د. رباب الجوهري
أستاذة جامعية وعضو مؤسس في مركز سكن للارشاد الاسري
في عالم تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والثقافية، وتتعرض فيه الأسرة إلى تحديات غير مسبوقة تهدد استقرارها ووحدتها، تبرز الحاجة إلى العودة نحو النماذج الفكرية والتربوية القادرة على تقديم رؤية متكاملة لحماية هذه المؤسسة التي تشكل اللبنة الأولى في بناء المجتمع.
ومن هنا تكتسب الدراسات والأبحاث التي تناولت فكر القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) أهمية خاصة، لما تحمله من رؤى عميقة حول الأسرة ودورها في صناعة الإنسان وبناء الحضارة.
وتأتي هذه القراءة في سياق الاهتمام الذي يوليه «مركز سكن للإرشاد الأسري» في لبنان، وهو مؤسسة تُعنى بتقديم الاستشارات الأسرية والنفسية وتنظيم الأنشطة واللقاءات الهادفة إلى التوعية وبناء الأسرة من منظور إسلامي وإنساني متوازن. فالسكن الذي تحدث عنه القرآن الكريم لا يقتصر على وجود بيت يجمع الزوجين، بل هو حالة من الطمأنينة النفسية والروحية والعاطفية التي تجعل الأسرة مساحة للأمان والنمو والتكامل الإنساني.
الأسرة في فكر الإمام الشهيد.. مشروع لصناعة الإنسان
يقدّم فكر الإمام الشهيد نموذجاً متكاملاً للأسرة بوصفها الركيزة الأساسية لبناء المجتمع وصناعة الإنسان. فمن خلال عقود من العمل الفكري والتربوي والقيادي، أولى قائد الأمّة اهتماماً استثنائياً بقضايا المرأة والأسرة، ورأى أن استقرار المجتمع يبدأ من استقرار البيت، وأن الأسرة السليمة هي الحصن الأول الذي يحفظ الهوية والقيم ويصنع الأجيال القادرة على حمل مسؤولية المستقبل.
ولم تكن رؤيته للأسرة مجرد معالجة لبعض المشكلات الاجتماعية، بل كانت جزءاً من مشروع حضاري متكامل ينطلق من الإيمان بالله تعالى، ويربط بين بناء الفرد وبناء الأسرة وبناء المجتمع، باعتبار أن أي نهضة حقيقية تبدأ من الإنسان، والإنسان يبدأ من أسرته.
السكن القائم على المودّة والرحمة
يرى الإمام الشهيد أن نجاح الأسرة لا يقوم على الروابط الشكلية أو المصالح المادية فحسب، بل على منظومة أخلاقية متكاملة أساسها المحبة والمودة والرحمة والاحترام المتبادل. ولذلك أكدت خطاباته وتوجيهاته باستمرار أن العلاقة الزوجية الناجحة هي التي تتحول إلى حالة من السكن النفسي والروحي، حيث يشعر كل فرد بالأمان والانتماء والكرامة.
وتشير الدراسات التي تناولت فكره إلى أن الاستقرار الأسري يقوم على مجموعة من المرتكزات المتكاملة، أبرزها الإيمان بالله داخل الحياة الأسرية، والعلاقة القائمة على المودة والرحمة، والتمسك بالأخلاق الإسلامية، والالتزام بالحقوق والواجبات، وإحياء كرامة المرأة، والاهتمام بالتربية السليمة للأبناء بما يحقق التوازن النفسي والاجتماعي لجميع أفراد الأسرة.
الأسرة.. مدرسة القيم والمسؤولية
لا ينظر الإمام الشهيد إلى الأسرة باعتبارها إطاراً لتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة فحسب، بل يراها المدرسة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الإنسان. ففي داخل البيت تنمو قيم الإيمان والانتماء والأخلاق والمسؤولية، ومنه تنطلق شخصية الفرد إلى المجتمع.
ولهذا كان يؤكد أن أي مشروع للإصلاح الاجتماعي أو الثقافي أو الحضاري لا يمكن أن ينجح إذا لم يبدأ من الأسرة، لأنها البيئة الأولى التي تصنع الوعي، وتؤسس للبصيرة، وتمنح الإنسان القدرة على اتخاذ المواقف الصحيحة في لحظات الاختبار.
الأسرة التي صنعت كربلاء
ولعل من أعمق ما يمكن التوقف عنده في فكر القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) هو الربط بين التربية الأسرية وصناعة المواقف التاريخية الكبرى. فالشخصيات العظيمة لا تُصنع فجأة في ساحات المواجهة، بل تتشكل أولاً داخل الأسرة.
وعندما كان الإمام الشهيد يتحدث عن السيدة زينب(س)، لم يكن يركز على نسبها الشريف بقدر تركيزه على وعيها وبصيرتها وقدرتها على معرفة التكليف واتخاذ القرار في أصعب الظروف. وكان يرى أن عظمتها لم تأتِ من انتمائها إلى بيت النبوة فقط، بل من موقفها حين عرفت واجبها وقامت به في اللحظة التي تردد فيها كثيرون.
ومن هنا يمكن فهم كربلاء بوصفها ثمرة أسرة استثنائية. فالإمام الحسين(ع)، والسيدة زينب(س)، وأبو الفضل العباس(ع)، والإمام زين العابدين(ع)، لم يكونوا أفراداً اجتمعوا مصادفة في حدث تاريخي، بل كانوا نتاج مدرسة أسرية بناها الإمام علي(ع) والسيدة فاطمة الزهراء(س) على الإيمان والبصيرة والمسؤولية.
من كربلاء المقدسة إلى واقعنا المعاصر
إن النموذج الكربلائي، وفق هذه الرؤية، ليس مجرد ذكرى تاريخية أو مناسبة دينية، بل درس تربوي متجدد يؤكد أن الأسرة الناجحة لا تُقاس بما توفره من استقرار مادي فقط، بل بما تصنعه من إنسان يمتلك البصيرة والشجاعة والقدرة على أداء التكليف.
وكما صنعت أسرة الإمام علي(ع) والسيدة فاطمة(س) زينب والحسين والعباس عليهما السلام، فإن الأسرة التي دعا إليها الإمام الشهيد هي أسرة قادرة على صناعة أجيال تحمل القيم نفسها، وتواصل مسيرة الحق والخير وخدمة المجتمع.
خاتمة: من السكن إلى النهضة
من هنا، فإن الحديث عن الأسرة في فكر القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) ليس حديثاً عن مؤسسة اجتماعية فحسب، بل عن رؤية حضارية متكاملة تجعل من البيت منطلقاً لبناء الإنسان الصالح، ومن الإنسان الصالح أساساً لبناء المجتمع القوي والأمة المقتدرة. فالأسرة في هذه الرؤية ليست مكاناً للسكن فقط، بل مصنعاً للوعي، ومدرسة للقيم، ومهدًا لصناعة الرجال والنساء الذين يكتبون صفحات التاريخ.