لم تعد قضية حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس أبراهام لينكولن» مجرد قصة عن سفينة أمضت أشهرًا طويلة في البحر، بل تحولت إلى نافذة تكشف أزمة أوسع في الاستراتيجية البحرية الأمريكية. فانتشارها الطويل في غرب آسيا يعكس محاولة واشنطن الحفاظ على وجود عسكري ضخم في أكثر من جبهة، رغم تصاعد الضغط على الأسطول وطواقمه وتراجع هامش المناورة أمامه. وبينما تسوّق واشنطن استمرار «لينكولن» كدليل على القوة والجاهزية، يكشف الانتشار الطويل الثمن الحقيقي لهذه السياسة: استنزاف السفن والطواقم، وتأخير الصيانة، واختبار قدرة الولايات المتحدة على مواصلة انتشارها العالمي من دون انهاك قوتها بنفسها.
تمديد الانتشار يضغط على جاهزية الأسطول
أمضت « لينكولن» أشهرًا طويلة في البحر، لكنها لم تعد مجرد حاملة تنفذ مهمة استثنائية؛ بل أصبحت مثالًا على أزمة أوسع في إدارة القوة الأمريكية. فواشنطن تريد إبقاء حاملاتها في غرب آسيا، بالتوازي مع التزاماتها في المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا، بينما تحتاج الحاملات نفسها إلى الصيانة والراحة وإعادة التجهيز. والانتشار التقليدي الذي يدور حول سبعة أشهر أصبح يتعرض للتمديد بصورة متكررة، حتى اقترب متوسط انتشار حاملات نورفولك الأخيرة من تسعة أشهر. وعندما لا تتوافر حاملة بديلة، يصبح تمديد المهمة هو الحل، فتتحول المرونة العسكرية التي تتحدث عنها واشنطن إلى استنزاف متراكم يهدد جاهزية الأسطول.
فورد سبقت لينكولن.. والرقم القياسي ينقلب على واشنطن
قبل أن تتحول «لينكولن» إلى رمز للانتشار الطويل، سجلت «جيرالد آر. فورد» انتشارًا بلغ 326 يومًا، أي قرابة 11 شهرًا، وهو الأطول لحاملة طائرات أمريكية منذ حرب فيتنام. وقدمت البحرية الأمريكية هذا الانتشار بوصفه إنجازًا يثبت قدرة السفينة وطاقمها على مواصلة العمليات في ظروف استثنائية، لكن الرقم نفسه يكشف الوجه الآخر للقصة: كلما طال الانتشار، زاد الضغط على دورة الصيانة والجاهزية والطواقم. والأهم أن هذا لم يعد استثناءً منفردًا؛ إذ تشير بيانات USNI إلى أن تمديد انتشار حاملات نورفولك تجاوز الخطة التقليدية بشكلٍ متكرر، مع متوسط يقارب تسعة أشهر منذ أواخر 2021. وهكذا يتحول ما تقدمه واشنطن كإنجاز إلى سؤال عن قدرة الأسطول على الاستمرار.
ترامب يريد المزيد.. والبحرية تدفع الفاتورة
وسط الجدل حول طول مهمة «لينكولن»، قال دونالد ترامب إن انتشار الحاملة «لم يكن طويلًا بما يكفي تقريبًا»، وهي عبارة تختصر أولوية سياسية واضحة: استمرار الضغط العسكري حتى لو طال الانتشار. لكن المشكلة أن كلفة القرار السياسي لا يتحملها البيت الأبيض وحده؛ فكل يوم إضافي في البحر يعني استهلاكًا أكبر للسفينة والطائرات والطاقم وتأخيرًا في دورة الصيانة. وهنا تظهر الفجوة بين الحساب السياسي والحساب العسكري: واشنطن تنظر إلى الحاملة كأداة ضغط، بينما تنظر البحرية إليها كمنظومة لها حدود تشغيلية وبشرية ومادية. وبالتالي، فإن تمديد المهمة قد يخدم الهدف الآني، لكنه يضيف فاتورة إلى الجاهزية المستقبلية.
واشنطن تريد كل الجبهات.. والأسطول لا يكفي
المشكلة الأساسية ليست أن الولايات المتحدة تفتقر إلى التكنولوجيا أو الأسلحة، بل أن التزاماتها العسكرية تتوسع أسرع من قدرتها على تدوير قواتها. فهي تريد قوة ضاربة في غرب آسيا، وحضورًا في المحيطين الهندي والهادئ، واستعدادًا لأزمات أخرى في أوروبا ومناطق مختلفة. لكن الحاملة ليست مجرد قطعة يمكن تحريكها على الخريطة؛ تحتاج إلى آلاف البحارة، وصيانة دورية، وطائرات وقطع غيار، وفترات تدريب واستعادة للجاهزية. لذلك فإن زيادة الانتشار لا تعني بالضرورة زيادة القوة، بل قد تعني استهلاك القوة نفسها. وكل حاملة تُمدد مهمتها أو تُنقل من منطقة إلى أخرى قد تترك وراءها فجوة جديدة تحتاج واشنطن إلى سدها.
جورج واشنطن.. نقل الأزمة بدل حلها
عندما احتاجت واشنطن إلى تخفيف الضغط عن «لينكولن»، اتجهت إلى إرسال «يو إس إس جورج واشنطن» من المحيط الهادئ نحو غرب آسيا. ظاهريًا تبدو الخطوة تبديلًا طبيعيًا، لكنها تكشف محدودية الخيارات الأمريكية، فلم تضف عملية نقل الحاملة البديلة قوة جديدة إلى الأسطول، بل أعادت واشنطن توزيع القوة الموجودة لديها. وقد أدى هذا التحرك إلى مخاوف بشأن الوجود الأمريكي في المحيط الهادئ، لأن نقل حاملة إلى غرب آسيا يعني تقليص التغطية الأمريكية في منطقةٍ أخرى. وهنا تظهر المفارقة: القوة التي تريد واشنطن إبقاءها في كل مكان تجد نفسها مضطرة إلى سحبها من مكان لتغطية مكان آخر.
الصيانة المؤجلة.. والبحارة يدفعون الثمن
خلف صورة حاملات الطائرات كرمز للقوة توجد مشكلة أقل ظهورًا: الاستنزاف البشري والمادي. فكل يوم إضافي في البحر يعني ساعات تشغيل أكبر للمحركات والطائرات والمعدات، ويزيد الضغط على الصيانة التي تحتاجها السفينة للحفاظ على جاهزيتها. وإذا عادت الحاملة وهي بحاجة إلى إصلاحات كبيرة، فقد تغيب عن الخدمة لفترة أطول، ما يضغط على الحاملات الأخرى ويزيد احتمال تمديد مهامها. أما البحارة، فهم الأكثر تحمّلاً لكلفة هذا التمديد؛ إذ تحدثت تقارير عن ضغوط نفسية ومعيشية ومشكلات في الإمدادات والمرافق على «لينكولن»، فيما ردت البحرية بأن بعض هذه الصورة مبالغ فيها وأن الطاقم يواصل أداء مهمته. لكن الثابت أن القرار بالتمديد يصدر من القيادة، بينما يتحمل البحار أثره مباشرة.
11 حاملة.. والأسطول الأمريكي يختنق تحت ضغط الانتشار
تمتلك الولايات المتحدة 11 حاملة طائرات نووية، لكن هذا الرقم لا يعني أن جميعها جاهزة للعمليات في الوقت نفسه. بعضها يكون في الصيانة، وبعضها في التدريب، وبعضها في الانتشار، ما يجعل القوة المتاحة فعليًا أقل من الرقم الاسمي. وقد حذرت تحليلات بحرية أمريكية سابقة من أن سوء إدارة دورات التدريب والصيانة والانتشار يمكن أن يجعل الأسطول أكثر هشاشة وأقل قدرة على مواجهة التهديدات الكبرى. ومع تكرار التمديدات ونقل الحاملات بين المناطق، تصبح واشنطن أمام معادلة صعبة: كلما وسعت انتشارها، زادت الضغوط على القوة التي تعتمد عليها للحفاظ على هذا الانتشار.
القوة الأمريكية تتآكل من الداخل
في النهاية، لا تكمن المشكلة في «لينكولن» وحدها، ولا في حاملة طائرات بعينها، بل في النموذج العسكري الأمريكي القائم على انتشار عالمي واسع والتدخل في أزمات متعددة في الوقت نفسه. واشنطن تريد أن تحافظ على نفوذها في آسيا وغربها خاصةً وأوروبا، وتستخدم حاملاتها كأدوات ضغط وردع، لكنها تصطدم بحدود لا تستطيع تجاوزها: السفن تحتاج إلى صيانة، والطواقم تحتاج إلى راحة، والطائرات تحتاج إلى إعادة تأهيل، والأسطول يحتاج إلى وقت لاستعادة جاهزيته. ومع كل تمديد، لا تختفي الكلفة، بل تنتقل إلى المرحلة التالية.
والأخطر أن واشنطن تبدو وكأنها تعالج أزمة الانتشار بمزيد من الانتشار: تمدد مهمة حاملة، ثم تنقل أخرى من منطقة إلى أخرى، فتسد فجوة وتفتح أخرى. وهنا يظهر التناقض الأمريكي: دولة تريد أن تبدو قادرة على التدخل في كل مكان، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في إبقاء قواتها جاهزة في كل مكان. وهكذا يتحول التمدد العسكري الأمريكي إلى فخٍّ مُكلف؛ فكلما وسّعت واشنطن جبهاتها، أرهقت أساطيلها وضيّقت هامش مناورتها، لتدفع ثمن هيمنتها من قوتها ذاتها.