رسول حسين أبو السبح
كاتب وباحث عراقي
في بيان حمل أبعاداً دينية وشعبية وسياسية متداخلة، وجّه قائد الثورة الإسلامية، آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، رسالة شكر إلى الشعب العراقي بمناسبة المشاركة الواسعة في تشييع ما وصفه بـ«إمام المستضعفين»، مؤكداً أن العراق قدّم مشهداً استثنائياً عكس عمق العلاقة بين الشعبين العراقي والإيراني، ورسّخ مكانة العتبات المقدسة والهُوية الدينية المشتركة كعامل جامع يتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
البيان الصادر بتاريخ 17 تموز/ يوليو 2026، الموافق 2 صفر 1448هـ ، لم يقتصر على عبارات الامتنان التقليدية، بل حمل قراءة فكرية وسياسية للحدث، مقدّماً التشييع بوصفه محطة مفصلية في الوعي الشعبي الإقليمي، ومؤشراً على استمرار حضور محور المقاومة في الوجدان الجماهيري.
افتتح آية الله السيد الخامنئي رسالته بتوجيه التحية إلى المراجع الدينية والعلماء ووجهاء العشائر والنخب الفكرية والشعب العراقي، معتبراً أن العراق يمتلك خصوصية استثنائية بحكم احتضانه مراقد أهل البيت(ع) وكونه مركزاً تاريخياً للحوزات العلمية.
وفي أحد أبرز مقاطع البيان، قال: “جسّد هذا التشييع المليوني منقطع النظير لحامل لواء المقاومة، مظهراً للتلاحم والأخوّة ووحدة النهج بين الشعبين العراقي والإيراني”، وهو اقتباس يعكس جوهر الرسالة التي أرادت تقديم الحدث بوصفه تجسيداً عملياً لوحدة المسار بين البلدين، وليس مجرد مناسبة عزائية عابرة.
اللافت في البيان أن السيد القائد قرأ الحشود المشاركة باعتبارها حدثاً يتجاوز البُعد الديني نحو التأثير السياسي والاستراتيجي، إذ أشار إلى أن “قادة الاستكبار” تابعوا تلك المشاهد بقلق، وأن الأموال التي أُنفقت لإحداث قطيعة بين الشعبين لم تنجح في تحقيق أهدافها.
من خلال هذا الطرح، يبدو أن الرسالة أرادت تثبيت معادلة مفادها أن الرابطة الشعبية والثقافية بين العراق وإيران مازالت أقوى من محاولات التفكيك السياسي والإعلامي، وأن المشهد الجماهيري الذي رافق التشييع أعاد التأكيد على وجود حاضنة اجتماعية واسعة لخطاب المقاومة في المنطقة.
ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه في البيان هو توصيفه للأثر الذي تركه التشييع المليوني في نفوس خصوم محور المقاومة، فسماحة السيد الخامنئي لم يتعامل مع الحشود بوصفها مجرد تجمع بشري ضخم، بل باعتبارها استفتاءً شعبياً واسعاً على هُوية المنطقة وخياراتها السياسية والثقافية، وقد أشار بوضوح إلى أن “قادة الاستكبار” تابعوا تلك المشاهد بقلق بالغ، بعدما بددت الجموع المليونية رهانات طويلة على تفكيك العلاقة بين الشعبين العراقي والإيراني.
وفي هذا السياق يقول البيان: “لا ريب في أن قادة الاستكبار قد ارتعدت قلوبهم هلعاً وهم يتابعون صور المشاهد المهيبة لهذا الاجتماع العظيم في العراق” (من رسالة السيد مجتبى الحسيني الخامنئي إلى الشعب العراقي بتاريخ 17 تموز/ يوليو 2026).
هذه العبارة تكشف أن صاحب البيان أراد منح الحدث بعداً يتجاوز حدود التأبين والعزاء، ليصبح في نظره مؤشراً على قوة الحضور الشعبي للمقاومة ورسالة سياسية ونفسية موجهة إلى خصومها الإقليميين والدوليين. ووفق هذه الرؤية، فإن الحشود لم تكن مجرد مشاركة جماهيرية في مراسم تشييع، بل إعلاناً عملياً عن استمرار الحاضنة الشعبية للمقاومة رغم سنوات من الضغوط والحروب النفسية والاستقطاب السياسي.
كما خصّ البيان مسيرة الأربعين بحيز مهم من الحديث، معتبراً أنها تمثل نموذجاً متجدداً للولاء والمحبة للإمام الحسين(ع)، وأنها ولدت من عمق المجتمع العراقي واستمرت رغم عقود من القمع والأنظمة المتعاقبة.
وفي هذا السياق، قدّم سماحته العراق بوصفه مركزاً روحياً جامعاً للمؤمنين، وقادراً على استيعاب الملايين من الزائرين سنوياً، وهو ما يعكس الرؤية الإيرانية التي تنظر إلى العتبات المقدسة في العراق باعتبارها محوراً أساسياً في تشكيل الهُوية الدينية الجامعة لشعوب المنطقة.
ورغم أن البيان كُتب بصيغة الشكر والعرفان، إلا أن مضامينه تكشف عن محاولة لتثبيت مجموعة من الرسائل الاستراتيجية، أبرزها التأكيد على متانة العلاقات العراقية – الإيرانية، واستمرار الحضور الشعبي لخط المقاومة، والإشارة إلى أن المناسبات الدينية الكبرى ما تزال قادرة على إنتاج تأثير سياسي واجتماعي يتجاوز حدود الدولة الوطنية. كما أن تكرار مفردات مثل “الأخوّة”، و”وحدة النهج”، و”التلاحم”، و”المقاومة” يعكس رؤية ترى في الحدث مناسبة لإعادة تأكيد الهُوية المشتركة بين جمهور واسع في البلدين، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة.
يأتي بيان آية الله السيد مجتبى الخامنئي في لحظة إقليمية حساسة، لذلك بدا أكثر من مجرد رسالة شكر بروتوكولية، فهو من جهة احتفاء بالموقف العراقي وحشود التشييع، ومن جهة أخرى قراءة سياسية لرسائل الحدث وتداعياته المستقبلية.
وبين البُعدين الديني والسياسي، يظل العراق حاضراً في النص بوصفه الأرض التي احتضنت المشهد، والشعب الذي أراد صاحب البيان أن يجعله شريكاً في رواية تتجاوز حدود التشييع إلى رسم صورة أوسع لمستقبل العلاقة بين شعوب المنطقة.
لقد أراد البيان أن يبعث برسالة واضحة مفادها أن الحشود التي ملأت الشوارع والساحات لم تكن مجرد تعبير عن الحزن على رحيل شخصية مؤثرة، بل كانت إعلاناً عن استمرار نهجٍ سياسي وفكري واجتماعي مازال يمتلك القدرة على الحشد والتأثير. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للبيان لا تكمن في كلمات الشكر وحدها، بل في قراءته للتشييع باعتباره حدثاً يعيد رسم ملامح التوازنات النفسية والسياسية في المنطقة، ويؤكد أن معركة الإرادات والوعي الشعبي لا تزال مفتوحة على احتمالات واسعة في المستقبل.
