وسائل الإعلام الغربية؛ رواية حقيقة لا يمكن إنكارها
واجهت وسائل الإعلام الغربية، التي غالبًا ما سعت خلال السنوات الماضية إلى رواية التطورات الداخلية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية من زاوية الخلافات والأزمات الاجتماعية، مشهدًا لم يكن من الممكن تجاهله هذه المرة. فقد شارك ملايين الأشخاص في مراسم التشييع في شوارع طهران، وهو واقع اضطر وسائل الإعلام الغربية إلى صياغة روايتها على أساسه.
وإلى جانب إشارتها إلى الحضور المليوني، ركّزت صحيفة «الغارديان»، في تقريرها، على جانب نادرًا ما يظهر في التقارير الإعلامية الغربية عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو الدقة في تنظيم المراسم، وكتبت: أن “المراسم أُقيمت وفق تخطيط منظم، وبمشاركة قوات متطوعة وإدارة مناسبة، ومن دون وقوع حوادث خطيرة”. وقد قدّمت هذه الرواية عمليًا صورة مختلفة عن القدرات الإدارية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في تنظيم تجمع جماهيري هائل.
أمّا وكالة «رويترز»، فعلى الرغم من محاولتها تقديم تقريرها في إطار تحليلي، فإن أبرز ما تضمنه كان إقرارًا بفشل الهدف السياسي للحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكتبت: أن “مراسم التشييع لم تكن مجرد وداع، بل كانت استعراضًا للمقاومة الوطنية ورسالة واضحة إلى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، مفادها أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تنهار بعد الحرب، بل أظهرت نفسها أكثر صمودًا وتماسكًا”، بل إن «رويترز» اعتبرت هذا التماسك أحد العوامل المؤثرة في موقع الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال المفاوضات المقبلة.
كما استخدمت «بي.بي.سي عربي»، على الرغم من نهجها الانتقادي المعتاد تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تعبيرات من قبيل «تاريخية» و«مليونية» لوصف المراسم، وتحدّثت عن امتداد موكب التشييع مسافة عدة كيلومترات في شوارع طهران. ووضعت الشبكة خبر المراسم في صدارة تغطياتها، في خطوة عكست الأهمية الإخبارية التي اكتسبها هذا الحدث.
ووصفت وكالة الصحافة الفرنسية «أ.ف.ب» المراسم بأنها استعراض لـ«صمود الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، مؤكدة أن هذا التجمع الكبير، الذي أُقيم بعد الهجمات الأميركية والصهيونية، حمل رسالة تؤكد استمرار النظام السياسي الإيراني وثباته.
وسعت وكالة «أسوشيتد برس» إلى نقل الأجواء العاطفية للمراسم، فلم تكتفِ بعكس هتافات المشاركين، بل أشارت أيضًا إلى بعض التقاليد الدينية والاجتماعية، مثل التبرك بالنعش، في رواية حملت كذلك بعدًا ثقافيًا بالنسبة إلى الجمهور الغربي.
أمّا «يورو نيوز»، فركّزت بصورة أكبر على المشاهد العاطفية للمراسم، وكتبت عن الدموع والحزن ومحاولات الناس توديع قائد الثورة الشهيد(رض).
وخصصت شبكة «سي.إن.إن» جزءًا من تقريرها للمراسم الرمزية التي جرى خلالها رشق صورة ترامب بالحجارة، واعتبرتها أحد مظاهر المناخ السياسي الذي ساد التشييع.
وفي الوقت نفسه، قدّمت كل من شبكة «إيه.بي.سي نيوز» الأميركية وقناة «فرانس 24» تغطية مباشرة ولحظة بلحظة للمراسم، في خطوة أظهرت أن الحدث تحوّل إلى واحد من أهم أخبار العالم في ذلك اليوم.
كما أشارت وكالة «إيفي» الإسبانية إلى المشاركة المليونية، وطول مسار التشييع، وحضور أسرة قائد الثورة الشهيد(رض)، والأجواء السياسية التي سادت المراسم، ووصفت الحدث بأنه أحد أكبر التجمعات في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية المعاصر.
رواية وسائل الإعلام العربية؛ تشييع تحوّل إلى أهم تطوّرات المنطقة
إذا كانت وسائل الإعلام الغربية قد تابعت مراسم تشييع قائد الثورة الشهيد(رض) بصورة أساسية من زاوية تداعياتها الداخلية والجيوسياسية، فإن وسائل الإعلام العربية والإقليمية تناولت الحدث ضمن سياق مختلف. فبالنسبة إلى كثير من القنوات الإخبارية الناطقة بالعربية، لم تكن المراسم مجرد طقس حداد، بل مثّلت امتدادًا لتطورات الحرب المفروضة الأخيرة، ومستقبل محور المقاومة، وتأثير ذلك في المعادلات الإقليمية.
لهذا السبب، بدأت جميع الشبكات العربية المهمة تقريبًا، منذ الساعات الأولى من الصباح، تغطية المراسم لحظة بلحظة، سواء عبر مراسليها المنتشرين في طهران أو من خلال الاتصالات المباشرة مع العاصمة الإيرانية. واستمرت هذه التغطية، في كثير من الحالات، حتى انتهاء المراسم، لتتحول إلى واحد من أهم أخبار اليوم في وسائل الإعلام العربية.
وكانت قناة «الجزيرة» صاحبة التغطية الأوسع والأكثر استمرارًا بين وسائل الإعلام العربية. فمنذ الأيام الأولى لمراسم الوداع، تابعت القناة القطرية التطورات المرتبطة بالتشييع بصورة مباشرة، كما بدأت في يوم المراسم الرئيسية، ومنذ الساعات الأولى من الصباح، نقل آخر التطورات عبر اتصالات مباشرة من طهران.
وأفادت «الجزيرة» بأن شوارع طهران امتلأت منذ الساعات الأولى بجماهير جاءت لتوديع قائد الثورة الشهيد(رض)، وأن من المتوقع مشاركة ملايين الأشخاص في المراسم. كما أشارت القناة إلى طول مسار التشييع، والتوقعات باستمرار المراسم ما بين عشر ساعات واثنتي عشرة ساعة، فضلًا عن الحضور الواسع لمختلف شرائح الشعب.
وأظهر استمرار هذه التغطية أن «الجزيرة» لم تنظر إلى الحدث باعتباره مجرد خبر داخلي إيراني، بل تعاملت معه بوصفه تطورًا مؤثرًا في معادلات المنطقة المستقبلية.
في المقابل، قدّمت قناة «الميادين» رواية مختلفة وأكثر قربًا من الأجواء الميدانية. وتحدّث مراسل القناة، الذي كان حاضرًا في موقع المراسم منذ الساعات الأولى، عن «سيل بشري»، واصفًا التشييع بأنه أحد أكبر التجمعات في التاريخ المعاصر للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وسعت «الميادين»، من خلال تركيزها على انتشار أعلام الجمهورية الإسلامية الإيرانية والأعلام الحمراء التي ترمز إلى المطالبة بالثأر للدماء، إلى نقل الأجواء العاطفية والسياسية للمراسم في آن واحد. كما توقعت القناة أن يُسجّل هذا اليوم باعتباره إحدى نقاط التحول في التاريخ السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأشارت إلى أن حجم الحشود بلغ درجة استحال معها التنقل في بعض المسارات. وفي رواية «الميادين»، لم يكن تشييع قائد الثورة الشهيد(رض) نهاية مرحلة، بل بداية مرحلة جديدة في تطورات المنطقة.
بدورها، بثّت شبكة «العربي» أجزاء من المراسم على الهواء مباشرة، وسلّطت الضوء على الحضور الشعبي الواسع، واضعة الخبر منذ الساعات الأولى في صدارة تغطياتها. وعلى الرغم من أن لغة «العربي» كانت أكثر حذرًا مقارنة بلغة «الميادين»، فإن الشبكة لم تستطع تجاهل الأبعاد الهائلة للمراسم، واعتبرت الحضور الجماهيري الكثيف في شوارع طهران السمة الأبرز للحدث.
أمّا قناة «العهد» العراقية، التي تُعدّ من وسائل الإعلام القريبة من تيار المقاومة، فركزت على الرسالة السياسية للمراسم. وأفاد مراسل القناة في طهران بأن أبناء الشعب الإيراني حملوا رايات المطالبة بالثأر، وطالبوا بالانتقام لدم قائد الثورة الشهيد(رض).
وفي رواية «العهد»، لم يكن التشييع مجرد مراسم حداد، بل كان ساحة لإظهار الإرادة الشعبية في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. وقد انسجم اختيار هذه الزاوية مع النهج العام للقناة في تغطية تطورات محور المقاومة.
كما أولت قناة «المسيرة» اليمنية اهتمامًا خاصًا بالطابع الشعبي للمراسم. وأفاد مراسلها بمشاركة الأسر الإيرانية، من الأطفال إلى كبار السن، معتبرًا الحضور الواسع لمختلف شرائح المجتمع دليلًا على عمق ارتباط الشعب بقائد الثورة الشهيد(رض).
وأشارت «المسيرة» أيضًا إلى مشاركة الوفود الأجنبية، واعتبرت ذلك مؤشرًا إلى المكانة العابرة للحدود التي اكتسبتها المراسم، بل إن القناة أفادت بأن ضخامة الحشود قد تضطر المنظمين إلى إدخال تغييرات على آلية تنفيذ بعض مراحل التشييع.
كما عكست وكالة «شهاب» الفلسطينية الحضور الشعبي الواسع في شوارع طهران، واعتبرته دليلًا على التماسك الداخلي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال مرحلة ما بعد الحرب.
وبالنسبة إلى وسائل الإعلام الفلسطينية، لم تكن المراسم حدثًا إيرانيًا داخليًا، بل جزءًا من تطورات جبهة المقاومة في المنطقة. ولهذا سعت وكالة «شهاب» إلى إبراز العلاقة بين المراسم والتطورات في فلسطين ضمن تقاريرها.
وإلى جانب وسائل الإعلام، تفاعلت شخصيات معروفة في العالم العربي مع المراسم. فقد أشاد كمال شرف، رسّام الكاريكاتير والناشط الإعلامي اليمني، في مقال حظي بانتشار واسع على شبكات التواصل الاجتماعي العربية، بالشعب الإيراني لما أظهره من وفاء وثبات ووعي، وكتب: أن “الشعب الإيراني، وإن كان يبكي قائد الثورة الشهيد(رض)، فإنه يحوّل هذا الحزن إلى عهد بمواصلة الطريق”. كما وصف الإيرانيين بأنهم الشعب الأقرب إلى قضية التحرر في مواجهة الهيمنة الأميركية والصهيونية، واعتبر المراسم تجسيدًا لصمود شعب بأكمله.
وتُظهر مراجعة مجمل تقارير وسائل الإعلام العربية أنه، وعلى الرغم من اختلاف توجهاتها السياسية والإعلامية، فقد اشتركت جميعها تقريبًا في ثلاثة محاور رئيسية.
تمثل المحور الأول في الإقرار بالحضور الشعبي الواسع والمليوني في المراسم، وتمثل المحور الثاني في التأكيد على أهمية الحدث إقليميًا وتجاوزه حدود الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أمّا المحور الثالث فتمثل في ربط مراسم التشييع بتطورات ما بعد الحرب الأخيرة ومستقبل معادلات غرب آسيا.
بعبارة أخرى، لم تنظر وسائل الإعلام العربية إلى المراسم باعتبارها مجرد نهاية لحياة قائد، بل قيّمتها بوصفها حدثًا مؤثرًا في مستقبل موازين القوى السياسية في المنطقة. وقد جعلت هذه الرواية من تشييع قائد الثورة الشهيد(رض) واحدًا من أبرز موضوعات الفضاء الإعلامي العربي على مدى عدة أيام.
وسائل الإعلام الروسية؛ تأكيد الاقتدار والتماسك
تناولت وسائل الإعلام الروسية المراسم في المقام الأول من زاوية جيوسياسية. فقد تحدّثت وكالة «ريا نوفوستي» عن «مسيرة جماهيرية هائلة» في طهران، وركزت على رموز المقاومة التي حملها المشيعون.
كما نشرت وكالة «تاس» تقريرًا مصورًا خاصًا، سلطت فيه الضوء على حضور الجماهير منذ الساعات التي سبقت شروق الشمس، واعتبرت ذلك دليلًا على الأهمية التي تمثلها المراسم بالنسبة إلى الرأي العام الإيراني.
وركزت وكالة «سبوتنيك»، مثل غيرها من وسائل الإعلام الروسية، على المشاركة المليونية والتغطية الواسعة للمراسم.
وكان الجانب اللافت في رواية وسائل الإعلام الروسية تركيزها على مفاهيم مثل المقاومة، والتماسك الوطني، واقتدار الدولة؛ وهي مفاهيم تنسجم مع التحليلات الجيوسياسية الروسية بشأن مستقبل المنطقة.
المحللون والصحفيون الأجانب؛ ما هو أبعد من الرواية الإعلامية
إلى جانب وسائل الإعلام، حظيت ردود فعل الصحفيين والمحللين المستقلين بأهمية خاصة. فقد نشر الصحفي الحائز جائزة بوليتزر “غلين غرينوالد” صورًا من المراسم، وكتب: أن “تصور حضور شعبي بهذا الحجم لتوديع قائد في الولايات المتحدة يكاد يكون مستحيلًا”. وتُظهر هذه المقارنة أن حتى منتقدي سياسات واشنطن قيّموا المراسم من زاوية الرصيد الاجتماعي اللافت الذي عكسته.
أمّا ماكس بلومنتال، فاعتبر المراسم واحدة من أكثر اللحظات خلودًا في تاريخ الحركات المناهضة للإمبريالية، مؤكدًا أنه إذا كان الهدف من اغتيال قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية إحداث تغيير سياسي، فإن صور التشييع تثبت أن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا.
وأشار محلل سياسي بولندي إلى التناقض الصارخ بين مشاهد طهران واحتفالات الذكرى السنوية الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، وقال: إنه “لا يمكن لأي مستعمرة استيطانية خاضعة لسيطرة الأوليغارشية أن تحظى بذلك القدر من الولاء والجاذبية الشعبية”، مؤكدًا أن المستقبل يُصنع اليوم في الجنوب العالمي.
كما أقرّ مؤرخ وأستاذ جامعي فرنسي، من منظور بعيد المدى، بأن خمسين عامًا من التحليلات والخبرات الجيوسياسية الغربية تنهار أمام مشهد مشاركة ملايين الإيرانيين في مراسم التشييع. واستنادًا إلى رؤية شارل ديغول، وصف الأمم بأنها أكثر حقائق عصرنا رسوخًا.
وذهب محلل سياسي إسباني إلى أبعد من ذلك، فاعتبر المراسم ليست مجرد حدث وطني، بل نقطة تحول في تاريخ العالم، مؤكدًا أن تشييع قائد الثورة الشهيد(رض) أصبح رسميًا أكثر مراسم التشييع حضورًا في تاريخ البشرية، وهي حقيقة قال إن وكالة «رويترز» نفسها أقرّت بها على مضض.
وتُظهر هذه التصريحات، الصادرة عن شخصيات تنتمي إلى تيارات فكرية مختلفة، أن ما جرى في طهران تجاوز كونه حدثًا إخباريًا، وتحول إلى حقيقة تاريخية تتحدى التحليلات السائدة وتفتح آفاقًا جديدة أمام الدراسات السياسية والاجتماعية.
التحليل الاستراتيجي
تُظهر دراسة أصداء مراسم تشييع قائد الثورة الشهيد(رض) في وسائل الإعلام أن هذه المراسم ينبغي تحليلها بوصفها حدثًا جيوسياسيًا متكاملًا، تضمّن ثلاث طبقات منفصلة من الدلالات؛ لكنها مترابطة في ما بينها.
تمثلت الطبقة الأولى في سقوط الروايات الإعلامية الغربية الخاطئة بشأن عزلة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وتمثلت الطبقة الثانية في تبلور إجماع داخلي حول مواصلة مسيرة الثورة والمقاومة. أمّا الطبقة الثالثة فتمثلت في توجيه رسالة واضحة إلى الأطراف الإقليمية والدولية بشأن المكانة الراسخة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في النظام الجديد لغرب آسيا.
ومن المنظور الاستراتيجي، كان الإنجاز الأبرز للمراسم هو إفشال مشروع «تغيير السلوك عن طريق الصدمة» بصورة كاملة.
فما جرى العمل عليه خلال الأشهر الأخيرة تحت عنوان الحرب الهجينة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كان مصممًا لاستهداف رموز الاستقرار والاقتدار الوطني، تمهيدًا لانهيار تدريجي للمؤسسات السياسية والاجتماعية في البلاد؛ لكن ما جرى في مراسم التشييع كان نقيضًا تامًا لهذه الاستراتيجية؛ إذ شهد العالم استعراضًا للتضامن المجتمعي اجتمعت فيه مختلف الفئات، على تنوع توجهاتها وأذواقها السياسية، تحت راية مشتركة.
وقد كشف هذا التضامن عن رصيد اجتماعي هائل لم يتراجع بعد مرحلة من الحرب والضغوط الخارجية، بل بلغ ذروة تماسكه وازدهاره باستشهاد قائد كان هو نفسه رمزًا لهذه الوحدة.
أمّا الطبقة الثانية من التحليل، فتتعلق بتأثير المراسم في المعادلات الإقليمية. فقد يبدو للوهلة الأولى أن غياب قائد تاريخي يتمتع بالكاريزما سيخلق فراغًا داخل محور المقاومة، يحتاج ملؤه إلى سنوات طويلة. إلا أن ما جرى في طهران تحدى هذه الفرضية.
فمشاركة وفود رسمية من دول عربية وغير عربية، إلى جانب التغطية غير المسبوقة من الشبكات الإقليمية، من «الجزيرة» و«الميادين» إلى «العربي» و«العهد»، أظهرت أن «رسالة طهران» إلى جيرانها تتمثل في أن بنية السلطة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقوم على المؤسسات والخطاب، ولا تعتمد على الأشخاص وحدهم.
ولهذا، فإن انتقال السلطة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خلافًا لما يحدث في عدد كبير من دول المنطقة، لن يقترن بفراغ استراتيجي أو مرحلة انتقالية متوترة.
ومن شأن هذه الحقيقة أن تجعل محور المقاومة، في مواجهته للتهديدات المشتركة، يبدو أكثر تماسكًا وقابلية للتنبؤ من ذي قبل؛ لكن ربما كانت أهم الرسائل الاستراتيجية لهذا الحدث موجهة إلى الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. فقد أُقيمت مراسم التشييع بعد أشهر قليلة فقط من انتهاء آخر جولة من المواجهات العسكرية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني.
وأقرّت وسائل الإعلام الغربية، من «رويترز» إلى «بي.بي.سي» و«سي.إن.إن»، صراحة أو ضمنًا، بأن هذا الحضور المليوني مثّل ردًا حاسمًا من الجمهورية الإسلامية الإيرانية على سيناريو «الانهيار بعد الحرب».
وفي الواقع، مثّل ما تشكل في يوم التشييع «عملية نفسية معاكسة». فقد رسخت صور الحشود الهادرة والتنظيم المثالي للمراسم في أذهان الرأي العام العالمي، من دون حاجة إلى إصدار بيان أو إلقاء خطاب سياسي، حقيقة أن الأزمات لا تؤدي إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل تدفعها في كل مرة إلى إعادة إنتاج تماسكها الداخلي وتعزيزه.
وتحمل هذه الرسالة أهمية خاصة بالنسبة إلى المفاوضات المقبلة؛ لأنها تُظهر أن الطرف الإيراني سيجلس إلى طاولة المفاوضات من موقع القوة لا الضعف، مستندًا إلى رصيد اجتماعي تجلّى بوضوح أمام العالم. وعلى مستوى أبعد، ينبغي اعتبار هذا الحدث مؤشرًا إلى حدوث تحول في النظام الإعلامي العالمي أيضًا.
فللمرة الأولى خلال السنوات الأخيرة، اضطرت وسائل الإعلام الغربية الرئيسية إلى استخدام تعبيرات من قبيل «تاريخي» و«مليوني» و«غير مسبوق» لوصف حدث وقع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ وهي تعبيرات كان استخدامها في السابق يقتصر في الغالب على تغطية التطورات في الدول الحليفة للغرب.
وقد كشف هذا التغير في الرواية، بصورة أوضح من أي وقت مضى، الفجوة بين «إيران التي تصنعها وسائل الإعلام الغربية» و«إيران الموجودة في الواقع». فقد تحولت مراسم التشييع عمليًا إلى «وسيلة إعلام مباشرة بلا وسائط»، نقلت إلى العالم، من دون مرشحات، صورة عن جمهورية إسلامية إيرانية شعبية، موحدة، وصاحبة إرادة؛ وهي صورة لم يكن في مقدور أي تقرير مكتوب أو تحليل إعلامي إنكارها أو تحريفها.
وفي نهاية المطاف، فإن الدرس الاستراتيجي الذي يبقى من هذا الحدث للمستقبل هو إدراك حقيقة أن نقطة قوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تكمن فقط في قدراتها العسكرية أو الاقتصادية، بل في «الصمود الاجتماعي» و«القدرة على تحويل الأزمات إلى فرص لصناعة الإجماع».
وقد أظهر تشييع قائد الثورة الشهيد(رض) أن المجتمع الإيراني تجاوز المرحلة التي كان فيها الحضور الجسدي للقادة هو الضامن للتماسك الوطني، ووصل إلى مرحلة بات فيها الخطاب والمبادئ والذاكرة الجمعية للمقاومة تعمل بنفسها باعتبارها قوة ذاتية ومستدامة.
ولا يوجد لهذا المستوى من الرصيد الرمزي والاجتماعي مثيل في الدول المجاورة، وهو ما يضع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في موقع فريد داخل النظام الإقليمي.
وبناءً على ذلك، ينبغي اعتبار مراسم التشييع نقطة نهاية لمرحلة وبداية لمرحلة جديدة في التاريخ السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية والمنطقة؛ مرحلة تتفوق فيها «الإرادة الجمعية» على «الحسابات المادية»، ويستمر فيها «خطاب المقاومة» باعتباره مبدأ استراتيجيًا، بصرف النظر عن التقلبات الإدارية والتحولات بين الأجيال.
وكانت هذه هي الرسالة التي نقلتها شوارع طهران إلى العالم؛ رسالة لم تُعبّر عنها الكلمات، بل عبّرت عنها الحشود الهائلة، والتنظيم المثالي، والدموع الممتزجة بالعزم، لتجد معناها الحقيقي وتُسجّل في الذاكرة التاريخية للعالم بوصفها أحد أكثر المشاهد السياسية خلودًا في القرن الحاضر.