د. أكرم شمص
لم تكن مدينة قمّ المقدسة صباح الثلاثاء مدينة عادية.
كانت مدينةً تمشي على وقع الحزن، وتتنفس من بين الرايات السوداء، وتفتح قلبها لجثمان قائدٍ لم ترَ فيه الجماهير رجل دولة فحسب، بل شاهدًا على مرحلة كاملة من تاريخ الأمة.
منذ ساعات الفجر الأولى، كان الطريق إلى مسجد جمكران يشبه مسيرًا إلى المعنى. الوجوه متعبة، لكن العيون ثابتة. الدموع حاضرة، لكن الانكسار غائب. هنا، في المدينة التي تنتظر صاحب الزمان(عج)، بدأ التشييع وكأنه أكثر من وداع؛ كان تجديد عهد، لا عند تشييع رجل، بل عند بوابة مشروع.
في جمكران، حيث ارتفعت الصلاة على الجثمان الطاهر وقف آية الله العظمى الشيخ عبد الله جوادي آملي بين محراب الصلاة ومرارة الفقد، يحمل أمانة الوداع بصوتٍ خنقته العبرة ودموعٍ أفصحت عمّا عجزت الكلمات عن وصفه، وخيّم صمتٌ يشبه الخشوع الكبير. لم يكن الصمت فراغًا، بل امتلاءً. كأنّ الحاضرين كانوا يدركون أنّ لحظة الوداع هذه لا تخص إيران وحدها، بل تخص كل الذين رأوا في هذا القائد صوتًا للثبات، ووجهًا من وجوه الصراع الطويل مع الاستكبار، وحارسًا لفكرة المقاومة حين كانت الرياح تريد اقتلاعها.
ثم انطلق الموكب.
من مسجد جمكران، عبر شارع النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، باتجاه مرقد السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام، بدت مدينة قمّ المقدسة وكأنها تصل بين الانتظار والوفاء؛ بين جمكران قبلة القلوب المنتظرة للإمام المهدي(عج)، ومرقد المعصومة الذي يحفظ للمدينة روحها وحنانها وقداستها. لم يكن المسار جغرافيًا فقط، بل كان رمزيًا بامتياز: من مسجد الرجاء إلى ضريح الطهر، ومن صلاة الوداع إلى بيعة الاستمرار.
اصطف الناس على امتداد الطريق. بعضهم كان يبكي بصمت، وبعضهم يرفع الصور، وبعضهم يردد الشعارات، وبعضهم يكتفي بأن يضع يده على صدره كأن القلب وحده صار كافيًا للكلام. في تلك اللحظة، شعرت أنّ قمّ لا تودّع قائدًا فحسب، بل تودّع زمنًا وتستقبل تكليفًا.
ما معنى أن يُشيَّع قائدٌ في مدينة قم المقدسة؟
معناه أنّ الفكرة تعود إلى منبعها.
أنّ السياسة، حين ترتبط بالعقيدة، لا تبقى في القصور ولا في مراكز القرار، بل تنزل إلى الشوارع، وتمشي بين الناس، وتبكي معهم، وتطلب منهم أن يحملوا الأمانة بعد صاحبها.
هنا لا يبدو الموت نهاية. في مدينة قمّ المقدسة، للشهادة معنى آخر. هي عبور من الجسد إلى الوجدان، ومن المنصب إلى الرمز، ومن الحضور السياسي إلى الحضور التاريخي. ولذلك لم تكن الحشود مجرّد أعداد، بل كانت لغة. كانت تقول إنّ اغتيال القادة قد يوقف نبض الجسد، لكنه لا يستطيع أن يوقف نبض الفكرة إذا صارت جزءًا من إيمان الناس.
كانت مدينة قمّ المقدسة، في هذا التشييع، ترد بطريقتها الخاصة على كل من ظن أن الضربة التي استهدفت رأس القيادة يمكن أن تكسر الروح. فالمدينة لم تخرج مذعورة، بل خرجت خاشعة وثابتة. لم تحمل الحشود علامات الهزيمة، بل حملت علامات العهد. وكأنها تقول للعالم: هنا لا يُقرأ الفقد بوصفه سقوطًا، بل بوصفه امتحانًا جديدًا.
ومن بين الرايات والدموع، كان حضور السيدة المعصومة(ع) يضفي على المشهد حنانًا خاصًا. فالقائد الشهيد مرّ نحو ضريحها لا كزائر عابر، بل كمن يعود إلى حضن مدينة طالما كانت مدرسة للعلماء، ومأوى للثائرين، ومنارة للولاية. هنا تُفهم قمّ المقدسة لا كمدينة، بل كذاكرة. ذاكرة الحوزة، والانتظار، والدمعة، والموقف.
ولعل أجمل ما في المشهد أنّ الناس لم يكونوا يشبهون جمهورًا جاء ليحضر مناسبة. كانوا أشبه بأصحاب عهد. كل خطوة في شارع النبي الأعظم(ص) كانت تقول إنّ الطريق لم ينتهِ. وكل دمعة كانت تقول إنّ الحزن ليس ضعفًا حين يولد منه الثبات. وكل يد ارتفعت كانت تؤكد أنّ الراية لا تسقط برحيل حاملها.
ويوم أمس الأربعاء، مضى الجثمان إلى محطاتٍ أخرى؛ إلى النجف وكربلاء، ثم سيمضي إلى مدينة مشهد المقدسة حيث المثوى الأخير. لكن مدينة قمّ المقدسة ستبقى محطة مختلفة. لأنها لم تكن مجرد مدينة في برنامج التشييع، بل كانت لحظة روحية فاصلة. هنا وقف الجثمان بين الانتظار والولاية، بين جمكران والمعصومة، بين الرجاء والوفاء، ليقول إنّ القادة الذين يعيشون في خط الرسالة لا يرحلون وحدهم؛ يتركون خلفهم شعبًا يعرف كيف يحوّل الوداع إلى بيعة.
في قمّ، لم أرَ جنازة فقط.
رأيت مدينةً تبكي واقفة.
ورأيت شعبًا يودّع قائده، لكنه لا يودّع طريقه.
وربما كانت الرسالة الأعمق التي خرجت من شارع النبي الأعظم(ص) هي هذه:
قد يغيب الجسد عن العيون، لكن الفكرة التي مشت مع الملايين لا تعود إلى القبر؛ بل تواصل طريقها في صدور المؤمنين.
