وانطلق موكب التشييع من مسجد جمكران قاطعاً طريق “الرسول الأعظم(ص)” الذي يمتد لنحو سبعة كيلومترات، وصولًا إلى مرقد السيدة فاطمة المعصومة(س)، وهو الطریق الذي اكتظّ منذ ساعات الصباح الأولى من يوم الثلاثاء بحشود ملیونیة من المعزّین الذین توافدوا من کافة أنحاء البلاد إلى مدینة قمّ المقدسة لوداع القائد الشهید وأفراد أسرته الشهداء. ورافق الجماهیر الغفیرة على طول الطریق جثمان القائد الشهید نحو مرقد السيدة فاطمة المعصومة(س)، وسط أجواء من الحزن والأسى، حيث صدح المشيعون بشعارات حماسية ودينية تعبّر عن عمق ولائهم.
وتوشّحت أیدي المعزّین بصور القائد الشهید، وصور قائد الثورة الإسلامیة سماحة آیة الله الإمام السید مجتبى الخامنئي،کما رفعت رایات العزاء والأعلام الحمراء في أرجاء مسیر التشییع. وتدفّقت الحشود الغفیرة من مختلف شرائح المجتمع، جنباً إلى جنب الشخصیات السیاسیة والدینیة والهیئات المعزّیة. وأقیمت مراسم الصلاة على الجثمان الطاهر للإمام الشهيد(رض) وأفراد أسرته الشهداء في مسجد جمكران بمدينة قم المقدسة بإمامة المرجع الديني آية الله عبدالله جوادي آملي، وسط حضور مليوني للمصلين.
الخطوة الأخيرة في مسار الثأر ستتجسّد بتحرير القدس
إلى ذلك، أكّد رئيس مجلس الشورى الإسلامي، محمد باقر قاليباف، أن الخطوة الأخيرة في مسار الثأر ستتجسّد بتحرير القدس الشريف، وقال: إن الفاجعة الأليمة المتمثّلة في فقدان القائد الشهيد، وتزامنها مع اليوم الأخير لوجود جثمانه المبارك والمثخّن بالجراح في عاصمة العالم الإسلامي، تحوّلت بفضل الحضور الشعبي إلى ملحمة وعي وصمود في هذه المرحلة الحساسّة والمصيرية، وأسهمت في تسريع مسيرة التقدّم نحو النصر الحتمي لإيران والعالم الإسلامي.
وأضاف قاليباف: إن الشعب الذي شكّل، على مدى سبعة وأربعين عاماً، القوّة الدافعة والسند للثورة، عبّر خلال الأشهر الأربعة الماضية، عبر هتافات مناهضة لأمريكا والصهاينة، عن غضبه واستنكاره لجريمة اغتيال الإمام الشهيد، مطالباً بالثأر لهم.
وأشار رئيس مجلس الشورى الاسلامي إلى أن الأمّة التي شيّعت قائدها الشهيد جدّدت، كما فعلت خلال الأشهر الماضية، البيعة للولي الفقيه، آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، مؤكّداً أن الجماهير لم تتراجع قيد أنملة عن نهج الإمام والشهداء، وقال: إنّ العالم أدرك اليوم أن الثورة الإسلامية والجمهورية الإسلامية الإيرانية ما زالتا راسختين وقادرتين على الاستمرار، وأنه لا وجود لطريق مسدود أو هزيمة في ظل الدعم الشعبي الواسع. وأضاف: إن أبناء هذا الشعب، المستلهمين مدرسة الإمام الحسين(ع) وتوجيهات قادة الثورة، لم يحافظوا فقط على روح الجهاد والمقاومة طوال سنوات قيادة القائد الشهيد، بل تمكنوا من بناء موقف راسخ ومنظم في مواجهة القوى الكبرى.
وختم قاليباف بالتأكيد على ضرورة صون حقوق الشعب وعدم ادخار أي جهد لتحقيقها، سواء في ميادين الدفاع عن البلاد، أو في الحقل الدبلوماسي والمفاوضات باعتبارها جزءاً من المواجهة السياسية والحضارية، أو من خلال العمل على معالجة التحديات المعيشية والاقتصادية. وأعرب عن أمله في أن يترجم المسؤولون توجيهات القائد الشهيد وقيادة الثورة إلى عمل متواصل وفعّال لخدمة المواطنين.
إذا استمرّت التهديدات ضدّ إيران فلن تبدأ المفاوضات
من جانبه، أثنى وزير الخارجية، سيد عباس عراقجي، على الحضور الملحمي للشعب الإيراني في مراسم تشييع القائد الشهيد للثورة الاسلامية(رض)؛ مُؤكّداً: لا شعبنا ولا قوّاتنا المسلحة الشجاعة يرضخان لأيّ تهديد أو خوف.
وأورد عراقجي، في تدوينة عبر منصة “إكس” للتواصل الاجتماعي، بعد حضوره مراسم تشييع القائد الشهيد في طهران، مشيراً فيها إلى أن الملايين من الإيرانيين الأباة احتشدوا بوحدة وتكاتف لتقديم الاحترام لسماحة قائد الثورة الإسلامية الشهيد وإرثه الخالد؛ مُردفاً: لا هذا الشعب ولا قواتنا المسلحة الشجاعة يرضخان لأي تهديد أو خوف.
وأشار وزير الخارجية، في جانب من تدوينته، إلى المادة ١٣ من مذكرة تفاهم اسلام آباد لإنهاء الحرب، مُؤكّداً على أنها تشير بوضوح وصراحة تماماً، إلى أنه طالما استمرت التهديدات ضد إيران، فلن تبدأ المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي؛ إلتزموا بتوقيعكم.
صناعة الطاقة النووية مدينةٌ لتوجيهات الإمام الشهيد
من جهته، أشار رئيس منظمة الطاقة الذرية، محمد إسلامي، إلى أن الإيرانيين أظهروا وعيهم كأمّةٍ خلال تشييع جثمان قائد الثورة الشهيد، قائلاً: إن الحضور الجماهيري الكبير وشعاراتهم وجّهت رسالةً واضحةً للأعداء؛ الذين أظهروا بأفعالهم أنهم لا يلتزمون بالمبادئ الإنسانية والأخلاقية، ولا يسعون إلاّ لمصالحهم الخاصة.
وأشار إسلامي إلى مراسم التشييع المهيبة لجثمان الإمام الشهيد، مضيفاً: في هذه المراسم، أظهر الشعب الإيراني وعياً وإدراكاً منه لأهمية المسار الذي سيبني كرامة لأنفسهم وللبلاد، ويعزز مكانة الوطن.
عمق الرابطة الروحية بين إيران والعراق
إلى ذلك، أكّد قائد قوّة القدس في الحرس الثوري، العميد إسماعيل قاآني، أن تشييع إمام الأمة الشهيد السيد علي الخامنئي(رض) في العراق سيُعزّز موقف البلدين الرافض للفتنة الأمريكية، وسيجعل الخط الأحمر المطالب بالثأر أكثر وضوحاً.
وكتب العميد قاآني، في رسالة له، إن المطالبة بتشييع جثمان قائد الثورة الإسلامية الشهيد، والتخطيط المُحكم لهذا الحدث التاريخي من قِبل الحكومة والشعب العراقيين، يُظهران للعالم أجمع عمق الرابطة الروحية بين الشعبين العظيمين، إيران والعراق.
مراسم التشييع أظهرت عمق العلاقة بين الشعب والدولة
هذا وأكّدت بعثة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى الأمم المتحدة، بأن مراسم تشييع الجثمان الطاهر لقائد الثورة الشهيد أظهرت أمام أنظار العالم عمق العلاقة الراسخة بين الشعب والدولة.
وقالت بعثة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى الأمم المتحدة: يحمل هذا الحدث درسين لا لبس فيهما:
1- يجب على مخططي ومرتكبي هذه الجريمة أن يعلموا أنهم زرعوا بذور الكراهية والانتقام في قلوب الشعب الإيراني؛ بذور ستُهلكهم يوماً ما.
٢- يجب على صانعي وواضعي السياسات (الأعداء) فهم واقع المجتمع الإيراني، والتوقف عن سوء تقديرهم في تحليل معادلة القوة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
تشييع جثمان الإمام الشهيد في العراق
وبشأن تشييع الإمام السعيد في النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة، شدّد ممثل قائد الثورة الاسلامية في العراق على عمق العلاقة بين إيران والعراق، وأكّد استعداد الحكومة والشعب العراقي التام لاستضافة مراسم تشييع الإمام الشهيد، مشيراً إلى أن الأهالي من جميع أنحاء العراق سيحضرون هذا التشييع التاريخي، في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة.
وأعرب آية الله السيد مجتبى حسيني عن تقديره لمحبة شعب العراق وولائه لـ”قائد الأمّة الشهيد”، وصرّح قائلاً: كان الشعب العراقي شديد الحماس والمحبة، وحريصاً على إقامة مراسم التشييع في مختلف المدن والمحافظات. وأضاف: أرسل أهالي البصرة والناصرية وكربلاء المقدّسة والنجف الأشرف وبغداد وديالى والحلّة، وغيرها من المحافظات العراقية، رسائل وعرائض وقوائم موقّعة، مطالبين بإقامة مراسم التشييع في مناطقهم. وتابع: بعد دراسات عديدة وعقد اجتماعات مختلفة مع مسؤولين إيرانيين، تم اتخاذ القرار النهائي بإقامة مراسم التشييع في مدينتي النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة فقط، مع حضور أهالي المحافظات العراقية الأخرى، ويعود سبب هذا القرار إلى صعوبة نقل جثامين الشهداء إلى المحافظات العراقية الأخرى، وما يستغرقه ذلك من وقت.
كما أشاد آية الله السيد حسيني بجهود الحكومة العراقية لضمان أمن مراسم التشييع، قائلاً: لقد سخّرت الحكومة العراقية جميع إمكانياتها لتوفير الأمن، وقوات الأمن العراقية على درجة عالية من الخبرة والاستعداد.
ومع تقديره للشعب العراقي ومسؤوليه، أكّد على عمق الروابط بين إيران والعراق، قائلاً: إيران والعراق لا ينفصلان، ومهما حاول الأعداء إثارة الفتنة بين الشعبين، فلن يحققوا إلا مزيداً من التماسك والتعاطف والتفاعل بين الشعبين الشقيقين المخلصين.
الزيدي يستقبل جثمان القائد الشهيد
إلى ذلك، أفاد مصدر عراقي مطلع بأن رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي يستقبل، مساء الثلاثاء، في مطار النجف الأشرف الدولي، الجثمان الطاهر للقائد الشهيد، وأوضح: إن مراسم الاستقبال ستجري بحضور رسمي في مطار النجف الأشرف الدولي.
یذکر أن رئيس خلية الإعلام الأمني العراقي “الفريق سعد معن” أعلن الإثنين، إنهاء جميع الاستعدادات لتشييع القائد الشهيد في كربلاء المقدسة والنجف الأشرف؛ مُؤكّداً أن استقبال رسمي للجثمان الطاهر للقائد الشهيد في النجف الأشرف سيكون بحضور وفود رسمية من البلدين.
وصرح الفريق سعد معن، في مؤتمر صحفي مشترك عقده مع محافظ النجف الأشرف “يوسف كناوي”، إنه تم إنهاء جميع الاستعدادات لتشييع جثمان القائد الشهيد في كربلاء المقدسة والنجف الأشرف؛ ولفت إلى أنه تم تشكيل لجنة عليا تشرف على الخطة الخاصة بالتشيع، مشيراً إلى أن مسار التشييع سيبدأ من مجسرات الصدرين إلى العتبة العلوية المقدسة بمسافة 6 كليومتر، بمشاركة 351 موكب حسيني مع فتح بيوتات النجف الأشرف على طول مسار التشييع. وتابع: أن أكثر من 600 صحفي عربي وأجنبي سيشارك بالتشييع، فضلاً عن مشاركة أكثر من 3000 إعلامي عراقي وعربي وأجنبي في تغطية مراسم تشييع.
وأشار الفريق سعد معن إلى أن خط سير مراسم تشييع الإمام الشهيد(رض) في كربلاء المقدّسة يمتدّ لمسافة 8/5 كيلومتر، بمشاركة 751 موكباً في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة؛ مُضيفاً: كما ستنطلق مراسم التشييع الشعبي في مدينة كربلاء المقدسة عند الساعة الرابعة من عصر يوم الأربعاء.
ونوّه رئيس خلية الإعلام الأمني أن 2500 كاميرا و23 مركز بث مباشر ستتولى تغطية مراسم التشييع، فضلاً عن تخصيص 150 عجلة إسعاف للمشاركة في الخطة الصحية الخاصة بمراسم التشييع في محافظتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة.
دعم مباشر من رئيس الوزراء العراقي
في السياق، أكّد محافظ النجف الأشرف وجود دعم مباشر من رئيس الوزراء العراقي لإنجاح مراسم تشييع جثمان قائد الأمة الشهيد في العراق، وقال كناوي: هناك تنسيق عالٍ بين الحكومة المركزية والحكومة المحلية في محافظة النجف الأشرف لإنجاح مراسم تشييع جثمان الشهيد القائد الخامنئي(قدّس سرّه)، مع وجود دعم مباشر من رئيس الوزراء. وأضاف: ستكون جميع الطرق مفتوحة أمام جموع الزوار والمشيعين، مُبيّناً أن المحافظة ستعمل على تفويج أكبر عدد ممكن من المشيعين بالتعاون مع الحشد الشعبي والقوات الأمنية.