ونظراً لاتساع رقعتها الجغرافية، وما تواجهه من أزمات بيئية مثل هبوط التربة (الخسف الأرضي)، فضلاً عن الاحتياجات الأمنية لرصد الحدود، تبرز حاجة ماسة لدى إيران إلى بنية تحتية محلية للاستشعار الراداري عن بُعد؛ إذ يمثل الاعتماد على بيانات الأقمار الاصطناعية الأجنبية “كعب أخيل” معلوماتياً للبلاد في ظل ظروف العقوبات. وفي هذا الإطار، وضعت وكالة الفضاء الإيرانية والجهات المتعاونة معها تطوير فئة أقمار راد “راد-1 وراد-2” على رأس أولوياتها.
الأسس الفيزيائية والمبادئ الهندسية للأقمار الاصطناعية الرادارية
تعتمد تكنولوجيا الاستشعار عن بُعد الراداري على موجات الميكروويف؛ حيث تُصنف هذه الأنظمة بأنها “أنظمة استشعار نشطة”، بمعنى أنها تمثل مصدر الطاقة ذاته، إذ تقوم بإرسال نبضات من موجات الميكروويف نحو الأرض، ثم تعمل على تسجيل الإشارات المرتدة عنها. وتتشكل الصورة النهائية من خلال حساب قوة الإشارة المرتدة وفترة التأخير الزمني الخاصة بها.
تحديات القدرة التحليلية المكانية وهندسة رادار الفتحة الاصطناعية
في الرادارات ذات الفتحة الحقيقية، تعتمد القدرة التحليلية المكانية في اتجاه حركة القمر الاصطناعي على طول الهوائي. ووفقاً لقوانين الفيزياء، فإن تحقيق قدرة تحليلية بمقدار متر واحد على مسافة عشرة كيلومترات، ضمن النطاق X-band، يتطلب هوائياً يصل طوله إلى 300 متر، وهو أمر يستحيل استقراره في الفضاء.
ولمواجهة هذا التحدي، تم تطوير تكنولوجيا “رادار الفتحة الاصطناعية” (SAR). تعتمد هذه التقنية على استغلال حركة القمر الاصطناعي في مداره لمحاكاة هوائي افتراضي ضخم. ومن خلال عمليات المعالجة الرقمية المتقدمة، وتسجيل طور الموجات وسعتها، يتم إنتاج صور عالية الدقة ومستقلة عن ارتفاع طيران القمر الاصطناعي.
تحليل نطاقات التردد في الأقمار الاصطناعية الرصدية
يُعدّ الطول الموجي أو تردد العمل في تصميم الأقمار الاصطناعية الرادارية المحدد الأساسي لمدى نفاذ الموجات عبر طبقات الغلاف الجوي والغطاء النباتي والتربة. كما تُعد “استقطابية الموجات” (مثل HH وVV وHV وVH) معياراً جوهرياً آخر، حيث توفر معلومات قيمة حول خشونة السطح ومستويات الرطوبة وهندسة المنشآت.
التطبيقات البيئية؛ ورصد المناخ وإدارة الأزمات
تتيح تقنية “تداخل الرادار” (InSAR)، من خلال مقارنة فرق الطور في الإشارات عبر صور متعددة الأوقات، إمكانية قياس تحركات القشرة الأرضية بدقة مليمترية. وتُعدّ هذه الأداة بالغة الأهمية لرصد هبوط التربة (الخسف الأرضي)، وحركة الصدوع الزلزالية، والانهيارات الأرضية. علاوة على ذلك، وفي حالات الأزمات مثل الفيضانات حيث تغطي الغيوم السماء بالكامل، تعمل هذه الأقمار على رسم خرائط دقيقة وشاملة لمساحات الفيضانات.
التطبيقات الدفاعية والاستخباراتية والحروب القائمة على الشبكات
تُعدّ أقمار (SAR) في العقائد العسكرية أداة لا غنى عنها لعمليات الاستطلاع والمراقبة والاستخبار (ISR)؛ إذ تتيح هذه الأنظمة إمكانية التصوير للقواعد العسكرية، وتمركز القوات، والمنشآت الحيوية في أوقات الليل والنهار على حد سواء. ومن أبرز التطبيقات الأمنية لهذه التكنولوجيا، القدرة على رصد “السفن المظلمة”؛ وهي السفن التي تطفئ أنظمة الإرسال الخاصة بها للقيام بأنشطة غير قانونية، عبر رصد الانعكاسات الرادارية الشديدة الناتجة عن هياكلها المعدنية في عرض البحر.
الدول المالكة لأكبر الأقمار الاصطناعية الرادارية في العالم
نظراً للتعقيدات الهاردويرية والسوفتويرية، ظلت تكنولوجيا (SAR) الفضائية حكراً على القوى العظمى لسنوات طويلة. ومع ذلك، أدى ظهور نهج “الفضاء الجديد” (New Space) التجاري إلى كسر احتكار هذا المجال. وفي الوقت الراهن، تتصدر كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين واليابان والهند وكندا وأوروبا هذا المضمار.
استعراض لأكبر مشاريع رادار الفتحة الاصطناعية في العالم
إلى جانب توجه الشركات الخاصة نحو تصغير حجم الأقمار الاصطناعية، مثل شركة ICEYE الفنلندية، لا تزال هناك مشاريع علمية ضخمة تهيمن على الفضاء. ويُعدّ مشروع “نيسار” (NISAR) – وهو مشروع مشترك بين وكالة “ناسا” والهند – أكبر مشروع راداري في العالم، بميزانية تبلغ 5/1 مليار دولار، وهو مجهز بهوائي شبكي يصل طوله إلى 12 متراً، ويعمل بالتزامن باستخدام النطاقين (L) و(S). كما تقوم منظومة “سنتينل-1” (Sentinel-1) التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية بنشر كميات هائلة من بيانات الرادار ضمن النطاق C بشكل يومي.
الاحتياجات الاستراتيجية والعقيدة الفضائية الإيرانية في مجال (SAR)
- أزمة هبوط التربة في السهول: “الزلزال الصامت” وضرورة الرصد الراداري
لقد وضعت التغيرات المناخية والاستنزاف الجائر للمياه الجوفية إيران في مواجهة تحدي هبوط التربة (الخسف الأرضي). وتُعد تقنية (InSAR) الحل العملياتي الوحيد للرصد المتكامل لهذه الأزمة على المستوى الوطني؛ إذ سجلت البيانات الرادارية معدلات حرجة لهبوط التربة في مختلف السهول.
إن استقرار منظومة أقمار اصطناعية رادارية محلية الصنع من شأنه أن يتيح الرصد المستمر وتقديم إنذارات مبكرة، بما يضمن حماية البنى التحتية الحيوية للبلاد.
- العقيدة الدفاعية وهندسة الاستطلاع عن بُعد (Standoff)
يعود الدخول الجاد لإيران في تكنولوجيا (SAR) إلى عملية إسقاط الطائرة المسيرة الأمريكية من طراز (RQ-170) في عقد 2010؛ حيث أدت الهندسة العكسية لرادار (SAR) الخاص بهذه المسيرة إلى تطوير رادار “إبصار” المحمول جواً في عام 2016، والذي أتاح إمكانية التصوير عن بُعد (Standoff) دون الحاجة لاختراق المجال الجوي للعدو. ومع ذلك، ونظراً للمحدودية التي تفرضها الطائرات بدون طيار، فقد وُضع نقل هذه التكنولوجيا إلى المدار الأرضي عبر أقمار اصطناعية محلية على رأس الأولويات، وذلك لضمان رصد غير محدود للتحركات الإقليمية.
المواصفات الفنية والوضع التنفيذي للقمر الاصطناعي “راد-1”
يُمثل القمر الاصطناعي “راد-1” نقطة الانطلاق والبرهان التقني لإيران في مجال تكنولوجيا (SAR) الفضائية. وقد أُعلن أن دقة القدرة التحليلية لهذا القمر تبلغ 50 متراً. ورغم أن هذه الدقة تُعد أساسية عند مقارنتها بالنماذج العالمية المتقدمة، إلا أن تحقيق المعرفة في تصميم الهوائيات الميكروويف، وتأمين الطاقة، وتطوير خوارزميات المعالجة في ظل ظروف العقوبات، يُمثل إنجازاً استراتيجياً محورياً. ويخضع هذا القمر حالياً لمرحلة التجميع والتركيب النهائي بالتعاون بين مؤسسة أبحاث الفضاء، وشركة “صاایران”، والشركات القائمة على المعرفة.
رؤية القمر الاصطناعي “راد-2”
بالتوازي مع “راد-1”، بدأت مؤسسة أبحاث الفضاء الإيرانية بتصميم جيل أكثر تقدماً تحت مسمى “راد-2”. وتتمثل الميزة الرئيسية لـ”راد-2″ في رفع دقة التصوير من 50 متراً إلى 20 متراً، مما ينقل القدرة على تمييز المعالم الحضرية ورصد البنية التحتية للنقل والمنشآت العسكرية إلى مرحلة أكثر فاعلية من الناحية العملياتية. ويجري المشروع حالياً في مرحلة تصميم الحمولة الرادارية والدراسات المفاهيمية.
مركبات الإطلاق ووحدات النقل المداري
نظراً للكتلة العالية للأقمار الاصطناعية الرادارية، فإن تشغيلها يتطلب مركبات إطلاق قوية ووحدات نقل مداري متطورة. إن تطوير مركبات الإطلاق التي تعمل بالوقود الصلب مثل “قائم-100”، وتصميم “وحدة النقل المداري سامان-1” لنقل الأقمار الاصطناعية إلى مدارات أعلى، جنباً إلى جنب مع قاعدة “تشابهار” الفضائية، قد ساهم في استكمال سلسلة الوصول الإيرانية لإطلاق الأقمار الاصطناعية الأثقل وزناً من سلسلة “راد”.
الخلاصة:
إنّ التحول الاستراتيجي الإيراني من التكنولوجيا البصرية إلى تكنولوجيا رادار الفتحة الاصطناعية (SAR) يضطلع بدور لا يمكن استبداله في رصد هبوط التربة في السهول وتطوير بنية الاستطلاع الدفاعي.
إن التخطيط للقمر “راد-1” بدقة 50 متراً، وتصميم “راد-2” بدقة 20 متراً، يبشر بإنهاء الاحتكار الأجنبي للبيانات الرادارية، ويُعدّ خطوة كبرى نحو الرقابة المستقلة على الموارد السيادية والأمن القومي للبلاد.