الدكتورة راغدة المصري
عند تحليل ثبات قائد الثورة الشهيد آيةالله العظمى السيد علي الخامنئي(رض)، ينبغي تجاوز القراءة الظاهرية للسياسة إلى عمق البُنى الأنطولوجية الشيعية التي تؤطّر فعله. ففي المذهب الشيعي، تُمثل «مواجهة الطاغوت» قيمة إيمانية تتجاوز المصلحة السياسية، وتندرج ضمن «التولّي والتبرّي».
هنا تجسّدت فرادة إمام الأمّة الشهيد في ترجمة هذه القيمة الدينية إلى «استراتيجية ردع» عسكرية وسياسية، وليس إلى مجرد خطاب وعظي، حيث صاغ معادلة ذهبية مفادها: «إذا أردتم السلام، فكونوا أقوياء»، متجاوزاً بذلك الإشتباك الهامشي مع العدو إلى بناء منظومة متكاملة من القوة الصلبة (الصواريخ، الطائرات المُسيّرة) والقوة الناعمة (الإعلام، التعبئة الجماهيرية). ولم يكن الثبات هنا انفعالياً، بل محكوماً بـ«الفقه السياسي» الذي يضع مصلحة الأمّة فوق اعتبارات التهدئة الزائفة. فرفضه للمساومات الأميركية لم يكن تعنتاً، بل قراءةً فاحصةً للتاريخ الاستعماري الذي لا يتراجع إلاّ أمام الجبروت، مستلهماً ملحمة عاشوراء التي جعلت من مفارقة «القلة المؤمنة تواجه الكثرة الباغية» نموذجاً للخلود السياسي.هذا الثبات، حوّل «التهديد» الأميركي إلى حالة من «الفشل الاستراتيجي» في المنطقة، وأسقط الرهان على زوال الجمهورية الإسلامية عبر موجات العقوبات والحصار، مؤكداً أنّ الرهان على انهيار إيران كان واهياً منذ البداية.
تداعيات الاستشهاد.. وإعادة تشكيل المشهد الإقليمي
إنّ الحدث الجلل المتمثل باستشهاد إمام الأمّة، كشف عن تباينٍ فاضحٍ في قراءة المشهد بين الداخل الإيراني ومحور المقاومة من جهة، والغرب من جهةٍ أخرى.
أولاً: في العمق الإيراني، تحولت الصدمة البشرية إلى «طاقة تحويلية»؛ فالتشييع المهيب لن يكون تأبيناً بقدر ما كان بيعة جديدة. نزول الملايين إلى الشوارع ليس لبكاء القائد الراحل فحسب، بل ليصرخوا في وجه العدو بأنّ الشهادة ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة من «الاستشهاد المؤسسي»، حيث تتجدد البيعة للخط لا للشخص. كما أنّ إعلان الحداد العام وتفعيل أجهزة الأمن الداخلي في ثوانٍ، دلّ على أنّ الدولة كانت مستعدة لأسوأ السيناريوهات.
ثانياً: في محور المقاومة، كان الخبر حاداً وقاسياً؛ لكنه لم يتحوّل إلى ارتباك ميداني. فعلى العكس، شكّل الاغتيال مُحفزاً لتوحيد الرؤى. فحزب الله لبنان أعلن صراحة أنّ عملياته الأخيرة هي «ثأرٌ للقائد»، وحركة أنصار الله في اليمن وفصائل المقاومة العراقية استمرت في وتيرة عملياتها. هذا المشهد يكشف حقيقة جوهرية: محور المقاومة قد نضج وتجاوز مرحلة «القيادة الشخصانية» إلى مرحلة «التشكل الجغرافي – العقائدي»، حيث أصبح كل فصيل يملك استقلاله العملياتي؛ لكنه يشترك في وعيٍ استراتيجي واحد يضمن استمراريته حتى في حال غياب المهندس الأعلى.
ثالثاً: في الخطاب الغربي، كانت الصدمة من نوعٍ آخر؛ فقد راهن البيت الأبيض على أنّ هذه الضربة ستٌحدث «زلزالاً داخلياً»؛ لكن التصريحات التي وصفته بـ«الفرصة» سرعان ما واجهت بواقع مختلف، إذ وجدت أمريكا نفسها أمام نظام أكثر تماسكاً، وقيادة مؤقتة تدير الملفات بأعصاب باردة، مما أربك حسابات واشنطن التي ظنت أنّ إيران مجرد رجلٍ واحد.
إشكالية الفراغ القيادي.. وفشل الرهان على التفكك
إنّ محور المقاومة، الذي صاغه قائد الثورة الشهيد آيةالله العظمى السيد علي الخامنئي(رض)، ليس تحالفاً هشّاً يقوم على المصالح الآنية، بل هو «شبكة كونيّة من المصالح المتقاطعة والأيديولوجيا المشتركة»، بنت منظومات صناعية وعسكرية فيها. أمّا عن الفراغ القيادي، فقد أثبتت الأيام الأولى أنّ نظام «ولاية الفقيه» يمتلك آلية تلقائية لسدّ الفراغ، وهي آلية «التفويض التدريجي»، ولم يشهد أي تململ أو صراع على النفوذ. وهذا يُعيدنا إلى حقيقة أنّ السياسة الإيرانية تتحدد وفق «مصالح النظام» وليس وفق «مزاج الفرد»، وهو ما يفسّر سرّ بقائها رغم اغتيال قادتها النوويين والعسكريين على مرّ السنين.
شكّل هذا الحدث نقطة فاصلة، باتجاه إعادة تعريف للأعداء وتجديد قواعد الاشتباك وميزان القوى تمثل في ثلاث مسارات:
1- مسار الردع: أثبتت إيران أنها قادرة على توجيه الردّ من دون تردد، مما أجبر العدو على إعادة حسابات المخاطرة.
2- مسار التحالفات: باتت فصائل المقاومة ترى في بقائها بعد استشهاد إمام الأمّة دليلاً على «النضج السياسي»، مما زاد من ثقتها بقدرتها على الاستمرار دون وصايةٍ مباشرة، وهذا قد يمنحها مرونة أكبر في المناورة الميدانية.
3- مسار الشرعية الداخلية: تماسك النظام أعطى شرعية شعبية إضافية للجمهورية الإسلامية، وأظهر للعالم أنّ الثورة الإيرانية تجاوزت مرحلة «الكاريزما» إلى مرحلة «التسييس المؤسسي».
الانتقال المنظم للقيادة.. وإعادة تشكيل حسابات العدو
لعلّ أكثر ما أربك المراقبين هو الاحترافية التي تعاملت بها طهران مع سيناريو فقدان القائد الأعلى. فعلى عكس سيناريوهات الانهيار التي تنبأت بها مراكز الأبحاث الغربية، حرّكت القيادة الإيرانية آلياتها الدستورية وكأنها تجري تدريباً مسبقاً.
نجحت إيران في تقديم نموذج استثنائي لإدارة الأزمات في الأنظمة الدينية، يكسر المقولة الغربية التي تزعم أنّ «الثيوقراطية» هي بطبيعتها أنظمة غير مستقرة. وأحدث الانتقال السلس للسلطة في طهران ارتدادات كبيرة على حسابات البيت الأبيض والكيان الصهيوني، فالرسالة التي أوصلتها إيران كانت واضحة الأبعاد:
الرسالة الأولى (للعدو المباشر): «قتل القائد لا يقتل المشروع، ومحاولات اختراق الأمن الداخلي ستفشل»، وهذا ما جعل العدو الصهيوني وأمريكا تدركان أنّ أي حرب موسعة ستواجه نظاماً موحداً قادراً على الردّ، وليس فراغاً يمكن استغلاله.
الرسالة الثانية (لدول الجوار): دعت طهران إلى التهدئة وأكدت استمرار التزامها بالاتفاقيات الإقليمية، مما طمأن دول الخليج الفارسي ودفعها لمواقف أكثر حياداً تجاه الأزمة، مفسدةً الجهود الأمريكية لتشكيل تحالف إقليمي ضدّ إيران.
الرسالة الثالثة (للداخل): أكدت القيادة المؤقتة أنّ المصالح الاقتصادية والملف النووي سيُداران بمنطق «البراغماتية الثورية»، أي الاستمرار في الحفاظ على الحقوق النووية مع الانفتاح على حلول دبلوماسية ترفع العقوبات.
وهكذا، لم يجد العدو نفسه أمام دولة منهكة، بل أمام خصم يمتلك خريطة طريق طويلة المدى، وأظهر للعالم أنّ استقرار نظامه السياسي ليس رهناً بحالة طوارئ عابرة، بل بمنطق مؤسسي راسخ يتجاوز عمر القادة والأفراد.
تماسك الشعب والدولة.. وانعكاسه إقليمياً
إنّ التماسك الذي ظهر بين الدولة وجماهير الشعب في تلك الأيام العصيبة، كان العامل الأكثر حسماً في الحفاظ على المكانة الإقليمية. فالمسيرات الغاضبة لم تكن مجرد ردّ فعل عاطفي، بل كانت استفتاءً شعبياً ضمنياً على استمرارية المشروع.
هذا التلاحم ترجمه الحرس الثوري إلى «قوة ناعمة» إضافية في ملفات المنطقة؛ ففي المفاوضات الإقليمية، باتت طهران تتحدّث من موقع قوة، وفي المواجهات الميدانية، زادت وتيرة العمليات ضدّ القواعد الأميركية، مؤكدةً أنّ اليد الإيرانية مازالت على الزناد. كما أنّ «مشهد الوحدة» الداخلي خلق حالة من التردد في الأوساط الغربية حول جدوى الضغوط القصوى، ودفع العديد من الأطراف الدولية إلى إعادة تقييم الدور الإيراني في معادلات الطاقة والأمن الغذائي في المنطقة.
في المحصلة، أظهرت إيران بعد هذا الاختبار أنها لم تخرج من دائرة اللاعبين الأساسيين في غرب آسيا، بل على العكس، عادت مؤكدةً أنّ دورها أصبح أكثر رسوخاً، وأنّ أي مشروع إقليمي لا يمكن أن يُكتب دون التفاوض معها أو احتساب ردود فعلها.
خلود المشروع.. وانتصار المؤسسة
في نهاية هذه المقاربة التحليلية، يمكن القول إنّ حياة إمام الأمّة الشهيد واستشهاده شكّلا معاً حالة فريدة في التاريخ السياسي الحديث. لقد أدار الرجل عقوداً من التحديات بثبات لم يكن انفعالياً، بل مؤسساً على قراءة فقهية عميقة لمفهوم «الجهاد والدفاع»؛ لكن الإرث الأعظم الذي تركه لم يكن ثروته السياسية بقدر ما كان «المنظومة» التي صاغها؛ منظومة جعلت من إيران كياناً صلباً قادراً على استيعاب أقسى الصدمات.
كما أثبتت الأيام التي أعقبت رحيله أنّ الجمهورية الإسلامية قد نضجت كدولة، دولة تمتلك آلياتها الدستورية، وأجهزتها الأمنية، ووعيها الجماهيري، وهو ما يجعلها مختلفة عن الكثير من أنظمة المنطقة التي تتهاوى بغياب مؤسسيها. بينما يراهن الخصوم على المتغيرات، تقدم طهران درساً في الثبات، مؤكدةً أنّ المشروع الذي بدأ بالثورة لم ينتهِ برحيل قائده، بل دخل مرحلة جديدة من «التداول المؤسسي»، التي تبقى وحدها الكفيلة بخلود الأفكار وانتظام الدول.
