هناك، في المسافة التي لا يبلغها البصر، يظلّ الكبار واقفين، لا كأسماءٍ تُكتب في الكتب، ولا كصورٍ تُعلّق على الجدران، بل كأسرارٍ يودعها الله في ضمير الزمن، لتظلّ تهمس للأجيال:” إن الأرواح التي عرفت طريق الحق لا تموت، إنها تغيّر فقط الهيئة التي تُشرق بها”.
ليس كلُّ راحلٍ يغيب، ولا كلُّ حاضرٍ يُرى.
ففي هذه الأرض أرواحٌ إذا مشت، ظنّ الناس أن الطريق قد تعلّم الصلاة، وإذا صمتت، تكلّمت الرياح بما كانت تخفيه الصدور. وهناك رجالٌ لا يحملون أسماءهم، بل تحملهم الرسالات، ولا يعيشون أعمارهم، بل تعيش الأعمار في ظلّهم.
كان واحدًا من أولئك الذين خلقوا لأن يكونوا جسرًا بين الألم والرجاء. لم يكن يرى الإنسان كما يبدو للعين، بل كما يختبئ في أعماق نفسه، يرى فيه بذرة النور قبل أن تراها الشمس، وكان يعلم أن الأرض التي تُسقى بالصدق لا بدّ أن تُثمر، وإن طال عليها الشتاء.
لم يكن قلبه عضوًا في جسده، بل كان نافذةً تُطلّ منها الإنسانية على ذاتها. فإذا بكى مظلومٌ في أقصى الأرض، ارتجف قلبه، وإذا ارتفعت يدٌ تستغيث، شعر أن السماء قد استودعته أمانة الإجابة. ولذلك لم يعرف وطنًا تحدّه الجبال أو البحار، لأن الوطن عند الأرواح الكبيرة هو كلُّ مكانٍ يبحث فيه الإنسان عن كرامته.
كان يمشي، وكأن اليقين يمشي معه. لا تُثقله الليالي، لأن من يحمل فجره في داخله لا يخاف عتمة الخارج. وكان إذا تحدّث، أحسست أن الكلمات لا تخرج من فمه، بل تتسرّب من نبعٍ خفيٍّ يسكن أعماق الوجود؛ نبعٍ لا يعرف الضجيج، لكنه يعرف كيف يُوقظ النائمين.
وكان يعلم أن الشجرة لا تُقاس بما ارتفع من أغصانها، بل بما امتدّ من جذورها في قلب التراب. لذلك غرس نفسه في تربة الحق، حتى صار كالغصن الذي تكسره الرياح فلا يزيدها إلا يقينًا بأن جذره أعمق من عواصفها.
ثم جاء اليوم الذي حسبه الناس بابًا يُغلق، فإذا هو نافذةٌ تُفتح على السماء.
ورأيتُ الجموع تمضي، لا لأن جسدًا قد رحل، بل لأن روحًا قد اتّسعت حتى ضاقت بها الأرض. كانت الوجوه بحرًا، وكانت الدموع أنهارًا، غير أن الحزن لم يكن انكسارًا، بل كان صلاةً صامتةً يرفعها القلب حين يعجز اللسان عن التعبير.
وخُيّل إليّ أن السماء كانت أقرب من أيّ وقتٍ مضى، وأن الغيم انحنى ليستمع إلى أنين القلوب، وأن الملائكة كانت تمرّ بين الصفوف، تجمع الدموع كما تُجمع اللآلئ، لأن الدموع التي تولد من الوفاء لا تسقط على التراب، بل ترتفع إلى الله.
ولم يكن الناس يسيرون خلف نعش، بل كانوا يسيرون خلف المعنى الذي عاش من أجله. كانوا يشيّعون الخوف من قلوبهم، ويبايعون الشجاعة من جديد، ويكتشفون أن الأجساد تعرف نهاية الطريق، أما المبادئ فلا تعرف إلا بدايته.
عندها فهمت أن الموت لا يستطيع أن يهزم من جعل حياته عطيةً للآخرين. إنه يأخذ الجسد كما تأخذ الخريف أوراق الشجر، لكنه يعجز أن يمسّ الجذر المختبئ في أعماق الأرض، ويعجز أن يطفئ النور الذي أشعلته الروح في أرواح الناس.
وما زلت أؤمن أن بعض الرجال إذا غابوا، لم يتركوا وراءهم فراغًا، بل تركوا أبوابًا مفتوحةً نحو السماء، وتركوا في كل قلبٍ عرفهم قبسًا من نور، لا يُرى بالعين، وإنما تُبصره البصيرة كلما اشتدّ الليل، وكلما ضلّت الخطى، وكلما ظنّ الإنسان أن الحق قد تعب.
هناك، في المسافة التي لا يبلغها البصر، يظلّ الكبار واقفين، لا كأسماءٍ تُكتب في الكتب، ولا كصورٍ تُعلّق على الجدران، بل كأسرارٍ يودعها الله في ضمير الزمن، لتظلّ تهمس للأجيال:” إن الأرواح التي عرفت طريق الحق لا تموت، إنها تغيّر فقط الهيئة التي تُشرق بها”.
لم تُُخطئ يوماً حروفي، حين وصفت سيّدي وقائدي الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي(رض).
بقلم الكاتبة نعمت ابوزيد