في تشييع قائد الأمّة الشهيد

الشهيد الحيّ؛ سيرةُ قائدٍ لا يغيب

خاص الوفاق/ د.بشير: كان الإمام الشهيد، من وراء ذلك المكتب الصغير في حسينية الإمام الخميني(قدس)، ومن تلك الغرفة البسيطة المتواضعة، بعباءته وعمامته المرتبتين دائماً، يلقي الرعب في قلوب وجوارح المستكبرين والطغاة في العالم.

 

 

د. حسن بشير

 

اليوم يذكّرنا بفقدٍ عظيمٍ وموجعٍ عشنا مرارته بألمٍ بالغ؛ إنّه الإستشهاد المظلوم لقائدٍ أفنى عمره في سبيل الإيمان والجهاد وهداية الأمّة الاسلامیة، واقترن اسمه السامي بالصمود واليقظة. وليس هذا اليوم مجرد استذكارٍ لحزنٍ عابر، بل هو تجلٍّ لحقيقةٍ وصفها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران/ 169).

 

 

اليوم أدرك الشعب الإيراني مرةً أخرى أن فقدان القائد الإلهي، مهما كان جسيماً وثقيلاً، فإن طريقه لا يمكن أن ينطفئ؛ لأن سنة الله قد جرت على بقاء نور الحق، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ (الصفّ/ 8).

 

 

وهذا اليوم يذكّرنا بهذه الحقيقة، وهي أن الشهادة ليست نهاية الطريق، بل هي بداية حياةٍ أسمى وأكثر إشراقاً، يبلغ فيها الإنسان ذروة القرب من الله تعالى. وقد ورد عن رسول الله(ص): »فَوْقَ كُلِّ ذِي بِرٍّ بِرٌّ حَتّى يُقْتَلَ الرَّجُلُ فِي سَبيلِ اللهِ، فَإِذا قُتِلَ فِي سَبيلِ اللهِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ بِرٌّ«.

 

 

اليوم مضت أربعة أشهر على استشهاد ذلك القائد الشهيد. أربعة أشهر على عروج رجلٍ بذل روحه في سبيل أمن إيران وعزّتها ورفعتها، وفي سبيل عزّة الأمّة الإسلامية وكرامتها.

 

 

وفي هذه الأيام التي يدور فيها الحديث عن استشهاده المظلوم، يحنّ قلبي إلى ليالي فبراير الباردة من عام 1979، إلى تلك الأيام التي تذوّقت فيها الأمّة المؤمنة طعم النصر لأول مرة.

 

 

وأريد أن أقول: إن قائدنا، ذلك القائد الحكيم، الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، قد عاش طوال سبعةٍ وأربعين عاماً من عمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كلَّ يومٍ وكأنه يعيش لحظة الشهادة بكل أعماق وجوده.

 

 

إنه لم يغب عنّا يوماً. ما زال بيننا حيّاً ثابتاً شامخاً. أنفاسه لا تُعدُّ بالساعات والدقائق والثواني، غير أنّ العدو الوقح الغادر ظل يجعله هدفاً دائماً، حتى كأنهم يقتلون في كل يومٍ شهيداً حيّاً.

 

 

نعم، قائدنا حي؛ ولكن حياته ملحمةٌ عظيمةٌ قائمةٌ على حدِّ السيف. إن الولايات المتحدة، ذلك الشيطان الأكبر، الذي قال عنه مفجّر الثورة الإسلامية الإمام الخميني(رض): «إنّه لا يستطيع أن يفعل شيئاً»، ما برحت ترسم المؤامرات، وتفرض العقوبات، وتشن الحروب الاقتصادية، والأسوأ من ذلك أنها تحلم، في أوهامها، بالتخلص الجسدي من القائد الشهيد. غير أن الشمس كلما أشرقت من وراء حرم أرض إيران، وقف قائدنا أصلب من الأمس، وأعلى هامةً من كل وقت، ثابتاً راسخاً أمام أنظار العالم أجمع.

 

 

واليوم ينبغي أن نسأل من جديد: شهادةِ مَن نحيي هذه الأيام؟ ولتكن الإجابة صريحة: إنه إحیاء لاستشهاد جميع الشهداء الذين كانوا يوماً يلبّون نداء ذلك القائد العزيز، ولم يدخروا جهداً في خدمة الثورة الإسلامية والوطن والشعب.

 

 

لقد توهم الأعداء أن استشهاد ذلك الرجل العظيم يعني نهاية الثورة الإسلامية، وأن البلاد ستعود إلى الماضي الذي تجاوزه الشعب بإرادته؛ لكنهم غفلوا عن أن القيادة ليست شخصاً، بل هي مسيرة، وصوت، و«لا» مدوية في وجه الظلم والاستكبار العالمي.

 

 

إن آية الله العظمى الإمام السید علي الحسیني الخامنئي(رض) مرعبٌ لأعدائه إلى درجةٍ كأن آلاف الشهداء الأحياء قد عادوا أكثر حياةً ووقفوا في مواجهتهم. ولعل لهذا السبب كثيراً ما نشعر بالرغبة في البكاء على ذلك القائد الشهيد الحكيم، لا خوفاً من رحيله، بل لعظمة مظلوميته.

 

 

كان الإمام الشهيد، من وراء ذلك المكتب الصغير في حسينية الإمام الخميني(قدس)، ومن تلك الغرفة البسيطة المتواضعة، بعباءته وعمامته المرتبتين دائماً، يلقي الرعب في قلوب وجوارح المستكبرين والطغاة في العالم. فما إن يقول: «والله»، حتى يهتز الشرق الأوسط.

 

 

وإذا ابتسم، امتلأت قلوب المؤمنين دفئاً وأملاً. وإذا انحدرت دمعةٌ على وجنتيه اللتين خطّهما الزمن، بكت إيران كلها بحرقة. فمن أين جاءت هذه القوة؟ إنها من كونه وليّاً لله، وحجته في الأرض، ونائب الإمام المعصوم(ع). وأمّا العدو، فمهما امتلك من أحدث الطائرات، ومهما حاز من أكثر القنابل تطوراً، فلن يستطيع أن يبلغ الی ذروة ضميره اليقظ، أو يداني سموَّ وعيه وبصيرته.

 

 

وأكرر السؤال: في ذكرى استشهاد مَن نحن اليوم؟ عندما حلَّ يوم استشهاد القائد الشهيد سليماني، احترقت قلوبنا لمظلوميته. وعندما جاء يوم استشهاد الشهيد رئيسي، انكسرت أقلامنا وغرقت أرواحنا في حزنٍ عميق.

 

 

وفي أيام استشهاد العلماء النوويين، فاضت عيوننا بالدموع. لقد كانوا جميعاً أبناء القائد الشهيد، وتلامذة مدرسته العميقة الشاملة.

 

 

وإذا كنّا اليوم نتحدّث عن «استشهاد القائد الشهيد»، فليس ذلك لمجرد الشوق إليه أو الحنين إلى حضوره أو الحزن على فراقه، بل لأننا نتخيّل ذلك اليوم الذي نشعر فيه بغيابه.

 

 

نتخيّل يوماً لا نرى فيه نظراته الثاقبة، ولا نقبّل يده الأبوية، ولا نسمع صوته الدافئ الجهوري المنبعث من أعماق الإيمان واليقين. آهٍ… إن حزن هذه الأيام كفيلٌ بأن يذيب الجبال، ويغرق البحار في عاصفةٍ عاتيةٍ لا تنتهي.

 

 

إننا اليوم لا نتحدث عن مجرد حادثةٍ أو واقعة، مهما بلغت فظاعتها، بل نتحدث عن مسيرةٍ امتدت لأكثر من أربعة عقود، كان فيها قائدنا العظيم، في ذاكرة الثورة الإسلامية، شهيداً حيّاً، يتلقى كل يومٍ جراحاً جديدةً من جرّاء الحرب المركبة التي يشنها الأعداء؛ يومٌ بالعقوبات، ويومٌ باغتيال الشخصیة، ويومٌ بإشاعات استشهاده، ويومٌ بالاعتداء على حرمته، ويومٌ… ومع ذلك، يظل صابراً، شامخاً كالجبل الراسخ، ويهتف: «نحن أمّةُ الشهادة، والشهادةُ سعادة».

 

 

واليوم، في فَقْدِ ذلك القائد العظيم، ما تزال الدموع تنهمر، غير أن وراء هذا البكاء وهذه العبرات تكمن إرادةٌ راسخة وعزيمةٌ لا تلين، وُلدتا من رحم هذا الحزن.

 

 

إن شعباً اهتدى على مدى سنواتٍ بهدايته، يمضي اليوم مستلهماً ذكراه، أكثر ثباتاً، وأشدَّ عزماً، وأقوى تصميماً على مواصلة المسير من أي وقتٍ مضى.

 

 

إن ذكراه ليست مجرد ذكرى إنسانٍ عظيمٍ وقائدٍ حكيم، بل هي ذكرى مسيرةٍ ومنهجٍ وطريقٍ طويلٍ واضح المعالم. طريقٌ بدأ بالإيمان والثبات، واستمر بالجهاد والمجاهدة، وبلغ ذروته بالتضحية والشهادة.

 

 

وقد تحوّل هذا الطريق اليوم إلى إرثٍ جماعيٍّ ستحمله الأجيال القادمة وتواصل السير على نهجه. إنه طريقٌ لن يعرف الانسداد، ولن يبلغ يوماً طريقاً مسدوداً.

 

 

واليوم فرصةٌ متجددةٌ للتأمل العميق، وللعودة إلى الذات، ولطرح هذا السؤال: إلى أيِّ مدى اقتربنا مما كان يريده، وكم جسَّدنا في واقعنا ما دعا إليه؟ إن هذا اليوم ليس يوماً للحزن والعزاء والبكاء فحسب، بل هو يومٌ لتجديد العهد؛ عهدٍ بمواصلة الطريق، وعهدٍ بالحفاظ على القيم، وعهدٍ بالثبات في مواجهة كلِّ ما وقف هو في وجهه.

 

 

واليوم هو أيضاً نقطةُ انطلاقٍ جديدة؛ انطلاقةٌ نحو حضورٍ أعمق في قلوب الإيرانيين الذين أحبّوه، وفي قلوب كلِّ أحرار العالم الذين عرفوه، وأشادوا به بأقلامهم، وشعاراتهم، ومشاعرهم الصادقة. إنه بدايةُ حضورٍ أرسخ في القلوب، وأبقى في صفحات التاريخ.

 

 

*أستاذ جامعة الإمام الصادق(ع)

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة