تجسد رسالة الإمام الشهيد الموجزة في حجمها، العميقة في مضمونها، «التصور العام للفكر الإسلامي في القرآن»، هذه الرؤية بوضوح.
فالرسالة، التي تمثل حصيلة الدروس التي ألقاها القائد الشهيد على جيل الشباب في السنوات السابقة لانتصار الثورة، تُعدّ نموذجًا متجددًا في تناول العلاقة بين الإيمان والعمل.
ووفقًا لهذه الرؤية، يؤدي الإيمان دورًا مزدوجًا؛ فهو «يرسم معالم الحياة»، كما أنه «يولد العمل ويبعث عليه».
ويسعى هذا المقال، من خلال قراءةٍ تحليلية لهذه الرسالة، إلى بيان الكيفية التي صاغ بها القائد الشهيد، انطلاقًا من الأركان الأربعة: الإيمان، والتوحيد، والنبوة، والولاية، منظومةً مفاهيميةً يُعرَّف في إطارها كل مؤمن بوصفه «فاعلًا مسؤولًا».
قبل سنواتٍ من انتصار الثورة، كان القائد الشهيد يُلقي دروسًا ومحاضراتٍ للشباب، جُمعت لاحقًا في رسالةٍ قصيرة بعنوان «التصور العام للفكر الإسلامي في القرآن».
وفي هذه الرسالة الموجزة والمكثفة، بدأ الإمام الشهيد حديثه عن الإيمان بلغةٍ رصينةٍ واضحة، وطرح التوحيد بوصفه رؤيةً كونيةً متكاملة، ثم تناول البعثة والنبوة، ليختتم مباحثه بالولاية، مقدّمًا الإسلام للمجتمع وللجيل الشاب باعتباره أيديولوجيةً حيةً ودينًا نابضًا بالحيوية والدينامية.
رؤيةٌ جديدة في الفكر الإسلامي
في كتب علم الكلام الإسلامي التقليدية، جرت العادة على البدء بما يُعرف بـ«الأمور العامة»؛ أي بالمباحث التي تتناول قضايا من قبيل: بداهة الوجود، وبساطة الوجود، والاشتراك المعنوي للوجود، وزيادة الوجود على الماهية، وأصالة الوجود، فضلًا عن مباحث امتناع إعادة المعدوم، والعِلّية، والوجوب والإمكان، والحدوث والقدم، والجواهر والأعراض، وما شابه ذلك من الموضوعات.
ومن خلال هذه المباحث يُمهَّد الطريق للدخول إلى مباحث الإلهيات بالمعنى الأخص، في حين تُعرف هذه القضايا نفسها باسم الإلهيات بالمعنى الأعم.
وقبل الولوج إلى هذه الأمور العامة أو الإلهيات العامة، يعرض علماء الكلام عادةً مباحث تتعلق بـوجوب شكر المنعم ولزوم دفع الضرر وجلب المنفعة، لإثبات ضرورة الخوض في معرفة الله والعقائد الدينية.
أمّا هذه الرسالة الموجزة للقائد الشهيد، فإنها تستقي معالم الفكر الإسلامي من القرآن الكريم نفسه؛ ولذلك فهي لا تتناول شيئًا من تلك المباحث التقليدية، الأمر الذي يجعل منها نموذجًا متجددًا ورؤيةً مبتكرةً لصياغة العقيدة الإسلامية على هدي القرآن الكريم.
الإيمان.. منطلق المسيرة الوجودية للإنسان
تبدأ هذه الرسالة بالحديث عن الإيمان، وهو منهج يقترب إلى حدٍّ كبير من الطروحات التي يقدمها علم الكلام الجديد أو اللاهوت الحديث في عصرنا.
ففي علم الكلام المعاصر تنطلق المباحث أيضًا من حاجات الإنسان، ويُعدّ الإيمان من أبرز تلك الحاجات. فالإيمان حاجةٌ أصيلة، وميلٌ فطريٌّ راسخ في أعماق النفس الإنسانية، يدفع الإنسان إلى البحث عن معبودٍ حقيقي كامل الصفات.
ومن هذا المنطلق، تقدم الرسالة موضوع بحثنا الإيمان بوصفه حقيقةً أصيلةً ومتجذرة، وحاجةً دائمة للإنسان، وتعدّه نقطة الانطلاق في مسيرته الوجودية، وفلسفة وجوده، والعامل الذي يهب الحياة معناها.
وجاء في أحد مقاطع هذه الرسالة: «الإيمان يعني التصديق، والقبول، والالتزام بما يحتاج إلى السعي والجد والاجتهاد من أجله وفي سبيله، وبالطريق الذي يوصله إلى تلك الغاية، وأخيرًا بنفس هذا السعي والحركة.
ومن دون الإيمان، فإن كل حركةٍ وسعيٍ يظلان عُرضةً للزوال وعديمي الجدوى، ويغدو كل سائرٍ فاقدًا للحيوية، خامد الروح، ثم لا يلبث أن يخبو ويسكن ويفقد كل حركة..» ومن هذا الواقع تنبع عناية القرآن الكريم بمفهومي الإيمان والمؤمن، واعتباره هذه الخصلة من أسمى القيم وأرفع الصفات التي يتحلى بها الإنسان.
نقد الإيمان المنفصل عن العمل
يتحدّث الإمام الشهيد في هذه الرسالة عن إيمانٍ واعٍ، قائمٍ على الأصول والمباني العقدية، ومقرونٍ باتباعٍ بصيرٍ لرسول الله(ص)، مستندًا في ذلك إلى آياتٍ عديدة من القرآن الكريم.
وهو لا يؤمن بإيمانٍ منفصلٍ عن العمل، عقيمٍ لا يثمر ولا ينتج، بل يرى أن قيمة الإيمان إنما تكمن في كونه «يرسم معالم الحياة» و«يولد العمل»؛ أي إنه إيمانٌ يقترن بالعمل والالتزام العملي.
ثم ينتقل إلى الحديث عن البشائر، وهو في الحقيقة حديثٌ عن آثار الإيمان وثمار التحلي به؛ من طمأنينة القلب، واستنارته، والبشائر الصادقة، وما يمنحه القرآن للمؤمنين من السكينة، والأمن، واليقين، والهداية الواضحة.
وعلى الرغم من أن هذا المبحث عُرض بإيجازٍ شديد واختصارٍ مكثف، فإنه يقدم نموذجًا جديدًا ومتميزًا في تناول هذه القضية.
الإيمان القائم على الرؤية التوحيدية
يتناول الإمام الشهيد في هذه الرسالة موضوع التوحيد والرؤية التوحيدية للعالم بصورةٍ واسعة ومن زوايا متعددة. ويعرض الله سبحانه بوصفه القدرة العليا وخالق الكون وما فيه، والمتصف بجميع صفات الكمال، من علمٍ وقدرةٍ وإرادةٍ وحياةٍ وغيرها.
كما يبين أن العالم بأسره، من الذرة إلى الأفلاك والمجرات والعوالم المجهولة، إنما هو خلقه وعبيده، خاضعٌ لسلطانه وقهره.
فلا ولد له، ولا زوجة، ولا كفء ولا مثيل، وجميع الموجودات تقع ضمن دائرة عبوديته. وهذه هي قاعدة التوحيد التي يقوم عليها الكون، وهي الأساس الذي تنبني عليه جميع التصورات والبرامج والأفكار والأعمال وأنماط الحياة في الإسلام.
وقد عرض القرآن الكريم التوحيد بصيغٍ وتعابير متعددة، مؤكدًا أن الوجود بأسره، وفق الرؤية التوحيدية، مرتبطٌ بالقدرة المطلقة لله تعالى.
فهو ليس خالق العالم والموجودات فحسب، بل له أيضًا السيطرة التكوينية على جميع الكائنات، كما أن حق التشريع وسنّ القوانين مختص به وحده، وجميع الخلائق ملزمة بطاعته والانقياد لأمره.
وتقتضي هذه العبودية العامة لله أن لا يكون لأي مخلوقٍ حق الاستبداد أو التسلط أو فرض سلطانه على سائر عباد الله (نفي الطاغوت)، وأن يكون المتولي لشؤون حياة الناس ومدبر أمورهم هو من اختاره الله للحكم، سواء بالنص على شخصٍ بعينه، كالأئمة المعصومين(ع)، أو بوضع المعايير والضوابط التي تنطبق على الحاكم الإسلامي في عصر غيبة الإمام المعصوم(عج).
وبهذا يكون الله سبحانه صاحب الألوهية الحصرية والربوبية الحصرية معًا.
وفي هذه الرسالة، يعدّ قائد الأمّة أن جوهر التوحيد يتمثل في نفي العبودية لغير الله، وهو تأكيد واضح على البُعد الاجتماعي والسياسي للتوحيد، وهو البُعد الذي نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى استحضاره.
ومن ثمرات الإيمان بالتوحيد وآثاره رفض الظلم، ومناهضة التمييز، وإسقاط الأنظمة الطبقية الجائرة.
المستجيب لدعوة النبي
وفي فصلٍ آخر، يتناول الإمام الشهيد موضوع النبوة، وأهدافها، وبعثة الأنبياء. ويبحث، مستندًا إلى آياتٍ من القرآن الكريم، دعوة الأنبياء إلى الله والإيمان، وهداية المجتمع والناس، ومواجهة الفئات الظالمة والمعادية للمجتمع، التي يعبّر عنها القرآن بعناوين الطاغوت والملأ والمترفين والأحبار والرهبان.
فالأنبياء هم هداة المجتمع، يسعون إلى الارتقاء بمستوى الفكر الإنساني، وتهذيب النفوس، وإعداد الإنسان للقيام برسالته.
ومَن يستجيب لدعوة النبي، ينبغي له أن يسلك الطريق نفسه الذي سلكه النبي، وأن يعينه في أداء المسؤولية التي حملها على عاتقه.
ومن ثم، فإن فلسفة النبوة، وجوهرها، ومضمونها الحقيقي، يتمثل في قبول دعوة النبي، وقبول الالتزام الذي تفرضه هذه الدعوة، وهو التزامٌ حتمي لا مناص منه.
وهكذا، تتجلى في الرؤية الدينية، ومن خلال مبحث النبوة، قضية المسؤولية الاجتماعية والمسؤولية العامة، وهي من القضايا التي تحتل اليوم مكانةً بارزة في مباحث فلسفة الأخلاق والفلسفة السياسية.
التمايز الفكري والعملي عن العدو
في القسم الأخير من هذه الرسالة، يطرح قائد الأمّة مبحث الولاية، وهو من أكثر مباحث المعارف الإسلامية رسوخًا واتساعًا. فالولاية تتناول، من جهة، معاني المودة والاتباع، ومن جهة أخرى، القيادة وزعامة المجتمع.
ومن مقتضيات الولاية رسم حدودٍ فاصلة مع الأعداء، واتخاذ موقفٍ فكري وعملي واضح تجاههم، والاصطفاف في مواجهتهم، وهو ما يعبر عنه القرآن الكريم أحيانًا بمفهومي الموالاة أو التولي.
كما تقتضي الولاية إقامة أمّةٍ ومجتمعٍ إيماني قوي، يحفظ وحدته وتماسكه، ويحول دون تغلغل الأعداء وإفسادهم. فالولي هو قائد المجتمع الإسلامي الذي يقوده، بإذن الله تعالى، نحو الأهداف والمقاصد الإلهية.
ومن ثم، فإن الولاية ليست مجرد رابطة عاطفية، بل هي حقيقةٌ مضيئة هادية، وضرورة تضمن ثبات المجتمع وبقاءه ورقيّه.