الوفاق/ خاص
د. أكرم شمص
—-
لقد كانت واشنطن والعدو الصهيوني يراقبان المشهد بعيون مختلفة عن عيون ملايين المشيعين. لم يكن السؤال عندهما: كم سيحضر في التشييع؟ بل: ماذا سيحدث بعد انتهاء التشييع؟
ففي الحسابات الاستراتيجية، تنتهي قوة كثير من الأنظمة برحيل قادتها، وتبدأ لحظة الارتباك مع مراسم الدفن. لذلك لم يكن اغتيال الإمام الشهيد القائد السيد علي الخامنئي، في نظر خصوم الجمهورية الإسلامية، نهاية رجل فقط، بل بداية مرحلة كانوا يتوقعون أن تتصدع فيها الدولة، وتتنافس فيها مراكز القرار، وتدخل فيها إيران زمن ما بعد القائد؛ لكن ما حدث كان معاكسًا تمامًا.
فقد جاءت الحشود المليونية لتنسف الرهان الشعبي، ثم جاء بيان قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى الحسيني الخامنئي ليقضي على الرهان السياسي. وهنا لم يعد البيان مجرد نص تأبيني، بل أصبح أول وثيقة استراتيجية للعهد الجديد، كتبها قائد يدرك أن كل كلمة فيه ستُقرأ أولًا في غرف القرار بواشنطن وتل أبيب قبل أن تُقرأ في طهران.
منذ السطر الأول، لم يرسم البيان مشهد دولةٍ فقدت قائدها، بل استعاد مسار مشروعٍ إلهي يمتد من الرسالة المحمدية، إلى ملحمة كربلاء مع الإمام الحسين(ع)، ثم إلى نهضة الإمام المقدّس روح الله الموسوي الخميني (قدّس سرّه الشريف)، ليجدّد حضوره في قيادة الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي (قدّس الله نفسه الزكية).
إنها سلسلةٌ لا يحكمها تعاقب الأشخاص، بل استمرارية الرسالة، حيث تتبدل الوجوه ويبقى المشروع حيًا ومتجدّدًا. إنها فلسفة تنقل الشرعية من الأشخاص إلى الفكرة، ومن الفرد إلى المدرسة. فالعدو اغتال قائدًا؛ لكنه اكتشف أن القيادة في هذا النموذج ليست فردًا يمكن استهدافه، بل منظومة عقائدية وتاريخية تتوارث المسؤولية كما تتوارث الرسالة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالدول التقليدية تخشى فراغ السلطة، أما الدولة العقائدية فتتعامل مع استشهاد القائد بوصفه لحظة تجديد للشرعية. ولذلك لم يكن البيان رثاءً للماضي، بل إعلانًا عن المستقبل.
ولعل أهم ما ورد فيه أنه لم يقدّم التشييع باعتباره مراسم وداع، بل بوصفه استفتاءً سياسيًا. فعشرات الملايين الذين ملأوا شوارع إيران والعراق لم يكونوا، في لغة البيان، جمهورًا يبكي، بل أمّة تجدّد البيعة للمشروع. وهنا تحولت الجنازة إلى ما يشبه الاستفتاء الشعبي الأكبر في تاريخ الجمهورية الإسلامية، حيث لم تُقس الشرعية بعدد الأصوات في صناديق الاقتراع، بل بعدد الجموع التي سارت خلف النعش.
أمّا الرسالة الأكثر إرباكًا لواشنطن، فجاءت في الحديث عن الثأر. فالبيان لم يحدّد زمانًا ولا مكانًا، ولم يتحدّث عن ردّ انفعالي، بل عن مسار تاريخي لا يرتبط بوجود قائد أو مسؤول. إنها صياغة تنقل الثأر من كونه قرارًا عسكريًا إلى كونه التزامًا حضاريًا، بحيث يصبح اغتيال القادة سببًا لتوسيع دائرة المواجهة لا لتقليصها.
وفي هذا السياق، تبدو العبارة التي تؤكد أن الأمر “لا يتوقف على وجودي أنا أو وجود سائر المسؤولين” من أكثر العبارات عمقًا. فهي إعلان بأن المشروع أصبح مستقلًا عن الأفراد، وأن القيادة ليست مركز الثقل الوحيد، بل إن الأمة نفسها تحولت إلى حامل للمشروع.
من الناحية الفلسفية، يقدّم البيان رؤية مختلفة لمعنى الزمن. فالزمن عنده ليس تقويمًا سياسيًا يبدأ وينتهي، بل امتداد لعاشوراء. ولذلك لا يرى في استشهاد القائد نهاية، بل حلقة جديدة في التاريخ الحسيني، حيث تتحول الدماء إلى طاقة أخلاقية وسياسية تعيد إنتاج المجتمع والثورة معًا.
كما أن إدراج العراق إلى جانب إيران في قلب البيان لم يكن مجرد شكر للمشاركين، بل إعلانًا بأن المجال الحيوي للثورة لم يعد يُقاس بالحدود الجغرافية، وإنما بامتداد الفكرة. وهذا ما يجعل التشييع نفسه حدثًا إقليميًا، لا مناسبة وطنية فحسب.
ثم تأتي الخاتمة المهدوية لتمنح المشهد بعدًا أبعد من السياسة. فالبيان لا يربط الحاضر بالماضي فقط، بل يربطه أيضًا بالمستقبل الموعود، حيث تصبح الشهادة خطوة في مشروع إلهي ممتد، لا حادثة عابرة في صراع سياسي.
لقد كان العدو ينتظر بيانًا يطمئن الداخل ويخفف وقع الفاجعة؛ لكنه فوجئ بوثيقة تعلن أن الاغتيال لم يُضعف المشروع، بل أعاد صياغته بلغة أكثر صلابة. وكأن الرسالة كانت واضحة: لقد اغتلتم القائد؛ لكنكم منحتم الفكرة حياة جديدة.
وهكذا، لم يكن أهمّ ما في التشييع تلك الملايين التي ملأت الساحات، بل ذلك البيان الذي أعلن أن الجمهورية الإسلامية دخلت مرحلة جديدة من تاريخها، وأن الرهان على انهيارها برحيل قائدها كان، منذ اللحظة الأولى، رهانًا على قراءة خاطئة لطبيعة هذه الثورة؛ فهي ثورة لا يقودها الأحياء وحدهم، بل يحملها أيضًا الشهداء، وتبقى شرعيتها متجددة ما دام هناك شعب يؤمن بأن الدم، إذا كان لله، يصنع من التاريخ بدايةً جديدة لا نهاية.
