ووسط الخيوط السياسية المعقدة، وملفات المصير المتشابكة اقليميا، يُطرح السؤال عن الإرث الذي تركه القائد الشهيد (رض) حاضرا في كل نقاشٍ يستشرف مستقبل المنطقة، ومن هذا المنطلق، كان لوكالة انباء الجمهورية الاسلامية (إرنا) حوار مع الشيخ عبدالله الصالح، نائب الأمين العام لجمعية العمل الإسلامي البحرينية، حول الظروف الجيوسياسية، والفتاوى التاريخية، والأبعاد الروحية والاجتماعية التي نسجت مسيرة القائد الشهيد، وأثرت في وجدان الأمة ومكوناتها.
* إدارة الأزمات
ويرى الشيخ عبدالله الصالح أن الإرث الجيوسياسي للقائد الشهيد لا يمكن اختزاله في لحظة سياسية عابرة، بل هو منهجٌ امتد لعقود، واستطاع القائد الشهيد من خلاله ترسيخ مكانة إيران كفاعل مؤثر في المعادلات الإقليمية، عبر تبني سياسة تقوم على بناء شبكة من الحلفاء الإقليميين ضمن “محور المقاومة”، مع التركيز على الاستقلال عن النفوذ الغربي وتعزيز القدرات الدفاعية والعسكرية الايرانية.
وأشار إلى أن هذه السياسة مكّنت إيران من توسيع نفوذها في ملفات المنطقة، لكنها في الوقت نفسه أسهمت في زيادة الاستقطاب الإقليمي وفرضت أعباء اقتصادية نتيجة العقوبات والتوترات المستمرة.
وفي سياق إدارة الأزمات الاقليمية، أوضح أن السياسة الإيرانية اتسمت بالاستمرارية والاعتماد على أدوات متعددة، من دبلوماسية إلى تحالفات إقليمية ودعم القوى المتحالفة. ففي العراق، وسعت علاقاتها مع القوى السياسية بعد 2003، وفي اليمن دعمت أنصار الله سياسياً، بينما أكدت تأييدها السياسي لفصائل المقاومة الفلسطينية في “طوفان الأقصى” دون مشاركة مباشرة.
وفي ضوء ذلك، ختم الشيخ الصالح قوله بهذا السياق: يظل إرث القائد الشهيد من أكثر الملفات إثارة للنقاش في السياسة المعاصرة، نموذجا في ترسيخ النفوذ الاقليمي والاستقلال الستراتيجي.
*الفتوى التاريخية
وأشاد هذا الباحث الاسلامي البحريني بالفتوى التاريخية التي أطلقها الامام الخامنئي (رض)، والتي تحرّم الإساءة إلى رموز ومقدسات أهل السنة، مما لاقى اهتماما واسعا في الاوساط الاسلامية، معتبرا أن الفتوى تمثل خطوةً رائدةً في مسار الوحدة الإسلامية، وتؤسس لخطاب ديني يرفض التحريض الطائفي ويعزز التعايش.
واردف، ان هذه الفتوى شكلت مرجعاً دينياً مهماً للباحثين والعلماء، وغطاءً فكرياً لمواجهة الجماعات المتطرفة كتنظيم داعش، الذي استهدف مختلف المكونات الدينية والمذهبية في العراق وسوريا؛ لافتا الى أن “الحد من الاحتقان الطائفي يحتاج، فضلا عن الفتوى والخطاب الديني، سياسات شاملة تعزز المواطنة وسيادة القانون وإشراك المكونات كافة في العملية السياسية”.
*مراسم تشييع الامام الشهيد في العراق
وفي مشهد يعكس عمق العلاقة العقائدية بين الشعبين العراقي والإيراني، رأى الشيخ الصالح أن إقامة مراسم التشييع في العتبات المقدسة بالنجف الاشرف وكربلاء المقدسة، تحمل دلالات روحانية عميقة تتجاوز البعد البروتوكولي؛ فهي تعكس الارتباط التاريخي العقائدي والوجداني بين أتباع المذهب الشيعي في مختلف البلدان، وبخاصة بين العراق وإيران.
واضاف: ان هكذا مناسبات تبرز الروابط التاريخية والدينية الممتدة لقرون، وتؤكد أن العلاقات بين الشعبين الايراني والعراقي لا تقتصر على التعاون السياسي، بل تستند إلى موروث ثقافي مشترك وزيارات دينية مليونية كزيارة الأربعين، وهو ما يعكس تلاحما روحيا وشعبيا حقيقيا.
*حضور العشائر العراقية في مراسم التشييع
أما بالنسبة لحضور رايات العشائر العراقية في مراسم العزاء والتشييع والوداع مع الامام الشهيد، فرأى هذا العالم الاسلامي البحريني أن الحضور الحماسي الذي شوهد هو امتداد لتقاليد عشائرية متجذرة تقوم على التضامن في المناسبات الوطنية والدينية، معتبرا ان الرسالة الاجتماعية والثقافية التي تود القبائل إيصالها تتمثل في قيم الوفاء والتكافل والتلاحم الاجتماعي، وتأكيد استمرار الدور الاجتماعي للعشائر بوصفها مكوناً تاريخياً فاعلاً في المجتمع العراقي.
كما لفت إلى أن قراءة هذا الحضور قد تختلف باختلاف المواقف السياسية، فبعض المراقبين قد يرونه رسالةً تدعم المحور السياسي والديني القائم، بينما يرى آخرون أنه لا يمثل بالضرورة المجتمع العراقي بكل مكوناته، الذي يتسم بتنوعاته السياسية والدينية المتعددة.
*القيم الأخلاقية
وعن القيم الاخلاقية في خطاب الامام الشهيد، أشار الشيخ الصالح إلى أن العديد من الشخصيات الدينية وشيوخ العشائر العربية ينظرون إلى الامام الخامنئي (رض) من منظومة قيم أخلاقية واجتماعية، تتجسد في مواقفه المعلنة تجاه القضايا العادلة، وفي مقدمتها دعم القضية الفلسطينية ورفض الهيمنة الخارجية والدعوة إلى مساندة الشعوب التي تتعرض للحروب أو الاحتلال.
وأوضح أن قيم الشهامة والوفاء ونصرة المظلوم، الراسخة في الثقافة العشائرية العربية، وجدت صدى في خطابه، مما عزز مكانته لدى شرائح من المجتمعات العربية التي تتبنى رؤى متقاربة بشأن قضايا المنطقة؛ مضيفا انه ومن هذا المنطلق، ينظر الكثيرون إليه بوصفه شخصية تتجاوز حدود الدولة القومية الجغرافية، ويصفونه بأنه قائد ذو تأثير يتعدى الإطار الوطني.
*الإسهامات الفكرية والدينية
وفي حصاد الإرث الفكري للقائد الشهيد، أوضح الصالح أن سماحته قدّم إسهامات بارزة، أبرزها التأكيد على الوحدة الإسلامية، ودعوته الى تجاوز الخلافات المذهبية بين المسلمين حكومات وشوعبا، والتركيز على القضايا المشتركة كالقضية الفلسطينية ومواجهة التطرف. كما حرص على تعزيز الاستقلال السياسي والثقافي والعلمي للدول الإسلامية، مع الاهتمام بالتقدم العلمي والتكنولوجي باعتباره ركيزةً للقوة والنهضة في العالم الاسلامي.
وعدَّ نائب أمين عام جمعية العمل الإسلامي فتوى الامام الشهيد بتحريم الإساءة إلى رموز أهل السنة من أبرز المواقف التي استشهد بها أنصاره، إلى جانب دعوته إلى الحوار الإسلامي ونبذ خطاب الكراهية والتكفير؛ مؤكدا على أن هذه الفتوى مثّلت مرجعية دينية مهماً في سياق الأزمات التي شهدتها المنطقة، وخاصة في العراق وسوريا حيث وفّرت غطاءً فكرياً لمواجهة الجماعات المتطرفة التي راهنت على تغذية النزعات المذهبية.
وفي مواجهة التحديات المعاصرة، توقف الشيخ عبدالله الصالح عند أطروحات القائد الشهيد التي تناولت قضايا العولمة، والهوية الثقافية، والعقوبات الاقتصادية، ودور الشباب، والذكاء العلمي والتقني، مشيراً إلى أن الرؤية الخامنئية كانت قائمة على المواءمة بين الأصالة الدينية ومتطلبات العصر، مع الحفاظ على الثوابت في سياق متغير.
وبوجه عام، خلص الشيخ الصالح بالقول في هذا الشأن: ان ابرز الاثر الفكري للامام الشهيد يتمثل وفق مختلف القراءات في حضوره ضمن النقاشات المتعلقة بالوحدة الاسلامية، والاستقلال السياسي والهوية الحضارية والتعامل مع التحديات الاقليمية والدولية مع استمرار الجدل حول مدى نجاح هذه الرؤية في التطبيق العملي وتأثيرها على واقع العالم الاسلامي.
*تجربة إيران في النموذج الإسلامي
وعن تجربة إيران في عهد الامام الخامنئي (رض)، يرى الشيخ رجل الدين البحريني، انها حظيت باهتمام واسع في العالم الإسلامي، وأبرز الدروس المستفادة منها تتمثل في بناء مؤسسات الدولة مع الحفاظ على الهوية الدينية، وتحقيق الاستقلال في القرار السياسي والاقتصادي، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي وتطوير القدرات الدفاعية، إلى جانب التركيز على الاكتفاء الذاتي في مواجهة العقوبات.
واستطرد منوها بان ايران قدمت نموذجا في المواءمة بين المرجعية الدينية وإدارة الدولة الحديثة، مع دعم القضايا الإقليمية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية؛ موضحا ان هذه التجربة تظل محل نقاش أكاديمي وسياسي، حيث ينظر إليها البعض كنموذج للاستقلال والصمود، بينما يراها آخرون تكشف عن تحديات معقدة في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الإقليمية، مما يجعل تقييمها النهائي مرتبطاً بمعايير كل باحث ومحلل.
وحول مفهوم “الحضارة الإسلامية الجديدة”، يوضح الشيخ الصالح أن الامام الشهيد طرحه كمشروع فكري لنهضة إسلامية معاصرة تستند إلى الهوية الدينية والثقافية، وتجمع بين التقدم العلمي والاستقلال السياسي. وقد وجد هذا الخطاب صدى لدى نخب وشباب في عدد من الدول الإسلامية، خصوصا في قضايا السيادة الثقافية ومقاومة الهيمنة ودعم فلسطين.
* خلاصة إرث الامام الشهيد
وردا على سؤال حول مستخلص إرث القائد الشهيد في جملة واحدة، اوضح الشيخ الصالح : سيبقى إرث السيد علي الخامنئي (رض)، مرتبطا بالسعي إلى ترسيخ الاستقلال السياسي، وتعزيز الهوية الإسلامية، ودعم القضايا التي اعتبرها مركزية في العالم الإسلامي، فيما سيظل تقييم هذا الإرث مختلفاً بين الباحثين والتيارات السياسية.”
وأكد هذا الباحث الاسلامي البحريني في حديثه لـ “إرنا” على، أن نهج القائد الشهيد في الوحدة الإسلامية قام على دعوة دائمة لتجاوز الانقسامات، والتأكيد على المشتركات وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ورفض الخطاب التكفيري؛ معتبرا ان هذا الخطاب ساهم في إحياء مفهوم “الأمة” كفضاء جامعٍ للهويات، وإعادة تفعيله في الخطاب السياسي والديني، مع التركيز على بناء وعي مشترك في مواجهة التحديات الخارجية.
وختم قائلا: أما تأكيد الامام الشهيد على فهم الإسلام من مصادره الأصلية فيرتبط برؤية نقدية للإعلام المنحاز؛ داعيا إلى العودة إلى النصوص والمراجع العلمية بعيدا عن التأويلات السياسية، مع تحذير مستمر من الانزلاق خلف السرديات الإعلامية المسيّسة. غير أن بعض الباحثين يشيرون إلى أن ذلك يتطلب القدرة على التمييز بين المصادر، والجمع بين التراث والمعاصرة بما يشمل أدوات تحليل الإعلام الحديث، ويظل تقييم أثر هذا الخطاب مرتبطاً بتعدد السياقات السياسية والفكرية.