كل عام، ومع اقتراب أربعينية الإمام الحسين(ع)، تتحول الطرق المؤدية إلى كربلاء المقدسة إلى مشهد إنساني فريد تتلاقى فيه القلوب قبل الخطوات، وتلتقي فيه الثقافات تحت راية القيم التي حملتها واقعة الطف؛ من التضحية والوفاء والعدالة ونصرة الإنسان.
ولم تعد الأربعين مجرد مناسبة دينية محدودة الإطار، بل أصبحت ظاهرة ثقافية وحضارية عالمية تستلهمها الفنون والآداب والمبادرات الإنسانية، لتروي قصة مجتمع يتشكل حول الإيمان والكرامة والتكافل.
وفي هذا السياق، تتعدد الفعاليات الثقافية والفنية التي ترافق هذه المناسبة، من الجداريات والمعارض إلى الإنتاجات الموسيقية والبرامج القرآنية، وصولاً إلى الكتب التي تقدم قراءات مختلفة في أبعاد الأربعين الفكرية والاجتماعية والإنسانية.
الفن البصري.. جدارية تستحضر ذاكرة كربلاء
في قلب العاصمة الإيرانية طهران، كشفت ساحة وليعصر(عج) عن جدارية جديدة بعنوان «صرخة المطالبة بالثأر» تحمل شعار «يا لثارات الحسين(ع)».
الجدارية التي أنجزته دار مصممي الثورة الإسلامية، تستلهم رمزية مسيرة الأربعين، وتجسد معاني الوفاء والتمسك بنهج الإمام الحسين(ع)، مع التأكيد على المطالبة بالثأر للإمام الحسين(ع) وقائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض).
القرآن في طريق الأربعين.. أكثر من 700 فعالية ثقافية
وفي العراق، شهدت مدينتا النجف الأشرف وكربلاء المقدسة وطريق المشاية تنظيم أكثر من 700 فعالية قرآنية ضمن برامج قافلة الإمام الرضا(ع) القرآنية.
وشملت الفعاليات جلسات التلاوة والمحافل القرآنية والمحاضرات الدينية بمشاركة قرّاء ومبلغين من إيران والعراق، إلى جانب إنتاج مواد إعلامية لنقل أجواء هذه الأنشطة. وتعكس هذه المبادرات حضور القرآن كعنصر أساسي في الخطاب الثقافي للأربعين.
الموسيقى الروحية.. «أربعون يوماً»
وفي المجال الفني، أطلق الفنان الإيراني محسن جاوشي عمله الجديد «أربعون يوماً»، الذي يجمع بين الشعر والموسيقى في تعبير فني عن الوفاء لنهضة الإمام الحسين(ع).
ويأتي هذا الإصدار امتداداً لأعمال قدمها الفنان خلال السنوات الماضية حول عاشوراء وشخصياتها، مؤكداً قدرة الفن على نقل المعاني الروحية والتاريخية إلى جمهور واسع.
معرض «الجرس الأخير»
وفي النجف الأشرف، احتضنت أيام الأربعين معرض «زنك آخر» أي «الجرس الأخير» الذي يخلد ذكرى شهداء مدرسة «الشجرة الطيبة» في ميناب جنوب البلاد.
ويقدم المعرض أعمالاً في الخط والفنون التشكيلية والوثائق البصرية، مؤكداً دور الفن في تحويل الألم إلى ذاكرة ورسالة إنسانية تدعو إلى السلام والعدالة، وتعزز الروابط الثقافية بين الشعبين العراقي والإيراني.
الضيافة العراقية.. ثقافة متجذرة في خدمة الزائر
ولا يكتمل المشهد الثقافي للأربعين دون التوقف عند ظاهرة الضيافة العراقية، التي أصبحت إحدى أبرز صور التكافل الإنساني.
فقد ثمّن حجة الإسلام سيد عبد الفتاح نواب، ممثل ولي الفقيه في شؤون الحج والزيارة، جهود الشعب العراقي في خدمة الزائرين، معتبراً أن المواكب والمراكز الخدمية المنتشرة على طريق النجف–كربلاء تجسد قيم الإيثار والمحبة للإمام الحسين(ع)، وتعكس عمق الروابط بين الشعوب.
كتب الأربعين.. حين يصبح الطريق موضوعاً للفكر والأدب
– «اركضي يا دجلة، اركضي»: تقدم معصومة صفائي راد في كتاب «بدو دجله، بدو» أي «اركضي يا دجلة، اركضي»، قراءة إنسانية للعراق خلال مسيرة الأربعين، متجاوزة وصف الطريق إلى اكتشاف المجتمع العراقي وثقافته وروحه.
– «رفاق الحسين (ع)»: يجمع الكتاب محاضرات فكرية حول السيرة السياسية للأئمة ودور مدرسة أهل البيت(ع) في بناء الوعي الإسلامي.
– «أربعين طوبى»: يروي السيد محسن إماميان قصة امرأة عاشت تجربة الحرب والفقد، لتجد في طريق الأربعين مساحة للذاكرة والصبر.
– «القضية قضية أولويات»: يربط السيد علي أصغر علوي بين دروس كربلاء وأسئلة الإنسان المعاصر حول الاختيار والمسؤولية.
– «الحسينية»: يقدم محمد علي جاودان رؤية روحية حول فلسفة المجالس الحسينية وزيارة الأربعين وآثارها الاجتماعية.
الأربعين ذاكرة تتجدد
تكشف هذه الفعاليات والإصدارات أن الأربعين الحسيني أصبح مساحة واسعة للإبداع الثقافي والفكري، حيث يلتقي الفن والأدب والبحث الاجتماعي في محاولة لفهم ظاهرة إنسانية تتجاوز الحدود.
إنها مسيرة لا تُروى بالخطوات فقط، بل بالكلمة والصورة واللحن والكتاب، لتبقى الأربعين واحدة من أبرز التجارب الثقافية والروحية في العالم المعاصر.