوة تنهي تبعية الدولة للبيانات الخارجية، وتمهّد الطريق لترسيخ اقتصاد قائم على البيانات، مستقل ومستدام خلال السنوات المقبلة.