من الإجماع إلى الانقسام

حرب غزة تُعيد تشكيل الموقف الأمريكي؛ وتُسرع تآكل التأييد الشعبي للاحتلال

 لم تعُد قضية كيان الاحتلال في الولايات المتحدة تقتصر على صورته الإعلامية، بل تحولت إلى ملف سياسي مثير للجدل أسهم في تراجع التأييد الشعبي وتصاعد الجدل حول الدعم الأمريكي له

لطالما شكّلت العلاقة بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال إحدى أكثر الشراكات رسوخًا في السياسة الدولية، واستندت على مدى عقود، إلى دعمٍ سياسي وعسكري واقتصادي واسع، إضافة إلى توافق استراتيجي بشأن ملفات غرب آسيا. إلا أنّ هذه العلاقة تواجه اليوم اختبارًا غير مسبوق، بعد أن بدأت صورته ومكانته السياسية داخل الولايات المتحدة تشهد تراجعاً ملحوظاً، لم يعُد محصورًا في الأوساط المؤيدة للقضية الفلسطينية أو بعض التيارات السياسية، بل امتد إلى شرائح واسعة من المجتمع الأمريكي، ووصل إلى شخصيات بارزة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

 

وتشير تقارير سياسية أمريكية، من بينها تقرير نشره موقع بوليتيكو، إلى أنّ كيان الاحتلال والمنظمات الأمريكية الداعمة له باتت تشعر بالقلق إزاء التحول المتسارع في صورته لدى الرأي العام الأمريكي، خصوصًا بعد حرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة، التي غيّرت نظرة قطاعات واسعة من الأمريكيين إلى السياسات الصهيونية، وأدخلت الملف الفلسطيني إلى صلب النقاش السياسي الأمريكي.

 

ولم تعُد الانتقادات الموجهة له أصواتًا هامشية، بل أصبحت جزءًا من الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي، ووصلت إلى أروقة الكونغرس، وإلى تصريحات مسؤولين وشخصيات كانت حتى وقت قريب تتجنب توجيه انتقادات مباشرة للحكومة الصهيونية.

 

ودفع هذا التحول حكومة كيان الاحتلال وحلفاءها في الولايات المتحدة إلى إطلاق تحركات سياسية وإعلامية مكثفة، شملت زيادة التواصل مع أعضاء الكونغرس، وتكثيف الحملات الإعلامية، وتنظيم زيارات رفيعة المستوى، في محاولة لاستعادة التأييد التقليدي الذي تمتعت به لعقود.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تستطيع جماعات الضغط وحملات العلاقات العامة إعادة بناء صورته داخل الولايات المتحدة، أم أنّ الأزمة أصبحت مرتبطة بجوهر السياسات التي أنتجت هذا التحول؟

 

 الدعم الأمريكي.. من الشارع إلى الكونغرس

 

تشهد مكانة كيان الاحتلال داخل الولايات المتحدة تراجعًا ملحوظًا، لم يعُد يقتصر على الأوساط السياسية والإعلامية، بل امتد إلى الرأي العام، ولا سيما في أوساط الشباب، الذين أصبحوا أكثر انتقادًا للسياسات الصهيونية وأكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين.

 

ويرى محللون أنّ هذا التحول يرتبط بما خلفته حرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة من دمار واسع وخسائر بشرية، إلى جانب استمرار التوسع الاستيطاني وتصاعد العنف في الضفة الغربية، فضلًا عن الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في نقل مجريات الحرب مباشرةً إلى الجمهور، الأمر الذي أضعف تأثير الرواية الصهيونية التقليدية، وفتح المجال أمام روايات بديلة تحظى بانتشار واسع.

 

وانعكس هذا التحول الشعبي على المشهد السياسي الأمريكي، إذ بات عدد متزايد من أعضاء الكونغرس والسياسيين أكثر جرأة في توجيه الانتقادات إلى سياساته، بعد أن كان ذلك يُعد لسنوات طويلة خطوة مكلفة سياسيًا.

 

وامتدت هذه التحولات إلى داخل الكونغرس، إذ برزت دعوات لإعادة النظر في حجم الدعم العسكري والسياسي المقدم له، في مؤشر على تراجع الإجماع التقليدي الذي حكم الموقف الأمريكي لعقود.

 

ورغم أنّ هذه المبادرات لم تُحدث حتى الآن تحولًا جذريًا في السياسة الرسمية لواشنطن، فإنها تعكس تغيرًا مهمًا في طبيعة النقاش داخل المؤسسات الأمريكية، إذ يرى عدد متزايد من المشرعين أنّ الدعم غير المشروط يتعارض مع المبادئ التي ترفعها الولايات المتحدة في مجال حقوق الإنسان، وقد يضر بمصالحها الدولية على المدى البعيد.

 

كما اتسعت دائرة الانتقادات لتشمل شخصيات من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، في إشارة إلى أنّ الدعم الأمريكي لم يعُد ثابتًا كما كان في السابق، بل أصبح أكثر ارتباطًا بسياسات حكومة كيان الاحتلال وتطورات الصراع على الأرض.

 

 

جماعات الضغط.. معركة لإنقاذ الصورة

 

أمام هذا التراجع المتسارع، كثّفت المنظمات الأمريكية المؤيدة له نشاطها السياسي والإعلامي في محاولة للحد من انعكاسات الأزمة. وتتصدر هذه الجهود لجنة الشؤون العامة الأمريكية الصهيونية (AIPAC)، إلى جانب عدد من المنظمات اليهودية الأمريكية التي ترى أنّ الحفاظ على متانة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب يُمثل أولوية استراتيجية.

 

وتتحرك هذه الجماعات على أكثر من مسار؛ فمن جهة، تواصل تعزيز حضورها داخل الكونغرس عبر لقاءات مباشرة مع المشرعين، ودعم المرشحين الذين يتبنون مواقف مؤيدة لسياساته، ومن جهةٍ أخرى تُكثف حملاتها الإعلامية بهدف الدفاع عن السياسات الصهيونية والرد على الانتقادات المتزايدة.

 

كما اتجهت هذه المنظمات إلى الاستثمار بشكلٍ أكبر في وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، إدراكًا منها أنّ الرأي العام، ولا سيما بين الشباب، أصبح ساحة الصراع الأكثر تأثيرًا في تشكيل المواقف تجاه القضية الفلسطينية.

 

إلا أنّ عدداً من المسؤولين الأمريكيين السابقين والباحثين في الشأن السياسي يرون أنّ حملات العلاقات العامة، مهما بلغت قوتها، لن تكون كافية لاستعادة التأييد التقليدي، لأنّ جوهر الأزمة لا يرتبط بضعف الخطاب الإعلامي، بل بالسياسات التي أفرزت هذه الصورة السلبية داخل المجتمع الأمريكي.

 

 

انقسام داخل معسكر المؤيدين

 

اللافت في المشهد الحالي أنّ الانتقادات لم تعُد تصدر فقط عن خصوم كيان الاحتلال، بل بدأت تظهر داخل الأوساط التي كانت تُعد لعقود من أبرز المدافعين عنه.

 

فقد أعربت شخصيات ومنظمات أمريكية مؤيدة له عن قلقها من أنّ استمرار سياسات الحكومة الصهيونية الحالية قد يؤدي إلى خسارة جزء مهم من الدعم الأمريكي التقليدي، خاصةً داخل الحزب الديمقراطي.

 

وتعتقد هذه الأوساط أنّ العلاقة مع الديمقراطيين تمر بمرحلة حساسة، في ظل اتساع الفجوة بين الحكومة الصهيونية الحالية وبين القاعدة الشبابية والليبرالية التي أصبحت أكثر انتقادًا لحرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة ولسياسات الاستيطان.

 

ووصل الأمر ببعض هذه المنظمات إلى وصف المرحلة الحالية بأنها تُمثل «جرس إنذار»، داعيةً حكومة كيان الاحتلال إلى مراجعة سياساتها وإدراك حجم التحولات الجارية داخل المجتمع الأمريكي قبل أن يصبح فقدان التأييد أكثر صعوبة في المعالجة.

 

وتكشف هذه التطورات أنّ الرهان على ثبات الدعم الأمريكي لم يعُد مضمونًا كما كان في العقود الماضية، إذ أصبحت طبيعة هذا الدعم أكثر ارتباطًا بالأداء السياسي للحكومات الصهيونية وبصورتها أمام الرأي العام الأمريكي.

 

الانتخابات واختبار العلاقة

 

يزداد المشهد تعقيدًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في كل من الولايات المتحدة وكيان الاحتلال، إذ تتحول العلاقة بين الطرفين إلى ورقة سياسية داخلية في البلدين.

 

ففي الولايات المتحدة، يسعى المرشحون إلى مخاطبة قواعد انتخابية متباينة في مواقفها من الحرب على غزة، بينما ستُحدد نتائج الانتخابات الصهيونية شكل الحكومة المقبلة، وما إذا كانت ستواصل النهج الحالي أو تتجه إلى سياسات أقل إثارة للجدل.

 

ويرى محللون أنّ قدرة الكيان على استعادة مكانته داخل الولايات المتحدة في المدى القريب ستظل محدودة، لأنّ الأزمة الراهنة تجاوزت حدود الحملات الإعلامية، وأصبحت نتاجًا لتراكمات سياسية وإنسانية وأخلاقية أثرت بصورةٍ مباشرة في الرأي العام الأمريكي.

 

كما أنّ استمرار الحرب، وغياب أي أُفق سياسي لتسوية الصراع، قد يدفع شرائح جديدة من المجتمع الأمريكي إلى إعادة النظر في مواقفها، خصوصًا مع تصاعد النقاش حول حقوق الإنسان والقانون الدولي.

 

ختامًا، لم يعُد التحدي أمام كيان الاحتلال يقتصر على الحفاظ على الدعم الرسمي الأمريكي، بل امتد إلى الحفاظ على شرعيته داخل المجتمع الأمريكي. ورغم استمرار التعاون السياسي والعسكري، يتعرض الإجماع الشعبي والسياسي لضغوطٍ متزايدة، فيما تشير تداعيات الحرب على غزة إلى مرحلة جديدة أصبح فيها الدعم الأمريكي أكثر عرضةً للنقاش والمراجعة.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص