إن جذور الاهتمام الاستثنائي للقائد الشهيد بمجال العلم والتكنولوجيا تكمن في عقيدة استراتيجية طرحها منذ سنوات، مستنداً إلى الحديث الشريف: «الْعِلمُ سُلْطَانٌ»؛ وهي قاعدة معرفية تؤكد أن العلم هو جوهر القوة، وأن غيابه يمهد الطريق لسيطرة الآخرين. ومن هذا المنطلق، أصبحت القوة الوطنية، والأمن المستدام، والاستقلال الاقتصادي للبلاد، مرتبطةً بشكل مباشر بـ”القدرة على تحويل العلم إلى تكنولوجيا وثروة”.
وتأسيساً على ذلك، مثّل خطاب “النهضة البرمجية”، وإنتاج العلم، والتوجه نحو “الاقتصاد القائم على المعرفة” خلال العقود الثلاثة الماضية، الأولوية القصوى في لقاءاته الرسمية والخاصة مع الفاعلين في بيئة الابتكار. وإذا أردنا تلخيص رؤيته في عبارة واحدة، فإن العلم في المنظومة الفكرية للقائد الشهيد لم يكن مجرد أمرٍ تكميلي، بل كان “ميزة استراتيجية” و”المحرك الأساسي للعزة الوطنية”.
وفي هذا الصدد، يرى عماد أحمدوند، أمين لجنة النانو والميكرو في معاونية العلوم والتكنولوجيا واقتصاد المعرفة برئاسة الجمهورية، أن هذه الرؤية تتجاوز الأطر الأكاديمية الضيقة، قائلاً: “خلافاً لبعض التصورات الاختزالية التي تحصر العلم في نطاق العلوم الدينية أو التعليمية فقط، كانت رؤية القائد الشهيد رؤية شاملة، حضارية، ومحركة للمجتمعات”.
وفي هذا الإطار، لا يمكن للبلاد أن تظل صامدة في وجه العقوبات إلا من خلال الاعتماد على قدراتها الداخلية وكوادرها البشرية من النخب. لذا، كانت قضايا تسريع وتيرة التقدم العلمي، ودعم الباحثين، وتمكين الشباب، من الثوابت في خطاباته؛ وهي تأكيدات ركزت على الانتقال من العلم النظري البحت إلى “العلم النافع، القائم على حل المشكلات، والمولد للثروة”.
من «النهضة البرمجية» إلى «اقتصاد المعرفة»؛ مسار تاريخي ممتدّ
لم يكن اهتمام الإمام الشهيد بالعلم والتكنولوجيا مجرد حدثٍ عابر، بل كان تياراً مستداماً بدأ من مباحث “النهضة البرمجية” في العقود الماضية، وامتد ليصل إلى «اقتصاد المعرفة» في السنوات الأخيرة. فقد كان دائماً ما يوجه الخطاب إلى الجامعات والمراكز البحثية بضرورة ربط العلم بحل مشكلات البلاد.
وفي هذا السياق، لا تُعتبر الشركات القائمة على المعرفة مجرد فاعلين اقتصاديين، بل هي أجزاء من مخطط أكبر لبناء «إيران القوية» القائمة على المعرفة. ففي أدبيات القائد الشهيد، يمثل «اقتصاد المعرفة» نموذجاً لتحويل المواهب الإيرانية إلى منتجات، وفرص عمل، واقتدار وطني.
اللقاء مع المبتكرين؛ ما وراء البروتوكولات الرسمية
من أبرز تجليات هذه الرؤية، تخصيص وقتٍ كبير للقاءات المباشرة مع النخب. لم تكن هذه الاجتماعات رمزية بأي حال من الأحوال؛ بل كانت فرصة للتعبير المباشر عن التحديات، بدءاً من المشكلات المتعلقة بالضرائب والتأمين، وصولاً إلى عوائق التصدير والبيروقراطية الإدارية.
وقد اضطلع القائد الشهيد في هذه اللقاءات بدورين متزامنين: الأول ضخ الأمل وتعزيز الثقة بالنفس لدى الشباب؛ والثاني المطالبة الصريحة من المسؤولين التنفيذيين لإزالة كافة العوائق أمام مسيرة التقدم.
الزيارات الميدانية.. المشاهدة العيانية للتقدّم
كانت الزيارات التفصيلية لمعارض الإنجازات التكنولوجية جزءاً أساسياً من استراتيجيتهم الميدانية؛ ففي هذه الجولات، لم يكتفِ القائد الشهيد بدور المستمع لتقارير المسؤولين، بل كان يحرص على الحوار المباشر مع الباحثين الشباب، مستفسراً عن تفاصيل مسارات التسويق التجاري وعقبات السوق. وقد حمل هذا السلوك رسالة واضحة للمجتمع: أن التقدم العلمي يقع في صلب أولويات الدولة، وليس على هامشها.
دعم الشركات القائمة على المعرفة
لقد أكدوا مراراً وتكراراً على أن دعم الشركات القائمة على المعرفة يجب ألا يظل مجرد شعار؛ فمن تسهيل الحصول على التراخيص إلى ضمان شراء المنتجات المحلية، وصولاً إلى مكافحة الاستيراد غير المنضبط، كانت كل هذه الخطوات جزءاً من سلسلة الدعم التي طالبوا بها. ففي نظر ذلك القائد الحكيم، تمثل الشركات القائمة على المعرفة «الحل الوطني» لتجاوز المشكلات الهيكلية للاقتصاد (في مجالات الطاقة، والزراعة، والأمن الغذائي، والرعاية الصحية).
نظرة إلى السجلات الاستراتيجية
منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أدخل القائد الشهيد مفاهيم مثل «المرجعية العلمية» إلى أدبيات صنع السياسات في البلاد. ففي لقاء مع أساتذة الجامعات (أغسطس ٢٠١٣)، صرح قائلاً: «لقد بدأتُ منذ نحو عشر أو اثنتي عشرة سنة حركةً لتشجيع العلم والعلموية، بهدف الوصول إلى المرجعية العلمية على مستوى العالم».
محطات بارزة في هذا المسار:
- أكتوبر ٢٠١٩: زيارة تفصيلية لمعرض «صنع في إيران»، مع ملاحظته الشهيرة: «إنها التجلي الباهر للموهبة الإيرانية.. وبالتأكيد ستتمكنون من وضع حد للمشكلات الاقتصادية للبلاد». (بالإضافة إلى فتواه الاستراتيجية التي تحرّم شراء السلع الأجنبية في حال توفر البديل المحلي).
- أبريل ٢٠٢٢: إعلان العام كعام لـ«الإنتاج؛ القائم على المعرفة والخلق لفرص العمل»، باعتباره الأولوية التنفيذية الأولى للبلاد.
- أكتوبر ٢٠٢٤: إبلاغ المهمة الجديدة لإحداث «نهضة علمية جديدة» مع التركيز على الذكاء الاصطناعي، وسواحل مَکُران، والأمن الغذائي.
خاتمة:
إن المزج بين الرؤية الاستراتيجية، والسجل التاريخي الممتد، والاهتمام الميداني للقائد الشهيد، يظهر أن نمو الشركات القائمة على المعرفة لم يكن مجرد خيار، بل كان خياراً مقدساً للعبور نحو الاستقلال.
إن دعمه الأبوي ومتابعته المباشرة لم يحافظا فقط على ثقة الشعب بنفسه، بل وضعا مساراً جديداً يضمن خروج «العلم الإيراني» من أسوار الجامعات إلى واقع حياة الناس، ليكون الضامن للتقدم والاستقلال المستدام للبلاد.