يصادف يوم الجمعة 21 أغسطس/آب، اليوم العالمي للمسجد وبهذه المناسبة، نقدم المقال التالي الذي يستعيد دلالة المناسبة، ويتوقف عند مكانة المسجد في الفكر الإسلامي، مستنداً إلى أبرز بيانات قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، والفعاليات التي تشهدها إيران هذا العام. فالمسجد، في التجربة الإسلامية، ليس فضاءً للعبادة فحسب، بل مؤسسة جامعة تتقاطع فيها الروحانية والثقافة والمجتمع والوعي.
ذاكرة الأقصى ودلالة المناسبة
يستعيد المسلمون في الحادي والعشرين من أغسطس ذكرى إحراق المسجد الأقصى عام 1969، في جريمة صهيونية تركت أثراً عميقاً في الوجدان الإسلامي. وقد تحولت هذه الذكرى إلى مناسبة عالمية للتأكيد على حرمة المساجد ومكانتها، واستحضار مسؤوليتها في حماية الهوية الدينية والثقافية، وتعزيز الوعي بقضايا الأمة.
المسجد في الرؤية الإسلامية
منذ مسجد قباء ثم مسجد المدينة، ارتبط المسجد بتأسيس المجتمع الإسلامي، بوصفه بيتاً لله وبيتاً للناس، ومجالاً يجمع العبادة بالعلم، والتزكية بالحياة العامة، والذكر بالتفكير والعمل. وفي هذا التصور، يصبح المسجد مركزاً لبناء الإنسان وإصلاح المجتمع، ومجالاً تتكامل فيه حاجات الفرد الروحية مع مسؤولياته الاجتماعية، بما يجعله مؤسسة ثقافية وحضارية ذات أثر ممتد.
كلمة قائد الأمة الشهيد حول المسجد
قائد الأمّة الشهيد كان يؤكد دائماً على أن المسجد يستطيع أن يكون «قاعدة لكل الأعمال الصالحة»، ومنطلقاً لبناء الذات والإنسان، وإصلاح القلب وإعمار الدنيا، ومواجهة العدو والتمهيد للحضارة الإسلامية وتعزيز البصيرة. وكان سماحته يصف المسجد أيضاً بأنه مدرسة وجامعة، ومركز للتفكير والتأمل وتزكية الروح، وحلقة وصل بين الإنسان ومصدر الفيض والقدرة الإلهية.
وفي رؤية أخرى، كان سماحته يوضح أن اجتماع الناس حول الصلاة والذكر يمنح التواصل الاجتماعي معنى واتجاهاً مختلفين، لأن المسجد لا يجمع الأفراد جسدياً فقط، بل يربط بينهم فكرياً وروحياً.
كما كان سماحته يصف المساجد بأنها «نوى للمقاومة الثقافية»، محذراً من أن ضعف الحصن الثقافي يهدد مقومات المجتمع، ومؤكداً أن الإيمان الديني يقع في قلب المواجهة الثقافية.
فعاليات إيران هذا العام
تشهد إيران برامج متعددة لإحياء المناسبة، أبرزها التجمع الكبير لرواد المساجد في ساحة فلسطين بطهران، تحت شعار «المسجد، قاعدة المقاومة والثأر»، مع التركيز على أدواره في العبادة والوعي والمقاومة.
كما يقام المؤتمر العالمي للمساجد في مسجد جمكران المقدس، بمشاركة أكثر من 1500 من الناشطين في المساجد والأحياء، ويتضمن تجديد العهد مع الإمام المهدي(عج) وتكريم الناشطين. وفي سمنان، يركز مؤتمر اليوم العالمي للمسجد على مفهوم «المسجد النموذجي» وتعزيز قدراته الثقافية والاجتماعية والروحية.
المسجد والوعي الإسلامي
تكشف هذه المناسبة أن المسجد، في الوعي الإسلامي، مؤسسة ثقافية واجتماعية بقدر ما هو مكان للعبادة. واستعادة رسالته الجامعة تعني إعادة الاعتبار إلى دوره في بناء الإنسان، وترسيخ الوعي، وصون الهوية، وتعزيز التماسك المجتمعي.
وفي عالم سريع التحول، يبقى المسجد قادراً على الجمع بين أصالة التراث وأسئلة الحاضر، وتحويل قيمه الروحية إلى طاقة ثقافية تخدم الإنسان والمجتمع. ومن هنا، فإن إحياء المناسبة ينبغي أن يفتح آفاقاً جديدة للحوار والمعرفة وخدمة الإنسان وصناعة المستقبل.