حلقة الوصل
على الرغم من أننا كنّا زميلين في الجامعة، ولم تتجاوز علاقتنا تبادل التحية من بعيد بين الحين والآخر، وعلى الرغم من أنني كنت أعلم أن الدكتور «مصباح الهدى باقري كني» لم يكن مجرد أستاذ مرموق في تخصص الإدارة، بل كان أيضاً حلقة الوصل بين عدد من المؤسسات العلمية والفكرية والثقافية، بل وحتى الإعلامية، وبين سماحة القائد الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي(رض)؛ فإن الظروف لم تُتح لنا أن نجري حديثاً مطولاً معاً. وكنت أعلم كذلك أن جدول أعماله كان مزدحماً للغاية.
لكن في خريف عام 2022، وفي خضمّ المنعطفات التي شهدتها الأزمة السياسية في البلاد، شعرت بأن من الضروري أن أطرح على الدكتور مصباح بعض الملاحظات بشأن كيفية فهم نظام الحوكمة لما كان يجري آنذاك. وكانت المناسبة استطلاعاً للرأي حول «فكرة الجامعة ومستقبلها» ضمن بحث كنت أعمل عليه. فأرسلت إليه رسالة نصية للتنسيق وطلب موعد، فحدد لي 90 دقيقة، وبعد يومين التقينا في مكتبه بالجامعة، وذلك يوم الاثنين الموافق 12 ديسمبر 2022.
«يتحدّث قليلاً ويستمع كثيراً..»
طال حديثنا، إلا أن الدكتور مصباح الهدى تفضل بتمديد موعد اللقاء مرتين أو ثلاث مرات، حتى استمر الحوار بيننا نحو ثلاث ساعات. والحقيقة أن الدكتور مصباح الهدى كان يتحدث قليلاً ويستمع كثيراً؛ وكان يصغي بدقة، ويجيب بصبر وروية.
وبعيداً عن الأسئلة المرتبطة بالمشروع البحثي، فإن كل ما كان يقوله في الحقيقة كان لوناً من الإصغاء الفاعل الذي كان يشجعني على الحديث براحة وإسهاب.
وخلال بعض محطات النقاش، روى لي ذكريين أو ثلاثاً من تجاربه مع الإمام الشهيد، وكان مضمونها أن سماحته كان يشجع الدكتور مصباح الهدى في مختلف المراحل والنقاشات على امتلاك «فكر مستقل»، ويؤكد أهمية «النمو» والتطور عبر التجارب التي يخوضها الإنسان.
«الطلب والتولية»
في ذلك اللقاء الممتع، كنت أشعر بأن الوقت يمضي بسرعة. وفي ختام النقاش، وصلنا إلى نقطة تتعلق بالعلاقة بين الجامعة والعلوم الإنسانية وبين مسيرة تقدم الثورة الإسلامية.
قلت له: «لا أدري ما الذي نقوم به نحن في هذه الجامعة؟ لكنني حين أقارن بين ما يفعله العدو الصهيوني، الذي يستهدف علماءنا النوويين بالاغتيال، أشعر بأن وجودي ونشاطي بصفتي أستاذاً أو باحثاً في الجامعة ليسا من التأثير بحيث يزعجان العدو؛ مع أنني في هذا الميدان، ميدان الجهاد العلمي الذي يمثل نطاق عملي، ينبغي أن أكون قوياً وصاحب أثر حاسم».
ما إن قلت ذلك حتى لمع بريق الحماس في عينيه. فأيّد هذا الشعور وهذه الفكرة، وقال: «هذا هو الطريق الصحيح لي ولك داخل الجامعة». ثم تحدث بإيجاز ودقة عن فكرة جامعة الإمام الصادق(ع) ومستقبلها، واقترح عليَّ أن أقرأ مقالاً بعنوان «الطلب والتولية»، كان قد كتبه قبل مدة حول هذا الموضوع.
بعد ذلك، قرأت ذلك المقال الثري بالأفكار والمعاني، فكان له أثر بالغ في استكمال رؤيتي لهذه القضية، غير أنني لم أكن أعلم أنه كان يسعى عملياً إلى تحقيق ما كان يشغل ذهني، وأنه، من خلال الأعمال المخلصة التي كان ينجزها، كان يهيئ نفسه للشهادة.
«مستمعاً فاعلاً»
بعد نحو عام، دُعيت إلى جلسة في مركز النمو بجامعة الإمام الصادق(ع) لتحليل واقع مشاركة المواطنين في الانتخابات.
كنت أعرف الضيف الآخر في البرنامج؛ لكن عندما وصلت إلى قاعة الاجتماع، وجدت الدكتور مصباح الهدى حاضراً أيضاً بصفته مستضيف الجلسة.
ولم نكن نحن الضيفين وحدنا من تحدث بكل راحة وعفوية، بل إن طلاب مركز النمو، الذين كانوا يكنّون محبة كبيرة له، تحدثوا كذلك بكل بساطة ومن دون تكلف.
أمّا هو، فكان يصغي إلينا باهتمام بالغ؛ ورغم أن بعض جوانب تحليلنا ربما لم تكن توافق رأيه، فإنه لم يتدخل في النقاش إطلاقاً، بل عاد ليمارس دوره بوصفه «مستمعاً فاعلاً».
وتذكرت حينها أننا، في ذلك الحوار الدافئ الذي استمر ثلاث ساعات في العام السابق، كنّا قد وصلنا إلى اختلاف عميق في الرأي حول قضية حساسة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من تأثير ذلك الخلاف في فهم موضوع النقاش، فقد حضر الجلسة بنفسه، بل وشكرنا أيضاً على طرحنا للأفكار المتعلقة بالموضوع نفسه الذي كان محل الخلاف.
«ابحثوا عن طريقكم إلى الشهادة..»
رغم أن هذه الروحية كانت جديرة بالإعجاب وجديرة بأن تُحتذى، فإنها لم تكن مجرد فضيلة شخصية؛ فمن خلال ما عرفته عنه، أدركت أنه كان قد رسّخ هذه الخصلة في نفسه عن وعي، ليكون قناةً أمينةً وآمنةً لنقل وجهات النظر المختلفة إلى قائد الثورة الإسلامية الشهيد، ولنقل آرائه وتوجيهاته في الاتجاه المقابل أيضاً.
الآن، بعدما وُقّعت وثيقة شهادته، والتحق بالرفيق الأعلى، أتساءل: كيف يمكن حمل العبء الثقيل الذي كان ينهض به؟ وهل نحن أهلٌ لذلك؟ وفي هذا اليوم نفسه الذي أكتب فيه هذه السطور، شاهدت مقطعاً قصيراً يوصي فيه الدكتور مصباح الهدى طلابه، قائلاً: «ابحثوا عن طريقكم إلى الشهادة، واصنعوه بأنفسكم».
وأرجو أن يكون رفيقنا السعيد، الذي باتت يده اليوم أوسع قدرةً من أي وقت مضى على الأخذ بأيدي أصدقائه ورفاقه، معيناً لنا، حتى نجد، وسط أداء الواجبات الجسام الملقاة على عواتقنا، سبيلاً للالتحاق بقافلة الشهداء.