د. عباس خامه یار
ومن خلال تتبع خطابات الإمام الخامنئي ورسائله المتعلقة بعاشوراء والأربعين ووحدة الأمّة الإسلامية، يمكن ملاحظة أن هذه الشعيرة تُقرأ ضمن رؤية منظومية متكاملة، ترتبط فيها العقيدة بالحركة الاجتماعية، والهُوية الدينية بالمشروع الحضاري، والبُعد الروحي بالمسؤولية التاريخية للأمّة.
ولا يتعامل الإمام الخامنئي مع الأربعين بوصفه حدثًا منفصلًا عن بقية المفاهيم الإسلامية الكبرى، وإنما يربطه بمفاهيم تشكل الأساس النظري لمشروعه الفكري، وفي مقدمتها: الأمّة، والتقريب بين المذاهب، وثقافة المقاومة، والقوة الناعمة، والحضارة الإسلامية الحديثة. ومن ثمّ، فإن فهم رؤيته للأربعين لا يتحقق إلّا ضمن هذا الإطار الكلي، الذي يجعل من هذه الشعيرة عنصرًا فاعلًا في إعادة بناء الإنسان والمجتمع، لا مجرد مناسبة لإحياء الذاكرة التاريخية.
الأمّة الإسلامية.. الإطار المرجعي لفهم الأربعين
ينطلق الإمام الخامنئي من أن الإسلام لم يؤسس جماعة دينية متفرقة، بل أسس «أمّة» تجمعها العقيدة والقيم والرسالة المشتركة. ومن هنا، فإن مفهوم الأمّة الإسلامية يُشكّل حجر الزاوية في تحليله لمختلف قضايا العالم الإسلامي، سواء تعلق الأمر بالوحدة الإسلامية، أو القضية الفلسطينية، أو الصحوة الإسلامية، أو الحج، أو الأربعين.
وفي هذا السياق، يكتسب الأربعين أهمية استثنائية؛ لأنه يُجسّد عمليًا معنى الأمّة الواحدة. ففي هذه المناسبة، تتلاشى الحدود الجغرافية والعرقية واللغوية أمام رابطة الإيمان، ويجتمع ملايين المسلمين في مسير واحد، يحملون هدفًا واحدًا هو تجديد العهد مع مبادئ الإمام الحسين(ع). وهكذا يتحول مفهوم الأمّة من فكرة نظرية إلى تجربة اجتماعية يعيشها الناس على أرض الواقع.
ويؤكد الإمام الخامنئي أنّ من أخطر التحديات التي واجهت المسلمين خلال القرنين الأخيرين تغليب الهُويات القومية والمذهبية والعرقية على الهُوية الإسلامية الجامعة، الأمر الذي استغلته قوى الاستعمار لإضعاف العالم الإسلامي وتمزيق وحدته. ومن هنا، فإن كل مناسبة تعيد إحياء الشعور بالانتماء إلى الأمّة الإسلامية تمتلك قيمة استراتيجية تتجاوز بعدها الديني المباشر.
ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى الأربعين بوصفه تجمعًا بشريًا ضخمًا فحسب، بل باعتباره مدرسة سنوية لإحياء الوعي الأممي، وتجديد الإحساس بالمسؤولية المشتركة، وترسيخ قيم الأخوّة الإسلامية والتعاون والإيثار.
الأربعين.. والتقريب بين المذاهب الإسلامية
يرتبط مفهوم الأمّة، في فكر الإمام الخامنئي، ارتباطًا وثيقًا بمشروع التقريب بين المذاهب الإسلامية. فالوحدة، في رؤيته، ليست شعارًا سياسيًا مؤقتًا، ولا وسيلة لمواجهة تحديات مرحلية، بل هي أصل ديني يستند إلى القرآن الكريم والسنّة النبوية، ويقتضي إدارة الاختلافات المذهبية في إطار الاحترام المتبادل والتعاون، لا الخصومة والصراع.
وفي هذا الإطار، يحتلّ الأربعين مكانة خاصة؛ لأنه يمثل ميدانًا عمليًا لتجسيد التقريب بين المسلمين. ففي هذه المسيرة يلتقي المسلمون من مذاهب وأعراق وجنسيات متعددة، ويتعاونون في أجواء من المحبة والخدمة والتكافل، بعيدًا عن مظاهر التعصب والانقسام. وهذه التجربة الميدانية، في نظر الإمام الخامنئي، أعمق أثرًا من كثير من المؤتمرات والحوارات النظرية، لأنها تؤسس لعلاقات إنسانية مباشرة تقوم على المعرفة المتبادلة والثقة المشتركة.
ولا يعني التقريب، في هذه الرؤية، إلغاء الخصوصيات المذهبية أو الدعوة إلى الذوبان الفكري، بل يعني تحويل التنوع إلى عنصر إثراء، مع الحفاظ على وحدة الأمّة في مواجهة التحديات المشتركة. ولذلك يؤكد الإمام الخامنئي باستمرار ضرورة اجتناب كل خطاب أو ممارسة تؤدي إلى إثارة الكراهية أو الإساءة إلى مقدسات المسلمين، لأن صيانة الوحدة تمثل واجبًا شرعيًا ومسؤولية حضارية.
وتبرز هنا محبّة أهل البيت(ع) باعتبارها من أهمّ المشتركات التي يمكن أن تسهم في تعزيز التقارب بين المسلمين، إذا قُدّمت بلغة علمية وأخلاقية، تقوم على الحوار والاحترام، بعيدًا عن الاستفزاز أو الإقصاء. ومن ثم يصبح الأربعين فضاءً رحبًا لإبراز هذه المشتركات، وترسيخ ثقافة التعايش والتعاون، بما يخدم مشروع الأمّة الإسلامية ويعزز وحدتها.
ومن خلال هذا الترابط بين الأمّة الإسلامية والتقريب بين المذاهب، ينتقل الإمام الخامنئي إلى بُعد آخر في تحليله للأربعين، يتمثل في اعتباره مصدرًا من أهم مصادر القوة الناعمة، وتجليًا حيًا لثقافة المقاومة، وهما المحوران اللذان يمهدان للحديث عن مشروع الحضارة الإسلامية الحديثة.
الأربعين وثقافة المقاومة.. من الوعي التاريخي إلى المسؤولية الحضارية
يمثل مفهوم المقاومة أحد المرتكزات الأساسية في فكر الإمام السيد علي الخامنئي، إلّا أنه يتجاوز في دلالته الإطار العسكري أو السياسي الضيّق، ليغدو ثقافة شاملة قوامها الثبات على المبادئ، ورفض الظلم، وصيانة الكرامة الإنسانية، والدفاع عن الحق والعدالة. ومن هذا المنظور، تُشكّل نهضة الإمام الحسين(ع) المنبع الأصيل لهذه الثقافة، بينما يمثل الأربعين الامتداد الشعبي المتجدد لها عبر التاريخ.
فزيارة الأربعين، في رؤية الإمام الخامنئي، ليست مجرد استذكار لمأساة تاريخية، وإنما تجديد للعهد مع الرسالة التي حملها الإمام الحسين(ع)، واستحضار دائم للقيم التي قامت عليها ثورته. ولذلك ينبغي أن تتحول المشاعر الدينية إلى وعي وبصيرة ومسؤولية، بحيث ينعكس الولاء للحسين في السلوك الفردي والاجتماعي، وفي الموقف من قضايا الأمّة والإنسان.
ومن هنا، فإن ثقافة المقاومة التي يُجسّدها الأربعين لا تقوم على العنف أو الصراع، بل على بناء الإنسان المؤمن، القادر على مواجهة الظلم بالوعي والثبات والتضحية، وعلى الإسهام في إصلاح المجتمع والدفاع عن المظلومين. وهذه الثقافة، في نظر الإمام الخامنئي، هي التي تحفظ للأمة عزتها واستقلالها، وتمنحها القدرة على مواجهة التحديات الحضارية والسياسية.
الأربعين.. وتجلّيات القوّة الناعمة
من أبرز ما يُميّز قراءة الإمام الخامنئي للأربعين، توظيفه لمفهوم القوة الناعمة في تفسير هذه الظاهرة المليونية. فالقوة، في المنظور الإسلامي، لا تقتصر على الإمكانات العسكرية أو الاقتصادية، بل تشمل كذلك ما تمتلكه الأمّة من رصيد ثقافي وأخلاقي وروحي، وقدرتها على التأثير في الآخرين من خلال القيم والسلوك والنموذج الحضاري.
وتُعدّ مسيرة الأربعين من أوضح صور هذه القوة؛ إذ تجتمع فيها ملايين البشر من مختلف الجنسيات والثقافات بدافع الإيمان وحده، ومن دون إكراه أو حوافز مادية. كما تتجلى فيها قيم الإيثار والخدمة المجانية والتكافل الاجتماعي والانضباط الشعبي، بما يُقدّم صورة مغايرة للصورة النمطية التي تحاول بعض وسائل الإعلام العالمية رسمها عن الإسلام.
ولا تكمن أهمية هذه القوة في حجم المشاركين فحسب، بل في الرسالة الأخلاقية والإنسانية التي تحملها. فالمواكب التي تفتح أبوابها للزائرين، والمتطوّعون الذين يقدّمون خدماتهم بإخلاص، ومظاهر الاحترام والتعاون التي تسود المسيرة، كلها تعكس منظومة قيمية قادرة على استقطاب الاهتمام العالمي، وإبراز الوجه الحضاري للإسلام من خلال الممارسة العملية لا الخطاب النظري.
من هنا، يرى الإمام الخامنئي أن الأربعين يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز الحضور الثقافي للأمّة الإسلامية، وإظهار قدرتها على تنظيم واحدة من أكبر التجمعات البشرية في العالم بروح شعبية وأخلاقية، الأمر الذي يمنحه مكانة خاصة في مشروع القوة الناعمة الإسلامية.
الأربعين.. وأُفق الحضارة الإسلامية الحديثة
تبلغ الرؤية الفكرية للإمام الخامنئي ذروتها عندما يربط الأربعين بمشروع الحضارة الإسلامية الحديثة، وهو المشروع الذي يحتل موقعًا مركزيًا في خطابه الفكري. فالحضارة، في تصوره، ليست تقدمًا ماديًا فحسب، وإنما منظومة متكاملة تجمع بين الإيمان والعلم، والأخلاق والعدالة، والحرية والمسؤولية، والروحانية والعمران.
وفي هذا السياق، يغدو الأربعين نموذجًا مصغرًا للمجتمع الحضاري المنشود؛ إذ تتجسد فيه قيم التعاون، والإيثار، والثقة الاجتماعية، والعمل التطوعي، واحترام الإنسان، والمشاركة الشعبية، والانضباط، والشعور بالمسؤولية الجماعية. وهذه القيم، عندما تتحول إلى ثقافة راسخة في حياة الأمّة، تشكل الأساس الحقيقي لأي مشروع حضاري.
كما يؤكد الإمام الخامنئي أن بناء الحضارة لا يتحقق بقرارات رسمية أو بإمكانات الدولة وحدها، بل يعتمد أساسًا على وعي الشعوب وإيمانها واستعدادها للمشاركة. ويُقدّم الأربعين نموذجًا عمليًا لهذه الحقيقة؛ إذ تقوم هذه الظاهرة الكبرى على المبادرة الشعبية، وروح الخدمة، والتعاون الطوعي، وهو ما يكشف عن الطاقات الحضارية الكامنة في الأمّة الإسلامية.
من جهة أخرى، فإن عالمية المشاركة في الأربعين تمنحه بُعدًا إنسانيًا يتجاوز الإطار الجغرافي للعالم الإسلامي، ويجعله وسيلة للتعريف برسالة الإسلام وقيمه الأخلاقية، وفتح آفاق للحوار الحضاري مع الشعوب المختلفة. وبهذا المعنى، يصبح الأربعين ليس فقط مناسبة دينية، وإنما منصة حضارية تقدم نموذجًا عمليًا للقيم الإسلامية في المجال العام.
خاتمة:
تكشف القراءة المنظومية لفكر الإمام السيد علي الخامنئي أن الأربعين يحتل مكانة تتجاوز بكثير حدود الشعائر الدينية التقليدية. فهو، في هذه الرؤية، مشروع متكامل لإحياء الأمّة الإسلامية، وإعادة بناء هُويتها الجامعة، وترسيخ ثقافة الوحدة والتقريب بين المذاهب، وتعزيز ثقافة المقاومة، وإبراز القوة الناعمة التي تمتلكها الأمّة، وصولًا إلى الإسهام في بناء الحضارة الإسلامية الحديثة.
من هنا، فإن العلاقة بين هذه المفاهيم ليست علاقة تجاور، بل علاقة تكامل؛ فالأمّة الإسلامية تمثل الإطار الجامع، والتقريب بين المذاهب يعزز وحدتها الداخلية، وثقافة المقاومة تصون عزتها واستقلالها، والقوة الناعمة تمنحها القدرة على التأثير الحضاري، بينما تشكل الحضارة الإسلامية الحديثة الأفق النهائي الذي تتجه إليه هذه العناصر جميعًا. وفي قلب هذه المنظومة، يقف الأربعين بوصفه تجربة إيمانية واجتماعية وحضارية، تتجسد فيها القيم الإسلامية في الواقع العملي، وتتحول من مبادئ نظرية إلى ممارسة إنسانية حيّة.
وعليه، فإن خصوصية قراءة الإمام السيد علي الخامنئي للأربعين تكمن في أنها تنقله من إطار المناسبة الدينية إلى إطار المشروع الحضاري. فالأربعين، في منظوره، ليس مجرد إحياء لذكرى عاشوراء، بل مؤسسة متجددة لإحياء الأمّة، وبناء الإنسان، وتعزيز التضامن الإسلامي، والتمهيد لمستقبل حضاري يستلهم قيم الإسلام في مواجهة تحديات العصر، ويؤكد أن الشعائر الدينية، حين تُفهم في إطارها الرسالي، تستطيع أن تكون قوة فاعلة في صناعة التاريخ وبناء المستقبل.