لم يكن اتهام رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيث لكيان الاحتلال بالمساهمة في نشر وتضخيم المعلومات المضللة خلال أزمة المهاجرين في سبتة مجرد تصريح عابر في خضم أزمة حدودية، بل جاء في سياق توتر سياسي متصاعد بين مدريد وتل أبيب على خلفية موقف الحكومة الإسبانية من حرب الإبادة الصهيونية على غزة. فالأزمة التي شهدت تدفقاً جماعياً للمهاجرين نحو الجيب الإسباني في شمال أفريقيا سرعان ما تجاوزت أبعادها الإنسانية والأمنية، لتتحول إلى ساحة لصراع سياسي وإعلامي تتداخل فيه الهجرة مع العلاقات الدولية وحرب الروايات. وقد استُغلت الأزمة لنشر معلومات مضللة وتضخيم حالة القلق داخل المجتمع، بما قد ينعكس على صورة الحكومة وقدرتها على إدارة حدودها. ويطرح ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت أزمة سبتة قد تحولت إلى أداة للضغط على مدريد بسبب مواقفها من كيان الاحتلال وغزة، وحول الدور الذي بات يلعبه التضليل الرقمي في الصراعات السياسية الحديثة.
من غزة إلى سبتة.. تصعيد يتجاوز الخلاف الدبلوماسي
برزت إسبانيا خلال الحرب على غزة كواحدة من أبرز الدول الأوروبية انتقاداً للسياسات الصهيونية، واتخذت حكومة بيدرو سانتشيث مواقف سياسية ودبلوماسية أثارت توتراً متزايداً مع تل أبيب. ولم يعد الخلاف بين الطرفين محصوراً في التصريحات الرسمية، بل بات مرتبطاً بموقف مدريد من الحرب وحقوق الفلسطينيين، وبالنقاش الأوروبي حول مسؤولية الحكومات تجاه ما يجري في المنطقة.
في هذا السياق، اكتسبت تصريحات سانتشيث بشأن أزمة المهاجرين في سبتة أهميةً خاصة، بعدما اتهم كيان الاحتلال بالمساهمة في نشر وتضخيم معلومات مضللة مرتبطة بالأزمة، مستنداً إلى بحث أجراه جهاز العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي. ولا يمكن فصل استغلال الأزمة عن التوتر السياسي القائم بين مدريد وتل أبيب، خصوصاً في ظل مواقف الحكومة الإسبانية تجاه الحرب على غزة.
المهم في القضية أن الصراع السياسي انتقل من القنوات الدبلوماسية التقليدية إلى الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث أصبحت المعلومات والروايات أداة للتأثير في الرأي العام والضغط على الحكومات. وتزداد خطورة هذا الأسلوب عندما يتعلق الأمر بملف حساس كالهجرة، إذ يمكن تضخيم المخاوف والانقسامات الداخلية واستغلال الأزمات لإضعاف صورة الحكومة وإرباكها. وهكذا، تتحول أزمة سبتة من قضية حدودية إلى جزء محتمل من صراع أوسع على النفوذ والرواية السياسية.
حين تتحول المعلومات المضللة إلى سلاح
تكشف أزمة سبتة عن الدور المتزايد الذي تلعبه المعلومات المضللة في التأثير على المجتمعات وصناعة المواقف السياسية. فملف الهجرة بطبيعته ملف شديد الحساسية، لأنه يرتبط بالأمن والاقتصاد والهوية الوطنية، ولذلك يمكن لأي معلومات مضللة حوله أن تؤدي إلى زيادة الخوف والغضب والانقسام داخل المجتمع.
ووفق السلطات الإسبانية، انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي معلومات مضللة بشأن شروط الدخول والبقاء في الأراضي الإسبانية، في وقت شهدت فيه سبتة تدفقاً جماعياً للمهاجرين. وهنا تظهر أهمية الاتهامات الإسبانية، إذ إن الحديث لم يعد يقتصر على انتقاد سياسي للحكومة، بل يتعلق بتأثير المعلومات الرقمية في أحداث واقعية على الأرض. وإذا كانت هذه المعلومات قد ساهمت فعلاً في دفع أعداد كبيرة من المهاجرين إلى عبور الحدود، فإن ذلك يعكس خطورة تحول الفضاء الرقمي إلى أداة يمكن أن تؤثر مباشرة في الأمن والاستقرار.
لماذا أصبحت إسبانيا هدفاً للضغط؟
يرتبط التركيز على إسبانيا بمواقف حكومة سانتشيث الخارجية، ولا سيما موقفها من حرب الإبادة الصهيونية في غزة. فقد برزت مدريد في السنوات الأخيرة باعتبارها من الدول الأوروبية التي اتخذت مواقف أكثر انتقاداً للسياسات الصهيونية مقارنةً ببعض الحكومات الغربية الأخرى. ولذلك، يرى سانتشيث أن استغلال أزمة سبتة جاء في سياق سياسي أوسع، هدفه إضعاف حكومته وتشويه صورتها أمام الرأي العام.
وتكشف هذه القضية أن المواقف الدولية للدول قد تنعكس على أوضاعها الداخلية. فعندما تتخذ حكومة ما موقفاً مخالفاً لمصالح دولة أخرى، قد لا يبقى الخلاف محصوراً في التصريحات الدبلوماسية، بل يمكن أن يمتد إلى حملات إعلامية ورقمية تستهدف صورتها السياسية. ومن هنا، تصبح أزمة الهجرة وسيلة مناسبة للضغط، لأنها تمس مباشرة المواطنين وتؤثر في شعبية الحكومات.
بين نفي مسؤولية المغرب وتعدد الروايات
في المقابل، حرص سانتشيث على نفي تورط السلطات المغربية في تدفق المهاجرين إلى سبتة، مؤكداً أن أجهزة الاستخبارات المتعاونة مع إسبانيا لم تجد أدلة تثبت مسؤولية المغرب. ويشير هذا الموقف إلى رغبة مدريد في الفصل بين الأزمة الميدانية وبين الروايات السياسية التي حاولت تفسيرها.
ويكتسب هذا الأمر أهمية كبيرة، لأن توجيه الاتهام إلى المغرب كان يمكن أن يؤدي إلى أزمة دبلوماسية بين البلدين. لذلك، اختارت الحكومة الإسبانية التركيز على ما تعتبره حملة تضليل خارجية، بدلاً من تحميل دولة مجاورة المسؤولية المباشرة عن الأحداث. وهذا يعكس أيضاً تعقيد الأزمة، حيث تتداخل فيها عوامل الهجرة والحدود والمعلومات الرقمية والعلاقات الدولية.
ختاماً، تكشف أزمة سبتة أن الصراعات السياسية في العصر الحديث لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية أو الدبلوماسية، بل أصبحت المعلومات نفسها أداة مؤثرة في العلاقات الدولية. وتبرز اتهامات الحكومة الإسبانية لكيان الاحتلال أهمية ما يمكن تسميته بـ«حروب الرواية»، إذ يتم استغلال الأزمات الداخلية ونشر المعلومات المضللة للتأثير في الحكومات والرأي العام. وفي حالة إسبانيا، يبدو أن موقفها السياسي من حرب الإبادة الصهيونية في غزة وضعها في مواجهة تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية. وبذلك، لا تعود أزمة سبتة مجرد ملف هجرة وحدودي، بل اختباراً لقدرة الدول على حماية فضائها المعلوماتي من التوظيف السياسي، خصوصاً عندما تتقاطع الأزمات الداخلية مع خلافات خارجية حادة.