قراءة تاريخية في اكتمال العلم بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية

حكاية العلم الإيراني

في 25 تير 1359هـ.ش (16 يوليو/ تموز 1980)، أقرّ مجلس الثورة تصميم علم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ليغدو منذ ذلك اليوم رمزًا لمسيرة جماعية نحو مبادئ الثورة الإسلامية، وعلامةً جسّدت هُوية الثورة ورسالتها، حتى إن هذا العلم رُفع في مناسبات عديدة خارج إيران تأكيدًا لهذه الرسالة. واليوم، وبعد أشهر من ارتقاء قائد الثورة الشهيد سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، يرفرف هذا العلم في أيدي الشعب الذي نهض من جديد، في مشهدٍ يؤكد أن خاتمة هذا المسار ستكون النصر، كما قال الإمام الشهيد مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (غافر/51): «هذا وعد الله. فلا يظنّ المؤمنون أن نصرهم مؤجل إلى الآخرة فقط، بل سيذوقون في الدنيا أيضًا حلاوة الانتصار على أعدائهم. لقد وعد الله بذلك كل مَن يقف اليوم ثابتًا تحت راية الجمهورية الإسلامية، وهذا وعد لا يتخلّف ولا يتبدّل». وبمناسبة ذكرى اعتماد العلم، أعاد قسم «الدروس والعبر من التاريخ» في موقع KHAMENEI.IR استعراض قصة تثبيت علم الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

العلم والشعار الوطني لأي دولة ليسا مجرد رسم أو علامة، بل هما تجسيد لهُوية الأمّة ومعتقداتها وتحولاتها التاريخية. وفي إيران، شهدت الرموز الرسمية تغيرات عميقة عبر العقود. فبعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1357هـ.ش (1979م) وسقوط النظام الملكي، برزت الحاجة إلى استبدال شعار «الأسد والشمس» التاريخي برمز يعكس الهُوية الإسلامية وروح الاستقلال التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

 

 مراجعة الرموز الوطنية

 

 

منذ الأيام الأولى لانتصار الثورة، بدأ العمل على إعادة النظر في الرموز الرسمية للدولة باعتبارها جزءًا من تجسيد أهداف الثورة وتوجيه المجتمع نحو مبادئها، وكان العلم في مقدمة هذه الملفات.

 

 

وفي 10 إسفند 1357هـ.ش (1 مارس/ آذار 1979) دعا الإمام الخميني(رحمه الله) صراحة إلى إزالة رموز النظام السابق، وقال: «لا ينبغي أن يكون علم إيران علمًا ملكيًا، ولا ينبغي أن تحمل شعاراتها رموز النظام الملكي، بل يجب أن تكون شعارات إسلامية… ويجب إزالة رمز الأسد والشمس».

 

 

وبعد نجاح الاستفتاء على قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، احتدم النقاش حول شكل الشعار الجديد. فقد رأى بعضهم الإبقاء على «الأسد والشمس» باعتباره رمزًا تاريخيًا يعرفه الشعب، إلا أن الإمام الخميني(رحمه الله) وجّه بتصميم شعار جديد يُعبر عن هُوية النظام الجديد.

 

 

ولم يكن هناك خلاف حول ألوان العلم الثلاثة: الأخضر والأبيض والأحمر، وإنما انصبّ النقاش على الرمز المركزي. كما نصّ المبدأ الثامن عشر من الدستور على أن يبقى العلم بألوانه الثلاثة، مع إضافة شعار الجمهورية الإسلامية وعبارة «الله أكبر».

 

 

تصميم الشعار الجديد

 

 

بعد إقرار المبدأ الدستوري، أُطلقت مسابقة لتصميم الشعار الجديد، واختير تصميم المهندس المعماري حميد نديمي، الأستاذ في جامعة الشهيد بهشتي.

 

 

وقد أقرّ مجلس الثورة التصميم في 15 أرديبهشت 1359هـ.ش (5 مايو/ أيار 1980)، ثم عُرض على الإمام الخميني(رحمه الله) في 19 أرديبهشت 1359هـ.ش (9 مايو/ أيار 1980)، فنال موافقته وأصبح الشعار الرسمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

 

 فلسفة الشعار

 

 

وأوضح نديمي أن الهدف من التصميم كان ابتكار رمز يختصر فلسفة الحكم الإسلامي في شكل بسيط وعميق. فقد جعل كلمة «الله» محور التصميم؛ لكن ليس بصورتها الخطية التقليدية، وإنما من خلال صياغة رمزية تحمل في الوقت نفسه معاني العقيدة الإسلامية. ورأى أن الشعار يجب أن يجسد المفاهيم القرآنية المتمثلة في الكتاب والميزان والحديد، وهي رموز للعقيدة والعدل والقوة.

 

 

ويتكون الشعار من خمسة عناصر رئيسية، أربعة منها على هيئة أهلة، بما يمنحه شكلًا نباتيًا يرمز إلى النمو والارتقاء، كما تشير هذه العناصر إلى أصول الإسلام، بينما يمثل العنصر الأوسط مبدأ التوحيد، ويعكس التكوين العام كذلك مضمون عبارة «لا إله إلا الله».

 

 

وفي الرؤية الشيعية، ترمز الأجزاء الخمسة أيضًا إلى أصول الدين الخمسة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد.

 

 

أمّا ألوان العلم فقد مُنحت دلالات واضحة:

 

 

  • الأخضر: الإسلام والنمو والازدهار.
  • الأبيض: السلام والطهارة.
  • الأحمر: دماء الشهداء والبطولة والقوة في سبيل الحق.

 

كما يجسّد العنصر العمودي في وسط الشعار هيئة السيف، في إشارة إلى القوة والثبات، بينما يعكس التماثل الكامل بين أجزائه معنى العدالة والتوازن. وقد بُني التصميم وفق نظام هندسي دقيق يعتمد دائرة وتقاطع نجمتين خماسيتين، بما يمنحه الانسجام البصري.

 

 

الإقرار النهائي للعلم

 

 

بعد اعتماد الشعار، صادق مجلس الثورة في 25 تير 1359هـ.ش (16 يوليو/ تموز 1980) على التصميم النهائي لعلم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ثم أُبلغ رسميًا إلى وزارة الداخلية في 7 مرداد 1359هـ.ش (29 يوليو/ تموز 1980).

 

 

وبموجب المادة الثامنة عشرة من الدستور، أصبح العلم الرسمي يتكون من الألوان الثلاثة الأخضر والأبيض والأحمر، يتوسطها شعار الجمهورية الإسلامية، فيما تتكرر عبارة «الله أكبر» بالخط الكوفي البنائي 22 مرة؛ إحدى عشرة مرة في الشريط الأخضر، ومثلها في الشريط الأحمر، في إشارة إلى يوم 22 بهمن، ذكرى انتصار الثورة الإسلامية.

 

 

كما نصّ القرار على الالتزام بالمواصفات الهندسية والفنية التي أعدها معهد المواصفات والبحوث الصناعية الإيراني.

 

 

ومن الوقائع التاريخية اللافتة أن القرار الأول كان يقضي بأن يكون الشعار الأوسط باللون الأخضر، إلا أن رئيس الجمهورية آنذاك “أبوالحسن بني صدر” غيّر اللون عند إصدار القرار إلى الأحمر، وهو اللون الذي استقرّ عليه العلم حتى اليوم.

 

 

ومنذ عام 1359هـ.ش (1980م)، أصبح هذا العلم الراية الرسمية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في جميع المؤسسات والبعثات الدبلوماسية والمحافل الدولية.

 

 

العلم بوصفه هُوية وطنية

 

 

تكشف مسيرة تطور العلم الإيراني أن الرموز الوطنية ليست مجرد أشكال وألوان، بل هي انعكاس للتحولات السياسية والاجتماعية والعقائدية التي تمر بها الشعوب.

 

 

فبعد انتصار الثورة الإسلامية، حلّ الشعار الجديد محل الرمز السابق، ليجسّد الهُوية الإسلامية والوطنية التي طالب بها الشعب الإيراني، ولم يكن ذلك مجرد تعديل بصري، بل إعلانًا عن ميلاد منظومة فكرية وسياسية جديدة.

 

 

وفي 7 دي 1364هـ.ش (28 ديسمبر/ كانون الأول 1985)/ قال الإمام الشهيد مخاطبًا قوافل الزائرين: «انظروا إلى إيران اليوم… من الشرق والغرب والشمال والجنوب، ومن جميع القوميات والمذاهب، يتحرك الناس كالأمواج ليغرسوا علم الجمهورية الإسلامية، وهو علم القرآن والإسلام، في أرض التاريخ، غرسًا لا تستطيع أي عاصفة أن تقتلعه».

 

 

ولم يقتصر حضور هذا العلم على داخل إيران، فقد أشار الإمام الشهيد(رض) بعد رحيل الإمام الخميني(رحمه الله) إلى أن شعوبًا لا تعرف اللغة الفارسية خرجت تحمل علم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتبكي الإمام الخميني(رحمه الله)، معتبرةً إياه أبًا روحيًا لها.

 

 

كما أكد في 27 آبان 1371هـ.ش (18 نوفمبر/ تشرين الثاني 1992): «حين نرفع راية الإسلام، فإن كل مَن يحمل جذوة الإسلام في قلبه يلتف حولها. انظروا إلى البوسنة والهرسك؛ كم أصبح علم الجمهورية الإسلامية عزيزًا هناك».

 

 

بيانٌ بصري للثورة

 

 

يمكن النظر إلى علم الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفه «بيانًا بصريًا» يجسّد رؤية الثورة الإسلامية ورسالتها التاريخية في تصميم واحد.

 

 

وقد شدد قائد الثورة الشهيد(رض) على ضرورة إحياء هذا الرمز، فقال في 17 بهمن 1359هـ.ش (6 فبراير/ شباط 1981): «ارفعوا علم الجمهورية الإسلامية فوق كل بيت خلال أيام عشرة الفجر، واجعلوه يرفرف في المدن والقرى، ليعلم الجميع أن هذا الشعب يعتزّ بهذه الذكرى».

 

 

خلال السنوات الأخيرة، تعزز الارتباط العاطفي بين الشعب والعلم، فبات حاضرًا بقوة في المناسبات الرياضية، والتجمعات الشعبية، ومراسم تشييع الشهداء، وحتى في الفضاء الإلكتروني، ليغدو رمزًا جامعًا لوحدة الإيرانيين وتضامنهم.

 

 

وفي هذا السياق، قال قائد الثورة الشهيد(رض): «يجب أن يبقى هذا العلم مرفوعًا. وكلما اقتربنا أكثر من المعنى العميق لكلمة “الجمهورية الإسلامية”، ازدادت نجاحاتنا يومًا بعد يوم».

 

 

المصدر: الوفاق

الاخبار ذات الصلة