* من «القمر الصناعي المنفرد» إلى «المنظومات الفضائية»
خلال العقود الماضية، هيمنت على قطاع الفضاء الأقمار الصناعية العملاقة والباهظة التكلفة. غير أن التقدم في تقنيات التصغير (Miniaturization) والأنظمة الكهروميكانيكية الدقيقة (MEMS) غيّر قواعد اللعبة. وتماشياً مع هذا التحول العالمي، أعادت إيران تعريف جزء من استراتيجيتها الفضائية؛ إذ يمثل التركيز على «المنظومات الفضائية» (Space Constellations)، المكوّنة من الأقمار النانوية والميكروية، الحل الإيراني لتحقيق تغطية أكثر استمرارية وتقليل زمن إعادة الزيارة (Revisit Time) فوق النقاط الاستراتيجية في البلاد.
*استعراض تحول فئات الأوزان واستراتيجية الإطلاق
تقف الصناعة الفضائية الإيرانية أمام مرحلة مهمة في مسار تطورها. وتشير الدراسات التقنية إلى انتقالها من مرحلة «التطوير الأولي» إلى التركيز على «الأقمار المصغرة» و«بناء المنظومات الفضائية». ويقدم هذا التقرير، عبر استعراض المعايير الدولية والسجل الإيراني الممتد على مدى عقود، صورةً دقيقةً لمسار تطور التكنولوجيا الفضائية في البلاد.
1- التصنيف القياسي للأقمار الصناعية؛ أساس المهمات الاستراتيجية
في هندسة الطيران والفضاء، تُعدّ الكتلة والأبعاد المحددين الرئيسيين لنوع مركبة الإطلاق، وتكلفة المهمة وتعقيدها. وفيما يلي التصنيف الدولي للأقمار الصناعية:
- الأقمار المتوسطة والكبيرة (أكثر من ٥٠٠ كيلوغرام): تتطلب عادةً مركبات إطلاق ذات قدرات أكبر، وعمراً تشغيلياً طويلاً (١٠-١٥ عاماً)؛ وهي مناسبة للاتصالات المستقرة بالنسبة إلى الأرض (GEO) والملاحة العالمية.
- الأقمار المصغرة (١٠٠ إلى ٥٠٠ كيلوغرام): تمثل حلاً وسطاً بين القدرات المتقدمة والتكلفة، وهي مناسبة لإنترنت الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض (LEO) والرصد الدقيق.
- الأقمار الميكروية (١٠ إلى ١٠٠ كيلوغرام): تُستخدم على نطاق واسع في مهمات إثبات التكنولوجيا والاستشعار عن بُعد واختبار الأنظمة الفرعية.
- الأقمار النانوية (١ إلى ١٠ كيلوغرامات): تشمل منصات تستند إلى إلى معايير «كيوب سات» (CubeSat)، وتستخدم في مهمات إنترنت الأشياء (IoT)، والتجارب العلمية والتكنولوجية، والتدريب.
- أقمار البيكو والفمتو (أقل من كيلوغرام واحد): أقمار صناعية شديدة الصغر لاختبار مستشعرات الأنظمة الكهروميكانيكية الميكروية (MEMS) والقياسات الواسعة.
2- السجل الفضائي الإيراني وفقاً لفئات الوزن
بدأت إيران مسارها الفضائي بالتركيز على توطين أجزاء متزايدة من دورة تطوير التكنولوجيا الفضائية.
أ) فئة الأقمار الصناعية الكبيرة والمتوسطة (أكثر من ٥٠٠ كيلوغرام):
قمر «خيام» الصناعي (٦٠٠ كيلوغرام): يُعدّ من أبرز الأقمار التي أطلقتها إيران، وقد أُطلق عام ٢٠٢٢ بواسطة صاروخ «سويوز». يتميز بكاميرات ستيريو ذات دقة تفصيلية تحت المتر الواحد لإدارة الموارد المائية والزراعية.
الرؤية الاستراتيجية: الوصول إلى المدار الثابت بالنسبة للأرض (GEO) عبر مشاريع مثل «ناهيد ٣»، إلى جانب تطوير مركبات الإطلاق فائقة الثقل «سرير» و«سروش» لحمل حمولات كبيرة تتراوح بين ٨ و١٥ طناً.
ب) فئة الأقمار المصغّرة (١٠٠ إلى ٥٠٠ كيلوغرام):
«بايا» (طلوع-٣): قمر بوزن 150 كيلوغراماً، أثقل قمر صناعي محلي للاستشعار عن بُعد؛ مجهز بالذكاء الاصطناعي لتحسين دقة الصورة ونظام دفع للمناورة المدارية.
«بارس-١»: قمر بوزن 134 كيلوغراماً؛ يتمتع بقدرة على التصوير الليلي ومراقبة كامل الأراضي الإيرانية في أقل من ٤٥ يوماً.
«ناهيد-٢»: قمر يتراوح وزنه بين 100 و١٢٠ كيلوغراماً؛ مشروع استراتيجي للاتصالات التشغيلية (نطاقات Ku وX وUHF).
«ظفر-١» و«٢»: قمران يتراوح وزنهما بين 105 و١٣٥ كيلوغراماً؛ وقد طُوّرا بواسطة بواسطة جامعة علم وصنعت (العلوم والتكنولوجيا).
«بيام أميركبير»: قمر بوزن يقارب ١٠٠ كيلوغرام، شكّل إحدى التجارب الإيرانية في مجال الاستشعار عن بُعد والتصوير متعدد الأطياف.
ج) فئة الأقمار الميكروية (١٠ إلى ١٠٠ كيلوغرام):
«أميد»: أول قمر صناعي إيراني محلي الصنع، بوزن ٢٧ كيلوغراماً، وأُطلق عام ٢٠٠٨.
سلسلة «نور» (١، ٢ و٣): أقمار استطلاع عسكرية. ويبلغ وزن «نور-٣» نحو ٣٢ كيلوغراماً، مما يدل على نضج مركبات الإطلاق التي تعمل بالوقود الصلب.
«فجر»: قمر يتراوح وزنه بين ٥٢ و٦٠ كيلوغراماً، وهو أول تجربة لاستخدام الدفع بالغاز البارد.
«مهدا»: قمر بوزن يقارب ٣٢ كيلوغراماً، استُخدم في اختبار تقنيات مرتبطة بالحمولات الفضائية.
«ثريا»: قمر بوزن ٤٧ كيلوغراماً، وارتبط إطلاقه بتسجيل ارتفاع مداري بلغ نحو ٧٥٠ كيلومتراً بواسطة مركبة «قائم-١٠٠».
أقمار ومشاريع أخرى: «نويد»، و«رصد»، و«سينا-١»، و«كوثر»، و«ناهيد-١»، و«جمران-١»، إضافة إلى مشاريع تاريخية مثل «مصباح-١» و«مصباح-٢» (التي لم تطلق رغم اكتمالها).
د) فئة الأقمار النانوية (١ إلى ١٠ كيلوغرامات):
منظومة «شهيد سليماني»: مشروع يضم ٢٠ قمراً نانوياً لإنترنت الأشياء (IoT).
«هاتف-١» و«كيهان-٢»: مشاريع مرتبطة باختبار تقنيات إنترنت الأشياء وتحديد المواقع.
«هدهد»: قمر بوزن يقارب ٤ كيلوغرامات، ويُعدّ من المشاريع التي شارك القطاع الخاص في تطويرها.
٣. الدور الاستراتيجي للبنية التحتية للإطلاق؛ المحرك الدافع للتطوير
يعتمد تطوير فئات الأوزان الأعلى اعتماداً مباشراً على قواعد الإطلاق. ولتجاوز محدوديات قاعدة «سمنان»، تم تعريف قاعدة «جابهار» الفضائية على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مخصصة لدعم مركبات الإطلاق التكتيكية التي تعمل بالوقود الصلب («قائم» و«ذوالجناح») للمدارات المتزامنة مع الشمس (SSO).
المرحلة الثانية: تهدف إلى دعم مركبات الإطلاق التي تعمل بالوقود السائل شبه الثقيلة لنشر الأقمار المصغرة.
المرحلة الثالثة: تتعلق بتطوير البنية التحتية للصواريخ فائقة الثقل (عائلة «سروش») لإرسال حمولات من الفئة المتوسطة والكبيرة إلى المدار المستقر بالنسبة للأرض (GEO). ومن شأن تشغيل هذه المنشأة، في حال اكتمال مراحلها، توسيع قدرة إيران على تنفيذ عمليات الإطلاق من أراضيها وتقليل اعتمادها على مرافق الإطلاق الخارجية.
٤. ماوراء الأقمار الصناعية: الكبسولات الحيوية والوحدات المدارية
لا تقتصر القدرات الفضائية الإيرانية على الأقمار الصناعية؛ إذ تشمل أيضاً تطوير حمولات ومركبات مرتبطة بالاختبارات الحيوية والتقنيات المدارية.
الكبسولات الحيوية: بدءاً من مستكشفات «بيشغام» و«بجوهش» وصولاً إلى الكبسولة المتقدمة «كاووس» (٥٠٠ كيلوغرام) التي أطلقت بواسطة مركبة الإطلاق «سلمان» إلى ارتفاع ١٣٠ كيلومتراً؛ وهي تمثل استعداداً لتطوير منصات الفضاء الحيوية الثقيلة.
وحدات النقل المداري («سامان»): بمثابة «قاطرات فضائية». الاختبار الناجح لـ«سامان-١» مع قمر «فخر-١» الصناعي، وتطوير «سامان-٢» (بقدرة إعادة تشغيل وإطفاء المحرك)، قد مهد الطريق لإيران للوصول إلى مدار GEO على ارتفاع ٣٦,٠٠٠ كيلومتر.
أكملت الجمهورية الإسلامية الإيرانية سلة منتجاتها الفضائية عبر الثنائية الاستراتيجية المتمثلة في «الأقمار المصغرة التشغيلية» للمراقبة، و«منظومات الأقمار النانوية» لإنترنت الأشياء. كما إن الجمع بين مركبات الإطلاق التكتيكية التي تعمل بالوقود الصلب («قائم») وتوسيع البنية التحتية الضخمة لقاعدة «جابهار» والعمل على مركبات إطلاق ذات قدرات أكبر، يعكس اتجاهاً نحو بناء قدرة فضائية أكثر استقلالية وتنوعاً.
وبذلك، لم تعد إيران تركز فقط على تطوير أقمار صناعية منفردة، بل تتجه تدريجياً نحو بناء منظومات فضائية متكاملة وتوسيع قدراتها في مجالات الإطلاق والمناورة المدارية والاستشعار والاتصالات.