فاطمة فنيش كاتبة ومستشارة في التربية والإدارة
مما سمعته على لسان أحد الذين تشرّفوا بالتعمم على يد القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض): «كنت أحسب السيد القائد شابًا، حتى التقيته عن قرب! رجلٌ طاعن في السنّ؛ لكنّه بهمّة الشباب! لقد ازددت حبًا له».
عند الحديث عنه، تتداعى إلى المخيّلة مجموعة من الصور والمقاطع المصوّرة: ضاحكًا ممتشقًا البارودة، ممازحًا طفلًا أو شابًا، حاملًا كتابًا. ثمّ تتصاعد الصور تباعًا عبر مراحل عمره، فتراه باكيًا على الإمام الحسين(ع)، أو منكبًا على القرآن، ثم تشعّ أكثرها لطافة، تلك التي يكون فيها متوسّطًا مجموعة من الفتيات الصغيرات المتجلببات بالشادور الأبيض المنقوش بالأزهار الملوّنة.
أعترف أنني لم أكن في بدايات عمري من الذين فهموا الإمام الشهيد، فقد أحاطت به في لبنان مجموعة من السجالات والنقاشات الفقهية والسياسية، والتي ساهمت بطريقة أو بأخرى في فتح باب المعرفة لديّ. بدأت بالبحث والمتابعة، وانطلقت من سير حياته، ومحطات نشاطاته اليومية، وبعض خطبه. أذكر أن أول مرّة جذب فيها قلبي كانت إثر مرض ألمّ به، حيث وقفتُ مليًا على بعض سمات شخصيته الملهمة كالبسمة التي لم تفارق وجهه رغم التعب، والإصرار الحثيث على متابعة عمله ولقاءاته، بل حتى آداب الطعام لديه واهتمامه بالقيام ببعض الأمور بنفسه من دون كلل. سماتٌ شابهت سمات الصالحين والمتّقين، وسمحَت بفتح باب المحبّة على مصراعيه.
ثم أن هذه الصور والمحطات أشرقت في الفكر لتُكوّن لديّ المعنى العمليّ للفتوّة. ذلك المفهوم المنبثق من شخصية الإمام عليّ(ع)، الفتى الأول والاعظم في التاريخ. وما بين عليّ وعليّ، نسبٌ ووراثة واقتداء.
وتحضر الفتوّة فيه في كونه شخصية مركّبة من عناصر متنوعة ومتباينة في آنٍ واحد، فهو الرياضي والعابد، والعطوف والحازم، والحاكم والزاهد، والعارف العالم الممسك بزوايا الفقه والفلسفة والأدب والشعر والفنون والعلوم التطبيقية والعسكر والسياسة، ليكون الشخصية الجامعة التي تمكنت بفضل سعة اطلاعها من إبراز منهج قيادي حديث، يندر أن تجده في التاريخ. وانطلاقاً من مسار حياته، خلصتُ إلى استنباط أربعة عناوين مرتبطة بمعاني الفتوّة: فتوة الحياة، فتوّة السلوك، فتوّة الإرادة، وفتوّة الفكر.
أولاً: فتوة الحياة
تتجلّى فتوّة الحياة في التواضع العملي الذي حرص على الالتزام به في كافة جوانب حياته، من الملبس والمسكن ورفضه للمظاهر البروتوكولية في العديد من المواقف، وإصراره على التماهي مع الحياة اليومية للناس، بل التواجد معهم والاتصال الدائم بهم، فلم يجسّد السلطة بقدر ما جسّد القيادة المتواضعة الرسالية التي تحتضن وتواسي وتزور وتستقبل وتوجّه وتساند وتُلهم وتكون على مسافة قريبة من الاطفال والشباب والرجال والنساء والشيوخ.
ثانيًا: فتوة السلوك
التي تتجلى في الأبعاد الأخلاقية لفكره وسلوكه، حيث يوصي بممارسة الإسلام في ضوء الأخلاق العملية ومسار التكامل الإنساني، على صعيد الفرد والأسرة والمجتمع. وكان في ذلك نموذجًا عمليًا وقدوة صادقة للتراحم والمروءة والعفو.
ويستوقفني حديثه عن محورية الأسرة، وتأكيده على دور أفرادها في مسار التكامل الفردي والمجتمعي، واهتمامه البالغ بالمرأة وتعظيم مقامها ليس بالقول فقط، بل بالفعل والتشريع والتوصيات. وما نراه من تقدم وحداثة في النظرة إلى المرأة وإشراكها في كافة جوانب حياة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وصولاً لمراكز القرار ليس إلا دليلاً على النهضة السلوكية والأخلاقية، والتي شكلت نقطة انطلاق لإعادة صياغة واقع الأمّة لا الجمهورية الإسلامية فحسب.
ثالثاً: فتوة الموقف والإرادة
المتمثلة بالثبات على الحق والمبادئ حيث كان يكرر في خطاباته ومواقفه أنه جزء من مشروع حضاري، لا مجرد نظام سياسي ينتهي بذهابه. وقد عمل على تثبيت مبدأ المقاومة كخيار استراتيجي، مبدأ لم يسبق لأي نظام في العالم أن عمل به، نجده يحمله كشعار وأصل ومسار ثابت صبغ مؤسسات الجمهورية الإسلامية ومواقفها وخططها الاستراتيجية. ولسنا هنا بصدد التذكير بدعم الجمهورية الإسلامية لحركات التحرر والمقاومة في العالم، والتي انتهت إلى شهادته المباركة، ناشطًا في مكان عمله صلبًا غير متوارٍ ولا مختبئ! وهل يكون غير ذلك؟ وهو الذي أعلن مبكرًا : «أنا ثوري ولست دبلوماسيًا».
رابعًا: فتوة الفكر
من الاهتمام الخاص بالقرآن والسعي العملي لترسيخ علاقة المجتمع به إلى الإبداع في طرح مفهوم جهاد التبيين وإحياء دور كل فرد في مواجهة التضليل وترسيخ القيم، إلى التحليل الاستراتيجي العميق لحركة الرسالة المحمدية عبر مفهوم «انسان بعمر 250 سنة»، شكّل القائد الشهيد ثروة فكرية ومعرفية لم تبقَ محصورة في الكتب واللقاءات، بل تحولت إلى منهج عملي ظهر في الاعلام والفن والأنشطة الثقافية والعلوم والمأسسة والمواقف المحلية والدولية.
إن شهادته المباركة واندلاع الحرب الأخيرة، وظهور جزء من اقتدار الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ليس إلا إثباتاً مهمّاً على أنه قد بنى هذه الدولة للمستقبل لا الحاضر. وللآتي البعيد لا الآتي القريب، وللانتظار لا الركود. وهنا تبرز أعمق معاني فتوة الفكر، بوصفها حركة تتجاوز التفكير الاستراتيجي إلى ما هو أبعد وأعمق منه.
أربع فتوّات في رجل، لا يمكن اختزاله فيها. وعمرٌ مديد من العطاء والعمل والتكامل والتأثير والتأسيس والتثبيت، عبَقَ بالايمان والعلم والمعرفة والحزم والعمل الدؤوب، وظلّ يعبق حتى وصل إلى ذروة الامتلاء الانساني ففاض بالشهادة، ليغدو حين قارب التسعين «الفتى الذي لم يجد المشيب إليه سبيلا».
