تكتيك طهران في سويسرا.. تفاوض مشروط بالنتائج لا بالحوار من أجل الحوار

الوفاق/ استضاف فندق بورغنشتوك (في شبه جزيرة جبلية في وسط سويسرا) واحداً من أهم الحوارات الدبلوماسية خلال السنوات العشر الماضية. ففي هذا المكان، أجرت وفود إيران وأمريكا، بوساطة باكستان وقطر، يوم الأحد الماضي (21 حزيران 2026)، محادثات حول بنود تفعيل مذكرة التفاهم المبرمة بين طهران وواشنطن.

وقد اختير مكان انعقاد المفاوضات في منطقة مطلة على بحيرة لوسيرن في سويسرا، وهي منطقة كانت، بحكم بُعدها عن المركز، تتمتع بشروط مقبولة من حيث الضبط الأمني وتمركز قوات الحماية. كما أنها، من الناحية الدبلوماسية، كانت قد استضافت سابقاً اجتماعات مجموعة بيلدربرغ في عامي 1960 و1995، ومفاوضات السلام في السودان، ومباحثات السلام الخاصة بأوكرانيا أيضاً.

 

 

استضاف اجتماع بحيرة لوسيرن، اعتباراً من مساء السبت (20 حزيران 2026)، كلاً من رئيس مجلس الشورى الإسلامي ورئيس وفد التفاوض الإيراني محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ومعاون الشؤون الدولية في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي علي باقري كني، ومحافظ البنك المركزي عبدالناصر همتي، ونائب وزير النفط ورئيس شركة النفط الوطنية حميد بورد، ونائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، والمتحدث باسم وفد التفاوض الإيراني إسماعيل بقائي، من الجانب الإيراني. ومن الجانب الأمريكي، شارك نائب رئيس الجمهورية جي دي فانس، وستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر. ومن باكستان شارك رئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير، ومن قطر شارك رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبدالرحمن.

 

 

وكان الإصرار على جعل التفاهم والاتفاق مع أمريكا من مرحلتين يعود أيضاً إلى الأهمية التي توليها طهران للحصول على نتيجة من أي تفاعل دبلوماسي مع أمريكا. فقد بدأ الاجتماع الأول لوفدي التفاوض الإيراني والأمريكي بعد توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد، بعد ظهر يوم الأحد، وفق جدول أعمال حدّدته إيران، في وقت كانت فيه طهران، أكثر من أي شيء آخر، تسعى إلى الاطمئنان إلى تنفيذ البنود المتفق عليها في وثيقة إسلام آباد، وأهم هذه البنود هو الإنهاء الحاسم للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان.

 

 

أمّا البند المتعلق بإنهاء الحرب في لبنان، فلم يتحقق بعد بسبب استمرار النزعة الحربية لدى رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، ولذلك أصرت طهران، استناداً إلى الاتفاق الموقّع، على حسم هذا الموضوع.

 

 

بالتزامن مع حضور المفاوضين الأمريكيين في فندق بورغنشتوك السويسري، أثارت الادّعاءات الغريبة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وسائل الإعلام كثيراً من التكهنات والادعاءات. كما أن الحضور غير المنطقي للمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في اجتماع بحيرة لوسيرن كان من القضايا الأخرى التي أوجدت، وسط الأخبار المتعلقة بالمفاوضات، شائعات متعددة.

 

 

في النهاية، اختُتم هذا الاجتماع فجر الإثنين (22 حزيران 2026)، في وقت أعلنت فيه طهران عن إحراز تقدم في مسار العمل، وأكد الوفد الأمريكي ذلك أيضاً.

 

 

 رواية إيران والوسطاء لاجتماع بحيرة لوسيرن

 

 

«التزام مقابل التزام» هو خلاصة التقرير الذي قدّمه المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي عن المفاوضات الإيرانية – الأمريكية التي استمرت 18 ساعة. وأكد أنه بالنظر إلى أن البند 13 من مذكرة التفاهم ينص على أن بدء المفاوضات من أجل الاتفاق النهائي مشروط ببدء واستمرار تنفيذ البنود 1 و4 و5 و10 و11، فإن التفاهمات التي تحققت في هذا الاجتماع، لاسيما البند 1 المتعلق بإنهاء الحرب والعمليات العسكرية للكيان الصهيوني في لبنان عبر إنشاء آلية للسيطرة على النزاع بمشاركة الطرفين والجمهورية اللبنانية، وكذلك البند 10 المتعلق بصادرات النفط والمنتجات البتروكيميائية الإيرانية، والبند 11 المتعلق بالإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ستسهّل مسار تنفيذ الالتزامات المتقابلة.

 

 

كما أشار وزير الخارجية، في معرض حديثه عن وساطة قطر وباكستان، إلى عدة محاور في مفاوضات سويسرا، هي: إنهاء الحرب في لبنان، تعليق العقوبات على صادرات النفط والبتروكيميائيات، رفع الحصار البحري، الإفراج عن بعض الأصول المجمدة، وتنفيذ مشروع كبير لإعادة إعمار إيران وتنميتها اقتصادياً.

 

 

أمّا ما ورد في البيان الختامي للوسطاء في المفاوضات، فيدلّ على عدة تفاهمات محددة في هذه الجولة من المفاوضات. وبناءً على ذلك، من المقرر أن تتولى «لجنة عليا» الإشراف السياسي على مسار الوساطة. كما ستُشكّل مجموعات عمل مركزة على الملفات النووية والعقوبات والرقابة وتسوية الخلافات، وذلك لضمان التنفيذ الفعال لمذكرة التفاهم ومعالجة سائر القضايا أيضاً.

 

 

ومن بين البنود الأخرى التي أشار إليها هذا البيان: إنشاء خط اتصال بين الأطراف لمواجهة وقوع الحوادث وسوء الفهم، وضمان العبور الآمن للسفن التجارية من مضيق هرمز، وإنشاء «وحدة للسيطرة على النزاع» بين الطرفين والجمهورية اللبنانية، واستمرار الحوارات الفنية حول جميع القضايا.

 

 

 

ما الذي يجعل مفاوضات سويسرا مختلفة؟

 

 

إنّ مراجعة ما جرى في مفاوضات بحيرة لوسيرن والبيان الذي نُشر تظهر أن إيران، استناداً إلى تجارب السنوات العشر الأخيرة، وقّعت مع الطرف الأمريكي تفاهماً واتفاقاً جعلت فيه كل خطوة من جانبها مشروطة بخطوة من الطرف المقابل. وهذا مسار يُعرف باسم الاتفاق المرحلي، أو خطوة بخطوة. ونتيجة خطوات الطرفين، تكون عملية بناء الثقة تدريجية، وفي كل مرحلة، إذا شكّ أي من الطرفين في نية الطرف المقابل أو في إجراءاته، يستطيع أن يبدأ مسار التراجع عن التزاماته.

 

 

وفي هذا المسار، كان ولا يزال الطابع المرتكز على النتائج في المفاوضات أهم ما يعني الوفد الدبلوماسي الإيراني. كما أن الإصرار على جعل التفاهم والاتفاق مع أمريكا من مرحلتين يعود إلى الأهمية التي توليها طهران للحصول على نتيجة من أي تفاعل دبلوماسي مع أمريكا. فكان إنهاء الحرب على جميع الجبهات خطوة أمريكا، وإعادة حركة السفن الحرّة في مضيق هرمز خطوة إيران.

 

 

أمّا رفع العقوبات النفطية خلال فترة المفاوضات البالغة 60 يوماً، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحصار البحري على إيران، فهي خطوات كان ينبغي لأمريكا أن تقوم بها في وثيقة تفاهم إسلام آباد، فيما كانت إيران ملتزمة بإعادة حركة المرور السلسة والحرة في مضيق هرمز.

 

 

قبل بدء المفاوضات في سويسرا، وفي كل مرحلة انتُهكت فيها هذه الالتزامات من جانب أمريكا، قدّمت إيران رداً متناسباً. فعلى سبيل المثال، بالتزامن مع استمرار حالة خرق التفاهم في لبنان من جانب الكيان الصهيوني، جعلت إيران فتح مضيق هرمز مشروطاً بإنهاء الهجمات العسكرية للكيان الصهيوني في المنطقة. وبالتزامن مع عودة الهدوء إلى لبنان، جلس فريق التفاوض الإيراني إلى طاولة المحادثات، وتابع بنود تفاهم إسلام آباد مع الطرف الأمريكي وبحضور الوسطاء.

 

 

كان تعليق العقوبات على النفط والبتروكيميائيات الإيرانية أحد محاور تفاهم إسلام آباد. وبناءً على ذلك، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، خلال 24 ساعة بعد اجتماع سويسرا، أن الولايات المتحدة تسمح بإنتاج وتسليم وبيع النفط الخام والمنتجات البتروكيميائية والمشتقات النفطية ذات المنشأ الإيراني حتى 21 آب/ أغسطس 2026. وبموجب هذا الترخيص، ستكون جميع المعاملات والخدمات الضرورية لإنتاج هذه المنتجات وبيعها ونقلها مسموحة، بما في ذلك التأمين، وإدارة السفن، وتوفير الطواقم، والتزويد بالوقود، وتسجيل السفن ورفع الأعلام عليها، وعمليات الإنقاذ البحري.

 

 

وبحسب تقرير «تانكر تراكرز»، فقد جرى تفعيل هذا البند منذ لحظة توقيع تفاهم إسلام آباد بين البلدين، إذ أعلنت هذه الشركة المتخصصة في المعلومات البحرية أن إيران صدّرت خلال الأسبوع الماضي 36 مليون برميل من النفط الخام.

 

 

أمّا تصريحات المسؤولين الأمريكيين بشأن الأصول الإيرانية المجمدة، فعلى الرغم من أنها ممزوجة بالادّعاءات والتكهنات، فإنها تظهر أن موضوع الإفراج عن هذه الأموال مدرج هذه المرة، وبصورة عملية، على جدول أعمال واشنطن. كما أن توقيع مذكرة تفاهم تنفيذ الإفراج عن الأموال بين إيران وقطر يمكن تقييمه بوصفه واحداً من أهم المؤشرات على بدء تنفيذ هذا البند من الاتفاق.

 

 

إنّ مؤشرات المسار الذي بدأ في بورغنشتوك تدل على أن الطرفين يقتربان من إطار يهدف إلى عبور الأزمة الأولية والدخول في القضايا الخلافية على المستوى الفني. وبالتزامن مع بدء تنفيذ بنود مذكرة تفاهم إسلام آباد، حظي الملف النووي وخطوات إيران في هذا الملف، بوصفهما المحور الأهم للمفاوضات الممتدة 60 يوماً، باهتمام وسائل الإعلام أيضاً، كما طرح المسؤولون الأمريكيون ادعاءات بشأن تفاصيله.

 

 

وتأتي هذه الادّعاءات حول حضور مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية واتساع نطاق عمليات التفتيش، في حين أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بشأن هذا الموضوع أن «تعامل إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيستمر وفق المسار الجاري، وبما ينسجم مع قرارات مجلس الشورى الإسلامي وقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي».

 

 

أزمة الثقة.. أهمّ معضلة بين البلدين

 

 

إنّ أزمة الثقة هي أهم معضلة في العلاقات بين إيران وأمريكا، ولا سيما في مرحلة ما بعد الحرب. ومن هنا، دخلت طهران الحوار مع إدارة ترامب في أكثر حالاتها حذراً؛ وهي إدارة فرضت، خلال العام الماضي، ظروفاً صعبة على المسارات الدبلوماسية بين البلدين من خلال مواقف متناقضة وغامضة وخالية من أساس منطقي.

 

 

ويبيّن المسار الذي تشكّل في بورغنشتوك أن طهران تسعى إلى اتفاق قائم على التحقق، والمصالح الملموسة، والإنجازات القابلة للقياس؛ وهو نهج يهدف إلى تجاوز نموذج «الاتفاق على الورق» والانتقال نحو «اتفاق قائم على التنفيذ».

 

 

وفي مثل هذه الظروف، يبدو أن المفاوضات الحالية ليست اختباراً للحوار بقدر ما هي اختبار لإرادة الطرفين في تنفيذ الالتزامات والتوصل لنتائج عينية. ويبقى أن نرى هل سيتغير النموذج الحاكم في البيت الأبيض من التكتيكات المكلفة إلى استراتيجيات منطقية وأكثر دبلوماسية؛ وهو سؤال ينبغي انتظار الأيام الستين المقبلة للإجابة عنه.

 

 

 

نهاية الهيمنة الأميركية وبداية صعود القوى الإقليمية

 

 

رأى الكاتب والمحلل السياسي “إلدار ماميدوف” أن التداعيات الأبرز لمذكرة التفاهم الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة لا تقتصر على وقف المواجهة العسكرية بين الجانبين، بل تمتد إلى إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي في منطقة جنوب غرب آسيا، وسط مؤشرات على تحولات عميقة في بنية النظام الإقليمي ودور الولايات المتحدة فيه.

 

 

وفي مقالة نشرها موقع “ناشيونال إنترست”، أشار ماميدوف إلى أن التساؤل المطروح اليوم يتمثل في ما إذا كانت مذكرة التفاهم تمثل بداية مرحلة جديدة في المنطقة، تستحضر بصورة مختلفة مقاربة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، الذي اعتمد سياسة تقوم على تحقيق التوازن بين القوى الإقليمية بدلاً من الانخراط المباشر في إدارة الأمن الإقليمي.

 

 

وأوضح أن استراتيجية نيكسون المعروفة بسياسة “العمودين التوأمين” اعتمدت على كل من السعودية وإيران في عهد الشاه كركيزتين أساسيتين لحماية المصالح الأميركية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، فيما كانت واشنطن توفر الدعم السياسي والعسكري اللازم لهما. وأضاف: أن التطورات الراهنة تشير إلى نشوء نموذج مختلف، لا يقوم على الاعتماد على قوة إقليمية واحدة أو قوتين رئيسيتين، بل على شبكة أوسع من القوى الإقليمية الفاعلة التي تشارك بصورة جماعية في إدارة التوازنات الإقليمية.

 

 

ولفت الكاتب إلى أن مذكرة التفاهم الأخيرة لا تمثل اتفاقاً ثنائياً تقليدياً بين طهران وواشنطن، بل جاءت نتيجة مسار دبلوماسي متعدد الأطراف شاركت فيه باكستان وقطر بصفة وسطاء، بدعم من السعودية وتركيا ومصر وسلطنة عمان، ما يعكس تحولات في طبيعة صناعة القرار الإقليمي.

 

 

ورأى أن أحد أبرز ملامح هذا التحول يتمثل في تراجع الدور الأميركي بوصفه الجهة الوحيدة القادرة على إدارة الأمن الإقليمي، مقابل بروز نمط جديد يقوم على الشراكة مع مجموعة من القوى الإقليمية المؤثرة.

 

 

وأشار ماميدوف إلى أن الدور الذي اضطلعت به باكستان في تقريب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة يحمل دلالات استراتيجية مهمة، مؤكداً أن إعلان رئيس الوزراء الباكستاني التوصل إلى مذكرة التفاهم عكس تنامياً في أدوار القوى الإقليمية على حساب الهيمنة التقليدية لواشنطن. وأضاف: أن النظام الإقليمي الذي سعى نيكسون إلى ترسيخه كان يعتمد على حلفاء مرتبطين بشكل وثيق بالولايات المتحدة، بينما يتسم النظام الناشئ حالياً بدرجة أكبر من التعددية والاستقلالية، حيث تتعامل واشنطن مع قوى إقليمية تتقاطع معها المصالح دون أن تكون مرتبطة معها بتحالفات كاملة أو اصطفافات دائمة.

 

 

واعتبر أن الموقف الأميركي من الكيان الصهيوني عقب الإعلان عن مذكرة التفاهم يشكل أحد المؤشرات الواضحة على هذا التحول، مشيراً إلى أن الإدارة الأميركية تمسكت بموقفها الداعم للاتفاق رغم الانتقادات التي صدرت عن أوساط إسرائيلية معارضة له.

 

 

كما استشهد بتصريحات نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، التي أكد فيها أهمية الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة باعتبارها الحليف الرئيسي لـ”إسرائيل”، معتبراً أن هذه التصريحات تعكس تمسك واشنطن بأولوياتها الاستراتيجية وعدم إخضاعها بالكامل لرغبات حلفائها الإقليميين.

 

 

وأوضح ماميدوف أن عقيدة نيكسون استندت أساساً إلى قناعة بأن استمرار الانخراط العسكري الأميركي المباشر في مناطق بعيدة ينطوي على تكاليف مرتفعة لا يمكن تحملها على المدى الطويل، معتبراً أن مذكرة التفاهم الأخيرة قد تعكس توجهاً مشابهاً لدى صناع القرار في واشنطن نحو بناء نظام إقليمي أكثر استدامة وأقل اعتماداً على التدخلات العسكرية المباشرة.

 

 

وختم الكاتب بالقول: إن المؤرخين قد ينظرون مستقبلاً إلى مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة بوصفها محطة مفصلية في تاريخ المنطقة، شكّلت بداية الانتقال من مرحلة الهيمنة الأميركية الأحادية إلى مرحلة تتقدم فيها القوى الإقليمية لتولي أدوار أكبر في رسم معادلات الأمن والاستقرار.

 

 

 

المصدر: الوفاق